هيئة علماء المسلمين في العراق

إنه التاسع من نيسان.. أين العراق من التغيير والتحول الديمقراطي؟.. محمد خروب
إنه التاسع من نيسان.. أين العراق من التغيير والتحول الديمقراطي؟.. محمد خروب إنه التاسع من نيسان.. أين العراق من التغيير والتحول الديمقراطي؟.. محمد خروب

إنه التاسع من نيسان.. أين العراق من التغيير والتحول الديمقراطي؟.. محمد خروب

تدفقت مياه ودماء غزيرة من تحت جسور العاصمة بغداد، التي تربط رصافتها بكرخها منذ ذلك اليوم المشهود، الذي سقطت فيه عاصمة الرشيد بفعل الغزو الاميركي البريطاني لها تحت دواع ومزاعم كاذبة ومفتعلة.. سيجد الكثيرون ممن فرحوا وابتهجوا لهذا الزلزال المدمر، الذي غيّر وجه المنطقة واشعل فيها حرائق الطائفية والمذهبية والعرقية، وانعش الفكر الظلامي والتكفيري واطلق مارد الارهاب من قمقمه، على النحو الذي نشهده الآن، وهو مرشح للاستمرار والتوسع الافقي والعامودي، رغم كل ما يقال عن نجاحات مزعومة وغير مرئية في واقع الحال، في هذه الساحة أو تلك وخصوصاً في العراق..

نقول: سيجد كثيرون في هذه الاشارات بمثابة حنين الى النظام الديكتاتوري والدموي، الذي سقط في ذلك اليوم وسيرى فيه كثيرون انه بمثابة انكار للتغيير الذي طرأ على العراق ووضعه في طريق التحول الديمقراطي، كما قال السيد مسعود بارزاني في مقالة له نشرتها صحيفة الشرق الاوسط اللندنية في عددها الصادر يوم أمس، بل ان رئيس اقليم كردستان حاول في مقالته دحض مثل هذه الاراء ملصقاً بها تهماً ليست صحيحة وانتقائية عندما قال ... ويغلب على خطاب هؤلاء النزوع الى تبرئة النظام السابق من كل ما ارتكبه من جرائم ضد الانسانية ورفع أي مسؤولية عنه لما جره على العراق من كوارث وبلايا، وما ترتب على نهجه الدموي المغامر من نتائج مدمرة أدت في المحصلة النهائية الى ما آل اليه الوضع من تداعيات بعد السقوط..

حسناً.

لا داعي للدخول في سجال وجدالات حول توصيف وتشخيص طبيعة النظام السابق الذي لا يختلف اثنان حول استبداده وظلمه وارتكاباته بحق الشعب العراقي وخصوصا الكرد منهم.. والمناسبة والحقائق الميدانية لا تسمح بالدخول في مناقشة كهذه وخصوصا في شأن ما آل اليه النظام السابق الذي ذهب قادته بعيدا في ازدراء شعبهم والقانون الانسان الدولي وحقوق الانسان ومارسوا ابشع انواع البطش وارهاب الدولة ضد معارضيهم حتى من داخل الحزب الحاكم وليس فقط الاحزاب الاخرى التي اوصلت البعث الى السلطة في تموز 1968 ثم ما لبث ان انقضّ عليها ونكّل بقادتها ناهيك عن تنكره لكل الاتفاقات التي وقعها مع الاحزاب الكردية والتي لم تكن بالنسبة اليه سوى محطة استراحة والتقاط انفاس لاعادة تجديد آلة القتل العنيفة التي توفر عليها حتى لحظة اسقاطه في مثل هذا اليوم من العام 2003.

لكن ذلك كله ايضا.

لا يمنع من عقد مقارنة بين عراق ما قبل التاسع من نيسان 2003 والعراق الجديد الذي اقامه الاحتلال الاميركي بعد ذلك اليوم، دون أي خشية من اتهام بالحنين الى ذلك العهد الدموي او المسارعة الى القول بغلبة النزوع الى تبرئة النظام السابق.

يمكن للكرد ولغيرهم (بل من حقهم) ان يروا في ذلك التاريخ بداية مرحلة جديدة عبروا فيها الى الحرية والديمقراطية والتعددية، يحدوهم الامل بقيام عراق جديد يحترم حقوق الانسان وينبذ العنف ويقيم دولة القانون والعدل والمساواة وتكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة ولا ينتقص من حقوق القوميات الاخرى الشريكة في الوطن ذات الثقافات والاسهامات الحضارية المعروفة ويرفض أي تفرقة على اسس طائفية او مذهبية او عرقية او جنسوية.

لكن شيئا لم يتغير، وان تغير فانه اتجه الى النموذج البديل والاسوأ على نحو يصعب - وبعد خمس سنوات - البقاء في دائرة تحميل النظام السابق مسؤولية ما آلت اليه الامور، وخصوصاً في تحويل العراق الى مصنع للعصبيات المذهبية والطائفية والى شلل في اجهزة الدولة، التي لم تعد موجودة والى انتشار الفساد ونهب المال العام والتسيب، والى اقتطاع ادارات ومحافظات باكملها تحت دواع طائفية واخرى مذهبية وثالثة عرقية، والأهم من ذلك كله هو انخراط الجميع في الاحتماء بجيوشهم وميليشياتهم الخاصة، والحرص على مراكمة المزيد من المكاسب والامتيازات الجهوية والفئوية والشخصية دونما اكتراث لمصلحة الشعب العراقي، أو وقوف على مسؤولياته السياسية والاخلاقية والوطنية، التي زعم انه يتحملها سواء عندما دعا الى اسقاط النظام السابق وحمل السلاح من اجل هذا الهدف، أم عندما جاء على ظهر دبابات الاحتلال وقبل الانخراط في برنامجه الذي لم يكن خافياً على احد، وهو البقاء في العراق لعقود طويلة مقبلة واحتكار نفطه انتاجاً وتسويقاً وعقوداً خارجية وامتيازات تنقيب ، وثالثاً اقامة نظام موال له يكون مخلب قط لتنفيذ مشروعه لاقامة شرق اوسط جديد يدين بالولاء لواشنطن ويؤمن لاسرائيل المزيد من الامن والهيمنة، ويحتفظ لها بكتابة جدول اعمال المنطقة، ليس فقط كوكيل للمجمع الصناعي العسكري البترولي الاميركي، وانما أيضا شريك له ومسؤول أول فيها يصدر أمر العمليات لكل دول المنطقة وبما يتجاوزها ربما..

لا تقف المسألة عند حدود الرغبات والتمنيات بل هي تغرف من واقع العراق الممزق الان والمسلوب الهوية والارادة والقرار، والخاضع لحكم الميليشيات وامراء الحرب وملوك الطوائف، والذاهب بعيون مفتوحة الى الهاوية والمفرغ من حياته السياسية مضامين وتشكيلات حزبية، تماماً كما كانت الحال في النظام الاستبدادي السابق، كما وصفه السيد مسعود بارزاني.

السنوات الخمس الماضية، كانت اكثر من كافية للحكم على فشل الاحتلال واخفاق المعارضة السابقة في تنفيذ الوعود التي بذلتها، والتي تتكشف الان عن خيبة امل شعبية وعن عمق الكارثة التي لحقت بالعراق، وعن الزمن الطويل الذي يحتاجه عراق ما بعد التاسع من نيسان لترميم ذاته واعادة الاعمار، والسير على سكة التغيير والتحول الديمقراطي، الذي يبدو بعيداً بعيداً.. بعيداً .

.. من أسف

kharroub_(at)_jpf.com.jo

الراي الاردنية

أضف تعليق