حين تكفّ البلدان عن أن تكون أوطانا وتغدو ساحات.. مجرّد ساحات يتصارع على أديمها الجيران وحتى القادمون من أقاصي الدنيا ويصفّون ما تراكم من حساباتهم، يغدو أبناء تلك البلدان ومقدّراتها مجرّد وقود يُلقى إلى النار كلّما دعت الحاجة إلى ذلك..
وقد تتراوح تلك الحاجة بين المحافظة على توازن القوى حتى لا يتغلّب طرف على آخر وتغدو له مطامح أبعد من قتال أشقائه، وبين مجرّد الحاجة إلى التعتيم على أمر ما داخلي لا صلة له بشؤون البلد/ الساحة ومشاغل مواطنيه المسخّرة أرواحهم ومقدرات بلدهم ومستقبل أبنائهم في حروبٍ الخسارةُ نتيجتها الوحيدة الممكنة.
هذا التوصيف ينطبق على حالة العراق الذي غدا عالقا بين ناري الاحتلال الأمريكي المباشر والتدخل الإيراني المقنّع بقناع رثّ لا يكاد يخفى من ملامح مرتديه شيئا..
فواشنطن التي جرّبت مجازفة الاقتراب من النار العراقية مباشرة، استعادت أسلوبا استعماريا قديما مجرّبا.. أسلوب الضرب بأيادي الآخرين.. والآخرون في العراق هم تقريبا جميع الفرقاء وحتى الحلفاء الذين تكفي همسة واحدة في أذن أحدهم حتى يمسوا متراشقين بنيران الأسلحة في قلب المدن والحواضر المأهولة..
وعلى الطرف الآخر إيران التي تخصّصت في الاتّجار في المسروق.. والمسروق هنا بلد بحاله بما على أرضه من عباد وتحت أديمه من ثروات، فقد غدت شريكا رئيسيا للولايات المتحدة في احتلال العراق، أكثر استفادة من الشركاء الفعليين الذين أرسلوا جيوشا وبذلوا أرواحا وأموالا وأراقوا ماء الوجه وهم يدافعون أمام شعوبهم عن خيار بوش الذي ما زال يتمسّك بأنه الخيار الأصوب رغم كل ما تكشّف من حقائق.
ما أيسر أن يندلع قتال بمختلف أنواع الأسلحة في مدينة من مدن العراق، وما أكثر المعارك العبثية التي تبدأ كما تنتهي دون أثر يُذكر على مجريات الساحة اللهم "فاعليتها" في تقليص عدد سكان العراق، وزرعها لمزيد من الضغائن التي تمثّل بدورها بذور حروب أخرى قادمة ومطلوبة من المحتلّ وربيبه..
تتريث الدول كثيرا قبل خوض الحروب، وتضطر دول أخرى إلى "مفاوضة الشيطان" حقنا لدماء مواطنيها. أما حين تكون "عصمة" بلد بيد جار لا يرحم وغريب قادم من أقاصي الجغرافيا، فيصبح إعلان حرب أيسر من الإعلان عن منازلة في الملاكمة، الفرجة فيها مضمونة والضرب سيتلقاه حتما أحد الملاكمين.. هكذا تفعل طهران وواشنطن اليوم على أرض العراق..
وهكذا يخرج رئيس "الحكومة" العراقية كل أسبوع أو أسبوعين معلنا حربا جديدة لا ناقة للمواطن العراقي فيها ولا جمل، بل هي مجرّد تصفية حساب بين من كانوا حلفاء واختلفوا فجأة على اقتسام الغنائم.. فما الذي يعني العراقي البسيط حين يُنْكَبُ في الأب والابن والزوج والشقيق.. وحين يفقد المأوى ومورد الرزق، من حروب "رأس" "الحكومة" على "صدرها".. وما الذي يعنيه من البلاغات التي توضّح أن الحرب على "الصدر" كله أو على قسم من أتباعه.. ألم يكن هذا "الصدر" لذاك "المالكي" الرئة التي تنفس منها في سباقه للفوز بغنيمة رئاسة الحكومة؟..
في عراق اليوم أرواح كثيرة تزهق مجانا ودماء غزيرة تراق هدرا ورصاص كثيف يطلق في غير موضعه الطبيعي وهو رأس المحتلين.
إن الحرب الوحيدة المشروعة في عراق اليوم هي حرب مقاومة الاحتلال، مباشرا كان، أم مقنّعا. وإن الرصاصة الشريفة هي التي تطلق في اتجاه الغزاة. أمّا ما عدا ذلك فرصاص حرام يكرس تحوّل بلاد ما بين النهرين إلى بلاد ما بين النارين، والعراق بكل عظمته ووزنه في الحاضر والتاريخ إلى مجرّد عِرَاكٍ على فُتات سلطة وشبح حكومة..
زعماء واشنطن، وبعد تقرير كروكر وبترايوس أصبحوا يبحثون عن كبش فداء يبرر حربهم ويتبرأون به من المنازلة على الأرض..
ما قاله تقرير كروكر وبترايوس عن تجميد الانسحاب واتهام إيران وسوريا وحزب الله يكشف أن الأزمة لم تعد تطاق وأن الحرب اقترب وقت توقفها إما هروبا، أو انسحابا "مشرفا" أو توريط العراقيين في سلطة هشة والاكتفاء بقواعد تراقب ما يجري عن بعد.. ومع ذلك، فإن المقاومة ستطالهم وستطال "الرأس" و"الصدر" والجار اللاعب بالنار.
العرب اونلاين
بلاد ما بين النّارين.. العرب اونلاين
