هيئة علماء المسلمين في العراق

جهاد المقاومة أم مقاومة الجهاد - أ. إبراهيم العسعس
جهاد المقاومة أم مقاومة الجهاد - أ. إبراهيم العسعس جهاد المقاومة أم مقاومة الجهاد - أ. إبراهيم العسعس

جهاد المقاومة أم مقاومة الجهاد - أ. إبراهيم العسعس

جهاد المقاومة أم مقاومة الجهاد - أ. إبراهيم العسعس إنَّ جهادَ المقاومة قضيةٌ لا مجال للجدال فيها ، فبه يُحافـَظ على هُـوية الأمة وثقافـتها ، وهو علامة على حياتها ، وخيارِها في أن تكون قطيعاً أو أمةً من الأحرار ، وليس لأحدٍ الحقُّ في أن يقول لأحد كن عبداً ، لا تُقـاوم من يعـتدي عليك حتى أنظر لك في المسألة ! أو لا تقاوم ضنَّـاً بنفسك أن تـُلـقـيَها في الـتهلـكة ولهـذا يقـول ابن تيمية: "ولا يُترَكُ الجهادُ الواجبُ لأجل من يُقـتَـل شهيداً ، فإنَّ المسلمين إذا قاتـلوا الكفار فمن قُـتـِلَ من المسلمين يكون شهـيداً" (الفتاوى : 547).

--------------------

عندما أسمع عن الطبائعُ،أقف عند نُقطة البَداهة يسألُ عن مشروعية جهاد المحتلِّ لا ينتهي عجبي ، وأقـول في نفسي : عمَّ يتساءلون ؟!! أعن الطبائع التي فُطِرت عليها كلُّ المخلوقات ؟! أم عن الغريزة المُلازمة لجوهر الإنسان ؟! ومنذ متى تحتاج الطبائعُ ، والغرائزُ لـتشريع ؟! لكنَّها من عجائب المسلمين في هذا الزمان المُفتين، أوقاتهم في البحث عن مشروعية ما لا يحتاج لـتـشريع ! فهل يحتاج الإنسان لمن يقول له إذا عَطِـشْت فاشرب ؟ وإذا جُعْت فَكُل ؟! وإذا ظُلِمتَ فانـتـصِر ؟! وهَبْـكَ جئتَ بكلِّ من على الأرض من المُفتين ، فقالوا له لا تـشرب ، ولا تأكل ، ولا تـنـتصر ! أتـراه يُطيعهـم ؟ لا جَرَم أنَّه سيقول لهم بل بكم سأبدأ !

وَهبْني قلتُ هذا الصبحُ ليلٌ
                            أَيَعْمى العالَمونَ عن الضِياء

إنَّ الأمَّة فيفـي:رُقـيِّهافي: أصابها ضَيْـمٌ لا تـتـناقش في : هل تقاوم أم لا ؟ لكنها تـتـناقش فـي: كيف تقفطرة، ذلك أنَّ مقاومة الاعتداء فطرة، وشأن الفطرة ألاَّ تُقام عليها الأدلة، فهي شيء يـتخلَّلُ القلوب، ولا تَجهدُ العقولُ في استحضاره، وهي لذلك سلوكٌ طبيعي غريزي.

وليس يصِحُّ في الأذهان شيءٌ
                          إذا احتاج النهارُ إلى دليل

وعادةُ الشرائع أنَّها لا تأتي الغرائز،العدوان،ن مشروعية الغرائز، بل تكتفي بتقريرها، والتشريعِ لنتائجها. وهذا هو حال الشريعة الإسلامية مع ردِّ العدوان ، والانـتصار ضدَّ الظُلم ، ومقاومة الاحتلال .

ثم قلتُ من ضِيقهم يتساءلون، ومن شوقهم يتساءلون، ضيقِهم من هذا الافتئات على الشريعة باسمها، وشوقِهم إلى سماع ما يعرفون، أليس:

وكـثـيـرٌ مـن الـسـؤال اشـتـيـاق .... ؟

فليكن ضيقي من ضيقهم، وشوقي من شوقهم، فحديثي إذن من باب:

وكـثـيـرٌ مـن ردِّه تـعـلـيـلُ .......

