التاريخ.. ليس ورقا وكلمات كما يتوهم ابناء العيش، وابناء العيش ، بالمناسبة يختلفون عن ابناء الحياة. ابناء العيش هم.. ابناء يومهم لا يرون الى أبعد من انوفهم ، يأتون ويذهبون ، كما اوراق الشجر. أما ابناء الحياة فهم الذين فهموا ويفهمون الحياة «وقفة عز فقط»، ، والعز.. قيمة مجتمعية حياتية ولا تزيدها السنوات والقرون الاّ غنى والاّ.. توهجا،،.
العيش حيلة أما.. الحياة فلا يدرك معناها وقيمها الاّ من تمرّس بتقاليدها الراقية ، فبات لا يرى في الموت الاّ.. رفيق درب وشرطا من شروط انتصار الحياة على.. العيش ، والحرية على.. العبودية و.. الخلود على .. العدم والفناء،،.
والتاريخ.. كما قلنا ، ليس ورقا وليس كلمات.. وتاريخ امة ما هو.. سجّل سير حياتها بكل ما حفل به من وقائع واحداث وتجارب وعبر،. والشعوب الحيّة الحضارية العريقة ، كشعبنا العراقي العظيم المتفوّق في جوهره الانساني ، حتى في ايام كبواته التي مرّ بها عبر التاريخ ، ظل الاحرص على التعبير عن ميزاته الراقية ، في احلك العتمات والازمات ، مثل هذه الازمة الفظيعة.. المريعة التي تعصف به الان،.
في ذروة هذه الازمة ، كان العراق ، ولم يزل ، يعطي الدرس للشعوب ، كما سبق له ان اعطاها قواعد الحضارة والتقدم،.
في مثل هذا اليوم قبل خمس سنوات تمكن الغزاة البرابرة من عبيد المادة ورموز الوثنية المادية ، من اجتياح العراق واحتلاله كخطوة اولية للسيطرة على العالم والشعوب بعد تحطيم ارادتها وتهشيم حريتها بقصد استعبادها ونهب مواردها والتحكّم في مساراتها،.
ونجح الاجتياح وخيم الاحتلال وتوهم الغزاة أن الدروب اصبحت سالكة امام العودة بالتاريخ والانسان الى العصور الحجرية البدائية حين كان الانسان البدائي يقتل اخاه الانسان ويشرب دمه ظنا منه بأن قوة القتيل أُضيفت الى قوة القاتل،،.
ومثل هذا الوضع الموغل في رجعيته وتخلّفه وبدائيته ، هو أبشع وافظع واشد ظلمة وظلما من.. شريعة الغاب.
بعد خمس سنوات على هذا الاجتياح والغزو بكل ما حفلت فيها من فظائع وجرائم القتل والاغتيال والتهديم والاغتصاب والنهب والقمع والتشريد ودقّ اسافين الفرقة والتفتيت بين ابناء الشعب العراقي الواحد ، بعد كل هذا الذي فاق التصوّر في درجات انحطاطه ووحشيته وهمجيته يكتشف الغزاة البرابرة ان محصلة الغزو والعدوان لم تعد عليهم الاّ.. بالويل والخسران والكلفة العالية والفشل الذريع،،.
في صحف أمس فقرات من تقرير اعده خبراء اميركيون من معهد (يو اس اينستيوت اوف بيس) اي.. «المؤسسة الاميركية للسلام» نُشرت فقرات منه قبل ثلاثة ايام جاء فيها.. من بعض ما جاء: «.. ان الولايات المتحدة تواجه خطر الغرق في مستنقع مكلف لا نهاية له في العراق»،، ، و .. «.. ان الوجود الاميركي في العراق يحمل كلفة هائلة على الصعيدين البشري والمادي فضلا عن المصالح الاخرى الكبيرة التي تضحي بها الولايات المتحدة»،،.
بالطبع.. كان هناك عشرات بل مئات بل الوف الدراسات والتحقيقات والمحاضرات والمقالات التي انتهت الى النتيجة نفسها التي انتهت اليها الدراسة الجديدة،،. ومع ذلك.. مع كل ذلك ، فان العصابة الحاكمة في واشنطن التي يرأسها «كليم الله،،» جورج بوش ما زالت ترى ان تصحيح الخطأ الكبير يمكن ان يتم بالاقدام على ارتكاب خطأ اكبر من خلال التحرّش والهجوم على سورية أو ايران أو فصائل وحركات مقاومة العدوان والاغتصاب في لبنان وفلسطين،،.
وبالطبع.. مرة اخرى وثانية وعاشرة ومائة ، فان صورة العالم ومسيرة التاريخ الحالي ، ما كانت لتكون ابدا على ما هي عليه الان ، لولا.. بطولات العراقيين وتضحياتهم واحتقارهم لحيلة العيش على حساب فن الحياة وقيمها الاصيلة النابعة من وجدان العراق وتراثه ومخزونه الحضاري،،.
وصحيح أن البرابرة وعبيد الطغاة قتلوا صدام حسين ورفاقه الاّ ان الاصح.. الاصح أن موت العظيم واستشهاد الكبير ، هو احد شروط الحياة والخلود لابن الحياة،،.
الدستور الاردنية
خمس سنوات على غزو العراق لولا بطولات العراقيين وتضحياتهم لكانت صورة أخرى للعالم.. جورج حداد
