يصاب أكثر الناس تفاؤلاً بالاكتئاب والقلق لدى رؤيته أو متابعته للشأن العراقي سواء على المستوى السطحي أو العميق؛ فمشهد القتلى والجرحى وثكالى العراق، وأطفاله المشردين، والدمار الهائل الذي لحق بكل مؤسساته ومرافقه وبنيته التحتية والفوقية،
والانقسام الطائفي الرهيب الذي ما زالت فصوله تتوالى مع حملة المالكي الأخيرة على قوات مقتدى الصدر بالبصرة، والصراعات الإثنية التي غيّرت حتى في عَلم العراق، ومؤتمرات المصالحة الفاشلة، إلى توغل النفوذ الإيراني في العراق، وامتداد الذراع الإسرائيلية للعب دور اقتصادي - وأهداف أخرى بالقطع- على أراضيه، وملايين المهجرين واللاجئين العراقيين داخل العراق وخارجه، والقائمة تطول، وليس الخبر كالمعاينة، أقول رغم كل ذلك سنبقى متفائلين بأن المستقبل يحمل لنا- كأمة عربية- وللعراق أرض الصمود والمقاومة الكثيرَ من الخير، وبأن النصر لهذا الشعب وهذه الأمة مهما احلولكت الظلمة، واشتدّت الخطوب..
وما يدعونا إلى التفاؤل بعد خمس سنوات من الاحتلال والدمار أمور كثيرة، منها:
أولاً: أن هناك دائمًا فرصة في ثنايا كل أزمة، وما اشتدت إلا لتنفرج.
ثانيًا: أن الكروب والشدائد دائمًا ما تكون مقدمة لخير كثير، والتاريخ أكبر شاهد على ذلك، ويكفي أن نذكر بأن محنة بغداد حين اجتاحها المغول، وكانت أضعاف ما يجري الآن، كانت هي المقدمة لانتصار كبير في عين جالوت رغم أن حال مجموع الأمة حينها لم يكن مبشرًا بأي خير، فالصراع بين شجرة الدُّرِّ وتُورَان شاه ينتهي نهاية مأساوية للطرفين ثم يتلوه صراعات أخرى بين قُطُز وبعض المماليك، وتربص بعض الإمارات الصليبية على حدود مصر آنذاك، ولكن رغم كل ذلك هيّأ الله للأمة نصرًا أعزّ به الإسلام، وأذلّ به التتار والصليبيين.
ثالثًا: أن الأمم الخاملة لا يرجى منها خير، وهذا الغليان الذي تحتويه صدور الأمة على ما يجري على أراضيها، وتُعَبِّر عنه المقاومة على كل أرض مغتصبة، هو دليل على أن الأمة ما زالت بعافية، ولم تتجمد عروقها بعدُ، أو تنزف كل ما فيها من حيوية البقاء.. فالحراك البطيء للتيارات الإصلاحية والمقاومة التي لم تحقق غاية أملها بعدُ تُكوِّن بداية النهاية لمشروع الاستكبار الأمريكي والصهيوني في المنطقة، مشروع الشرق الأوسط الجديد..
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْ ما كانَ يُعْرَفُ طيبُ عرفِ العودِ
رابعًا: إن النزيف الأمريكي في العراق على كل المستويات، الذي وصل إلى أربعة آلاف قتيل، ناهيك عن حالات الانتحار، وأكثر من 30 ألف جريح حوالي ثلثيهم بعاهات مستديمة، وإلى درجة يخشى فيها بوش أو كبار معاونيه ووزراؤه على دخول العراق إلا بشكل مفاجئ وخاطف- يؤكد استنزافًا تعانيه أمريكا في العراق تكابِرُ أمريكا أن تعترف به؛ لأنها ما زالت تمارس حربًا نفسية، لكنها أول مَن سيكتوي بها، وما سقوط حزب بوش في الكونجرس، والمظاهرات الأخيرة في أمريكا إلا إحدى علامات الوجع الأمريكي بالعراق.
خامسًا: تفكك التحالف الذي صنعته أمريكا ضد العراق حتى من أكبر حلفائها بريطانيا، والخروج المخزي لهم من البصرة، وسحب العديد من دول التحالف لقواتها - وإن كانت قوات رمزية- هو دليل على فشل بوش في إقناع حلفائه بجدوى الاستمرار في حرب العراق، وفشل سياساته الخارجية عامة، وعلى تأثير المقاومة الناجع في إيلام الأعداء.