فمن المخاطَبُ بهذا الحديث ؟ الرأي العامُّ العالمي ؟! وكأنَّ الذي ينقصهم أن يعرفوا الحق ليعذروا مقاومتنا، وينـتهوا عن وَسْمنا بالإرهاب ؟ كيف والذي يحكم العالم منطقُ القوة ، لا قوة المنطق !

لا أينَ ، فالعدلُ المُـقدَّسُ ها    هنا رأي القويِّ وشِـرعةُ الغلاَّبِ
وسعادةُ الضعفاءِ جُـرْمٌ ما لــه      عندَ القويِّ سوى أشدِ عقابِ
إنَّ السلامَ حقـيقـةٌ مَكذُوبـةٌ      والعدلَ فلسفةُ اللهيبِ الخابي
ما العـدلُ إلاَّ إنْ تعادلت القِوى          وتصادمَ الإرهابُ بالإرهـابِ

أم المخاطَبُ به كُـتَّـابُ القِطعة النادمون على نضالاتهم السابقة ، أم المُفتون الساعون وراء فتات الموائد ، " أهلُ الكروشِ القابضون على القروش " ، فهؤلاء وأولئك لا وجود ل ( لا ) في أبجديتهم فهم الذين :

...... لولا الـتــشهـدُ كانــت لاؤُهم نعمُ !

وهم الذين لا يَـكَـلُّالاحتلال،عنا ألا دعكم من مقاومة الاحتلال :

فـما فـي سَجـايـَاكُـم مُـنازَعـةُ العُـلَـى ..... !

ولولا هؤلاء لهانَ أمر الاحتلال ، فالهزيمةُ لا تُقاسُ بأرض احتُـلت ، وإنما بأفكارٍ اختَـلَّت ، وقلوبٍ انهزمت ، والأمةُ اليوم بين المُحـتـلِّ الذي يغـتـصبُ الأرض ، والمُخـتـلِّ الذي يتلاعبُ بالمفاهيم :

ولو كان سهماً واحداً لاتقيتُهُ   
                            ولكنَّهُ سهمٌ وثانٍ وثالثُ

وأخطرُهُ الذي يُلْبِسُ ضلالاتِه آياتالمعري: فهو المَعنيُّ بقول المعري :

وكم من فقيهٍ خابطٍ في ضَلالةٍ 
                                            وحُجَّـتُه فيها الكتابُ المُنزَّلُ

وهؤلاء الذين يتساءل المرءُ عنهم:

هذا سؤالُ معذِّبٍ ببراءة
                                  جهلاءُ أهلُ الرأي أم عملاءُ

فلم يبق محلُّ لمثل هذا الحديث إلا مجموع الأمَّة حذراً من أن يتوهوا تحتمِحورين،ت الـتزوير، التي يقوم عليها جيشٌ من الإعلاميين، والمثـقـفين، والمفـتـين. من أجل ذلك كان الحديثُ حول هذه القضية ضرورةً لا بدَّ منها، لكني سأدير الحديث بما يناسب المقام، على مِحورين ، فليس القصدُ شرحَ المسألة عن طريق استيفاء الأدلة ، والتفصيل فيها ، وجمع الفتاوى والـتعليق عليها . المحور الأول: ربط المسألة بطبيعة خلق الإنسان وبما جاء به القرآن من أصول تُـنظم هذه الطبيعة ولا تعاندها. فإنه لا: " نجاة للبشرية، ولا للأمَّة المسلمة إلا بإدخال هذا القرآن في المعركة ليخوضها حَـيَّـةً كاملةً كما خاضها أول مرَّة " كما يقول سيد رحمه الله. ( الظلال: البقرة / 193 ).

المحور الثاني: الإشارة إلى بعض الشُّبَهِ المُثارة على مشروعية جهاد المحتلين، كي لا يمر التدليس على الناس.

