ليس غريبا أن تتزايد موجات الكراهية في أوروبا ضد المهاجرين، وليس غريبا، أيضا، أن تضيق صدور البعض من المهاجرين العرب والمسلمين من الآخر فتفر إلى التطرف وتنغلق على نفسها..
آخر اللعبة، كان تدنيس مقبرة للمسلمين بفرنسا وكتابة شعارات تمجّد الكراهية وتحض على العنف والصراع، وهي حركة جاءت لتخرج المسلمين من الهدوء الذي قابلوا به فيلم "فتنة"، وقد جاء أساسا ليستفزهم ويجرّهم إلى مواجهات توسع دائرة الكراهية ضدهم وتزيد من مشروعية الدعوات التي تطالب بتهجيرهم إلى بلدانهم الأصلية وتحميلهم مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بعض البلدان وارتفاع نسب البطالة وتدني مستوى الدخل الفردي.. وهذا هو بيت القصيد..
فطيلة نصف قرن كانت اليد العاملة العربية والأفريقية محل حفاوة، ونهضت بالمهمات الشاقة وبنى الأوروبيون نهضة اقتصادياتهم على جهدها..
وكانت الطبقة الوسطى الأوروبية مستفيدة أيما استفادة، تماما مثلما أرباب العمل والشركات الكبرى..
أما الآن، وقد بدأت الطبقة الوسطى الأوروبية تتقلص وتفقد امتيازاتها ومستوى العيش الراقي الذي تمتعت به خلال القرن الماضي، وفيما تسيطر أقلية من الأغنياء على الثروة، من خلال تكوين شركات عابرة للقارات تبتلع الشركات المحلية وتدفعها إلى تسريح عمالتها..
وبدل أن يلتهب الصراع بين الطبقة الوسطى، والطبقة الرأسمالية ذات الهوية الجديدة المرتبطة بالعولمة، وبدل أن تتفرغ الأولى لصراع حاد لاسترداد حقوقها من خلال الإضرابات أو التفاوض، وخاصة من المواجهة الإعلامية الحقوقية، كما تجسده التحركات العمالية في فرنسا على وجه الخصوص.
وبدل أن يأخذ الصراع طابعه الحقيقي وميدانه الصحيح، تحاول الشركات العابرة للقارات أن تنزاح به إلى ميدان آخر هو ميدان المواجهة المرتبطة بالصراع الديني والهوية الثقافية..
فكما الطبقة الوسطى الأوروبية تضررت، أو هي في طريقها إلى فقد امتيازاتها وتدني مستوى دخلها، فإن اليد العاملة العربية والأفريقية الأقل خبرة وكفاءة علمية، ستكون بالتأكيد أكثر المتضررين.. وخوفا من اتفاق واسع في مواجهة توحش العولمة الاقتصادية، يعمد خبراء الشركات الدولية إلى إثارة النعرات الدينية والعرقية، وهنا تأتي تفاصيل الاعتداءات العنصرية على المسلمين، والعمليات المتخلفة التي نفذتها شبكات القاعدة في أوروبا.. كلاهما يخدم مصلحة التوحش الاقتصادي المعولم..
وحتى تكون الصورة أكثر جلاء، فإن الحرب التي شنها الممثلون التجاريون لهذه الشركات على العراق لا علاقة لها بالديمقراطية والإصلاح ولا بأسلحة الدمار الشامل ولا بأمن الجيران..
كل ما كان يعني الشركات المتغولة هو احتلال العراق ووضع اليد على منابع النفط فيه وفي الخليج العربي وانتظار اللحظة المواتية لإلحاق إيران، والهدف الأكبر من خلال السيطرة على النفط، هو التحكم في حركة الاقتصاد العالمي وخاصة اقتصاد أوروبا والصين واليابان المنافسين الاستراتيجيين...
ورغم الصعوبات والخسائر والمساس بسمعة الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الشركات الكبرى ترفض وقف الحرب خاصة أنها مولت وما تزال تمول تكاليفها وحولت القيادات السياسية الأمريكية إلى مندوبين تجاريين أو ناطقين رسميين باسمها..
ولهذا يتوقع الكثير من الخبراء أن تطول حرب العراق وتتعقّد وتتوسع إلى المنطقة كلها وتحولها إلى حالة من الفوضى "الخلاقة"، على أمل أن تهدّم هذه الحرب ما بنته الشعوب في نصف قرن من الاستقلال لتتولى الشركات فيما بعد إعادة الإعمار وإغراق الأسواق بالسلع..
وما يجرى حاليا في مصر أو بعض دول الشرق الأوسط الأخرى من احتجاجات ومخاوف واسعة من أزمة اقتصادية واجتماعية، أليس جزءا من خطط تلك الشركات والمؤسسات المالية الدولية المرتبطة بها لوضع اقتصاديات المنطقة في قبضتها والتحكم فيها بالقروض بعد تهميش دور الدولة الكافلة ووضعها تحت رحمة القطاع الخاص الذي لن يكون غير وسيط ساذج لتلك الشركات؟
الإضرابات العمالية وتسريح اليد العاملة وغلاء الأسعار في الشرق الأوسط، أليس هو نفسه ما يجرى في أوروبا؟ فما علاقته بصراع الهويات والأديان أو المهاجرين؟
إن الوعي بالمرحلة الحالية مهم جدا خاصة لدى القطاعات المتنورة، هنا في أوروبا، أو في الشرق الأوسط حتى تجر الصراع إلى ساحته الطبيعية وتقطع الطريق أمام توظيفاته الخاطئة، وهذا الوعي بالمنظومة الاقتصادية المعولم لا شك سيربح العرب الكثير من الوقت ويجنبهم هدر الوقت في صراعات هامشية ويفرض عليهم أن يفكروا في بناء اقتصاديات تقوم على التكامل الوثيق بما يسمح لهم بالمنافسة وإلا سحقتها بشاعة زمن الشركات العابرة.
فهل سنعي اللحظة التاريخية، أم ننخرط في ردة الفعل على عمليات معزولة وهامشية تنزاح بنا عن التطور الحقيقي؟.. فلننتظر معجزة قد لا تأتي..
العرب اونلاين
تدنيس مقابر المسلمين.. ثم ماذا؟.. العرب اونلاين