سادسًا: بروز وتكشُّف حقيقة ما تريده أمريكا لشعوب المنطقة، التي جاءت كما ادَّعت لنشر الديمقراطية والرخاء الاقتصادي والأمن الاجتماعي والقضاء على المستبدين، فلم يعد أكثر المخدوعين بها قادرًا على الدفاع عن سياساتها في العراق والمنطقة عمومًا، ولا شكَّ في أن وضوح العدوّ وجلاءه مقدمة للتوحُّد في مجابهته ومقارعته ومقاومته وعدم الانخداع بمعسول قوله مَهْمَا وعد بالمَنِّ والسَّلْوى.
سابعًا: رغم سقوط العراق فإن مقاومته الشرسة للاحتلال التي لم تهدأ يومًا رغم فداحة تكاليفها وتضحياتها، فقد شكلت مقاومة العراق الصلبة حائطًا منيعًا دون توغُّل القوات الأمريكية يحول دونها والقفز على غيرها من الدول العربية، وجعلت هذه القوات تفكر كثيرًا في الانحسار بدلاً من الانتشار.
ثامنًا: كثرة الدلالات المشيرة إلى سقوط المشروع الأمريكي في المنطقة، ومنها إضافة إلى ما سبق:
1- مقاومة شرسة لا تهدأ ولا تلين رغم تهرؤ الجسم العراقي، وتمزُّق نسيجه الوطني والديني، جعلت أمريكا لا تعرف من أين تأتيها الضربات المتتالية، ولا كيف تتقيها.
2- ارتفاع تكاليف الحرب الأمريكية على العراق على كل المستويات، وانهيار معنويات جنودها بعد تفكك التحالف، والحملات الإعلامية ضد عملهم بالعراق والجرائم التي يقترفونها وفضائحهم، وطول مدة بقائهم دون أدنى إشارات ميدانية إلى قرب استقرار سيطرتهم، أو جني ثمار استيلائهم عليها.
3- فشل الإدارة الأمريكية في إقناع مواطنيها والعالم بأسباب استمرارها في العراق، فكل الأسباب التي ادَّعتها أمريكا لم تنجح في أي منها فيما عدا إزاحة صدام حسين، وهو ما حدا بصحيفة الإندبندت في افتتاحيتها الأربعاء الماضي 19/3 إلى القول: "فشلنا في العراق ذريع وتام".
4- عدم قدرة أمريكا - بعد كل هذه المدة من وجودها على الأرض العربية ببوارجها ومقاتلاتها ومدمراتها - على حسم أي صراع يحدث ضد حلفائها في المنطقة سواء داخل العراق أو خارجه (فلسطين- لبنان- أفغانستان- باكستان- الصومال).
5- نجاح الإسلام السياسي الرافض للمشروع والهيمنة الأمريكية والصهيونية في بلدان عربية مختلفة من الصعود درجات، بل وقفزات على عكس ما خطط وأراد المشروع الأمريكي الذي تخيل أن هناك من سيستقبله بالورود، فجاءت اختيارات الأمة مزيدًا من الصدود، وأن الأنظمة التي سمحت بدخوله إلى أراضي الأمة واستباحتها لم تعد مقبولة لديه.
6- نبرة الدفاع الأمريكي المستمرة والعالية عن حربها ضد العراق ونجاحاتها فيه وفي أفغانستان خلافًا للعالم، بل وداخل أمريكا نفسها، الذي لم ير أي نجاح أو تقدم- يعكس حجم المأزق الذي تعانيه الإدارة الحالية، وتغطية ذلك بمثل هذه النبرات غير الصادقة.
وأخيرًا، والأسباب كثيرة، أنه لم يحدث أن استطاع محتلّ أيًا كان أن يبقى إلا بمقدار ما تسمح به إرادة الشعوب المحتلة، وإرادة العراق والأمة اليوم أثبتتا أنهما فوق ما توقّع أكثر الناس جنوحًا في التفاؤل.
الاسلام اليوم
أين التفاؤل في خضم المشهد العراقي؟!.. يوسف أبو حسنين