1 ـ ردُّ الظلم ، والدفاعُ عن النفس صفةٌ لازمة لطبع الإنسان ، وخِلقةٌ قائمةٌ في جوهره . فقد خَلقَ اللهُ سبحانه في الإنسان مجموعةً من القوى لـتـنـتـظم حياتُه على الأرض ، منها القوةُ الغضبية التي تدفع الإنسانَ لنيل حقِّه ، والدفاعِ عن نفسه ، والمحافظةِ على حقوقه ، ودفعِ عدوِّه ومن يصول عليه . أي أنَّ الغضب لا بُدَّ منه للإنسان ، فهو ليس مذموماً على الإطلاق ، وقد قال الشافعيُّ رحمة الله : " من استُغضِب فلم يغضب فهو حمار " " ومن فَقَد الغضبَ فقد عَدِم من فضائل النفس : الشجاعةَ والأَنفة والحَميَّة والدفاع ، وكان ذلك من ذُلِّ النفس ! ولأنَّ الإنسان لا يَنكفُّ عن المُغالبة والقهر إلاَّ بمانع قوي :

والظلمُ من شِيَم النفوس فإن      تجد ذا عِفَّةٍ فلعلةٍ لا يَظلِمُ

لذلك لا بُـدَّ من قوةٍ يُرهب بها من يُفكِّر بالاعتداء عليه ، لأنَّ الناسَ لا يُتركون لعقولهم ودينهم ، " إذ ربَّما كان العقلُ والدينُ مضعوفَين ، أو بداعي الهوى مغلوبَين ، فتكون رهبةُ القوة أشدَّ زجراً ، وأقوى ردعاً " . وهذا من هداية الله سبحانه للإنسان
" والذي قدَّر فهدى "
أي قدَّر أحوالَ خَلْقِه ، ومنها الغضبُ عندما يُعـتَدى عليه . ولقد خلق الله سبحانه كلَّ خلقه على هذه الشاكلة ، فكل المخلوقات تُـفرِز عند الغضب والخوف مادةَ الأدرينالين فبها يتقي الإنسان أعداءه ، وبها ينتصر لنفسه ، ومن هنا تعلم أنَّ الحملة الآن لا يُقصد منها تجفيف منابع الإرهاب ، بل تجفيف منابع الأدرينالين !!

2 ـ وجاء القرآنُ ليوافق هذه الفطرة فقرَّر أنَّ الحياة قائمةٌ على قانون التدافع :
" .... ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ لهُدِّمت صوامعُ وبِـيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُـذكَرُ فيها اسمُ اللهِ كثيراً... "
الآية ( الحج : 40 ) .
فهذه الآية تُـقرِّر أنَّ الحقَّ يحتاج لقوة تدافع عنه إن هُـوجِـم، فجَعلَ من أهلِ الحقِّ قوةً تَـدفعُ المُعتدين عنه. وهي تشريعٌ في مقاومة المعتدي أو المحتل. خاصةً أنَّها جاءت بعد إذنه تعالى لمن ظُلم بإخراجه من أرضه بأن يُقاتِـل من أخرجه، قال تعالى:
" أُذن للذينَ يُقاتَـلون بأنَّهم ظُـلِـمُوا، وإنَّ اللهَ على نصرِهم لَـقديرٌ. الذين أُخـرِجُـوا مِـن ديارِهِـم بـغـير حـقٍّ إلاَّ أنْ يَـقـولوا ربُّـنـا اللـهُ.. "
( الحج: 39، 40 ).

3 ـ وللشريعة مقاصد جاءت للمحافظة عليها، وهي الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال. والمحافظة على هـذه الضرورات واجب على المسلم، و لاشكَّ أنَّ الاحتلال يَـقضي على هذه الضرورات، فهو لا يستطيع الاستمرار ما لم يَمْحُ حضارةَ وثقافةَ من يحتله لذلك يسعى لتشويه الدين وتخريبه. ويحرِصُ على قـتل النفوس إمَّا قتلاً حقيقياً ، أو معنوياً من خلال كَسر إرادات النفس البشرية أو إفسادها . وكذلك الحال بالنسبة للأعراض والعقول والأموال. لكلِّ هذا كان جهاد المحتل فريضةً من فرائض هذا الدين التي لا يستقيم إلا بها. قال ابن حزالممتحنة:ه: " لولا المجاهدون لهلك الدين، ولكنا ذمةً لأهل الكفر ".

4 ـ وقال تعالى:
" لا ينهاكمُ اللهُ عن الذين لم يُقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إنَّ الله يحبُّ المُقسطين. إنَّما ينهاكم اللهُ عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظَاهروا على إخراجكم أن تولهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون "
( الممتحنة : 8 ، 9 ) . فالآية ترفع الحرج عن صِلَة الذين لم يُعادوا المؤمنين، فكأن ردَّ الظلم، وقتالَ الذين قاالشخصي،ى الدين، وأخرجونا من ديارنا، وعاونـوا على إخراجنا، أمرٌ طبيعي لا يحتاج لتقرير، لأنَّه يمشي مع طبيعة الإنسان.

5 ـ الجهاد، والمقاومة فعلٌ حضاري، والدفاع عن النفس دليل حياة الإنسان، حتى على المستوى الشخصي ، داخل المجتمع المسلم .
جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أرأيتَ إنْ ". رجلٌ يريد أخذ مالي، قال: " فلا تعطه مالك " قـال: أرأيتَ إن قاتلني ؟ قال:" قاتـلْـه " قال: أرأيت إن قـتـلني ؟ قال: " فأنت شهـيد " قال: أرأيت إن قـتلـتُه ؟ قال: " هو في النار " ( رواه مسلم ). وقال تعالى: " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل "
( الشورى: 41 ).

لقد جعلت الشريعةُ إحياءَ النفس إحياءً للناس جميعاً ! فالقرآن وهو يتحدثُ عن قـتل النفس بغير حق، والفساد المترتب على ذلك، يقول:
" ... ومن أحياها فكأنَّما أحيا الناسَ جميعاً.. "
( المائدة: 32 ). أما قـتل الإنسا".لإنسان فمعروف ، لكن كيف يُحيي الإنسانُ الإنسانَ ؟! إنَّ إحياء النفس يكون بإحياء حـقِّها ، وقـتـلِ قاتـلها . هذا على المستوى الفردي ، فكيف بمن يحـتـلُّ الأرض ، ويـُبـيح الدماء ، ويـُبـيد أمةً كاملة ؟!

6 ـ قال الله سبحانه :
" والعصر .. "
ربط الله في هذه السورة الإنسانَ بواجب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ، والمعروفُ يدخل فيه كل ما يُحبه اللهُ ويرضاه مما تتحقق به مصالح العباد .

" وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " ( الفتاوى : 28 /66 ) . ولا شك أن جهاد المحتل أعظم معروف .

7 ـ " وقاتلوا المشركين كافةً كما يقاتلونكم كافةً واعلموا أنَّ الله مع المتقين " .

8 ـ " وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدينبه،ُّه لله ".

9 ـ " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " .

الأدلة كثيرة واستيفاؤها ليس مقصوداً كما أشرتُ آنفاً ، لكن من يُدلِّسون قصداً أو جهلاً لا يتركونك تركنُ إلى هذا الوضوح ، وتطمئنُ إلى هذه القواطع ! لذلك لا بُـدَّ من الإشارة إلى بعض ما يُشاغبون به ، فيُشوِّشون على من يجاهد دفاعاً عن دينه وأرضه وعرضه !

ولعلك لا تـتوقع أن يقول أالتهلكة،أنا لستُ مع جهاد المُحتلين، وردِّ عدوانهم، وإخراجهم من أرضنا، هو لن يقول هذا، بل سيقول:

ـ ولكنَّ شروطَ الجهاد ليست متوفرة ، وأهمُّها إذنُ الحاكم ! ومنها عدم إلقاء النفس في التهلكة ، ومنها أرض منعة ، ومنها عددٌ مظِنَّة الغلبة .....

وأحب هنا أنوعان؛ِـزَ على مسألة شروط الجهاد التي دندنت حولها كثيرٌ من الفتاوى ، وبنت عليها كثيرٌ من المقالات ، فأقول : نعم هناك شروط للجهاد ذكرها أهلُ العلم الثقات ، استنباطاً من الكتاب والسنة ، ولكنَّ الذين ذكروا هذه الشروط في موقع هم أنفسُهم الذين أهملوها في موقع آخر ! ذلك أنَّ الجهاد نوعان ؛ جهادُ طلبٍ وهو جهادُ الدعوة ونشر الإسلام ، والشروط المذكورة تتعلق به . أما الجهادُ الثاني فهو جهادُ الدفع ، فلا يُشترط له ما يُشترط لجهاد المبادَأة والطلب ، فلا يلزم له وجودُ قيادةٍ عامة ولا غيرها من الشروط ، وهذه أقوال بعض أهل العلم الدالة على ذلك :

قال ابن قدامة رحمه الله : " فإنْ عُـدِم الإمامُ لـم يُؤخر الجهاد ، لأنَّ مصلحته تـفوت بتأخيره " ( المغني : 1/374) .

وقال ابن تيمية رحمه الله : " وأما جهاد الدفع فهو أشدُّ أنواع دفعِ الصائل عن الحُرمة والدين ، فواجب إجماعاً ، فالعدو الصائل الذي يُفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ، فلا يُشترط له شرط ، بل يدفع بحسب الإمكان " ( الاختيارات الفقهية : 39 ) .
ورداً على الخوف من التهلكة والفتنة يقول ابن تيمية رحمه الله : " الفتنة أكبر من القتل ، أي أن القتل وإن كان فـيه شـر ومفـسـدة فـفي فـتـنة الكفـار من الشـر والفـساد ما هـو أكبر منه " ( الفتاوى : 8 / 355 ) .

وقال ابن قدامة رحمه الله : " إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين ، فوجب على الجميع ، فلم يجز لأحد التخلف عنه " ( المغني : 9/179 ) .

وقال ابن القيم رحمه الله : " ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين فكان الجهاد واجبا عليهم لأنَّه حين إذ جهادُ ضرورةٍ ودفعٍ لا جهادَ اختيار ، وجهاد الدفع يقصده كلُّ أحد ... "

والذي يشير إليه ابنُ القيم رحمه الله مهم جداً، فالاحتلال أزمة، والأزمات لها ظروفها الخاصة، فقوانينها تختلف عن تلك في الأوقات الطبيعية.

لقد اتفق العلماء على أنَّ الجهاد في هذه الحالة فرضُ عين ، مُستدلين بما نزل في غزوة تبوك عندما حشد الروم على تخوم الجزيرة لغزو المدينة ، فاستنفر اللهُ سبحانه المسلمين :
" انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ، ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون " 
( التوبة : 14 ) .

إنَّ جهادَ المقاومة قضيةٌ لا مجال للجدال فيها ، فبه يُحافـَظ على هُـوية الأمة وثقافـتها ، وهو علامة على حياتها ، وخيارِها فعين،تكون قطيعاً أو أمةً من الأحرار ، وليس لأحدٍ الحقُّ في أن يقول لأحد كن عبداً ، لا تُقـاوم من يعـتدي عليك حتى أنظر لك في المسألة ! أو لا تقاوم ضنَّـاً بنفسك أن تـُلـقـيَها في الـتهلـكة ولهـذا يقـول ابن تيمية : " ولا يُترَكُ الجهادُ الواجبُ لأجل من يُقـتَـل شهيداً ، فإنَّ المسلمين إذا قاتـلوا الكفار فمن قُـتـِلَ من المسلمين يكون شهـيداً " ( الفتاوى : 547 ) .

وخلاصة القول إنَّ الفقهاء والمحدثين في جميع العصور متـفقون على أنَّه إذا اعتُدي على شبر من أراضي المسلمين أصبح الجهاد فرضَ عين ، وهو أمر لا خلاف عليه .

وبعد فالمطلوب من هؤلاء إذا لم يقولوا الحقَّ، ألاَّ يقولوا الباطل، وأن يقفوا وِقفة المعذور إذ لم ينصروا، كما قال الأول:

تَخِذْتـُكُموا دِرعاً حَصيناً لِـتَدْفعوا     
                        نِبالَ العِدى عنَّي فكـنتم نِصالها
وقد كنتُ أرجو منكمُ خيرَ ناصـرٍ     
                    على حينِ فُـقدان اليمينِ شِمالَها
فإن كُـنتمُ لا تَحفظون مـودتـي     
                            وفاءً فـكونـوا لا عليها ولا لها
قِفُوا وِقفةَ المعذورِ عنِّي بِمَعْـزِلٍ     
                            وخَـلَّوا نِبالي للعِـدى ونِبالَـها

ويقال أيضاً للذين ينظرالخلف،بلاد المسلمين تؤكل قطعة قطعةً ، ظانِّين أنَّهم في مَعزِل عن الخطر : يقال لهم على لسان كل ما احتل من أراضي المسلمين :
" إنَّ سهماً جاءني من الخلف ، سيأتيك من ألف خلف " .

المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط

أضف تعليق