هيئة علماء المسلمين في العراق

د. البشير: الصحوة الإسلامية من مظاهرها مقاومة المحتل.. وغيرة الأمة على دينها وتاريخها دليل حيويتها
د. البشير: الصحوة الإسلامية من مظاهرها مقاومة المحتل.. وغيرة الأمة على دينها وتاريخها دليل حيويتها د. البشير: الصحوة الإسلامية من مظاهرها مقاومة المحتل.. وغيرة الأمة على دينها وتاريخها دليل حيويتها

د. البشير: الصحوة الإسلامية من مظاهرها مقاومة المحتل.. وغيرة الأمة على دينها وتاريخها دليل حيويتها

بسم الله الرحمن الرحيم لقاء مع الدكتور عصام البشير في القاهرة * الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: نرحب بكم فضيلة الشيخ في هذا اللقاء مع جريدة البصائر. ـ مرحباًً بكم.

* يتكلم الكثير عن الصحوة الإسلامية، فبرأيك دكتور هل هناك صحوة حقيقية في العالم الإسلامي.

ـ بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
لا شك في أن هناك صحوة إسلامية لا تخطئها عين فاحصة فآثار التدين الواسعة وفي القطاعات الحديثة أيضاً، لقد كان التدين قديماً مقصوراً على كبار السن، واليوم نجد التدين ينتظم شرائح المجتمع كافة، ولعل تعبير هذه الشعوب الصادقة عن رغبتها في أن يُحكم بشريعة ربها هذا من مظاهر هذه الصحوة وانتشار الكتاب الإسلامي هو الأول من بين الكتب الثقافية كما أكدت ذلك الإحصاءات.
كذلك انتقال العمل الإسلامي من مرحلة الإقليمية الضيقة إلى رحاب العالمية الآفاق إلى تجاوز حالة القطرية... إلى الإنفعال بهموم الأمة الكبرى وقضاياها المصيرية في العراق والصومال وفلسطين ودارفور وكشمير والبوسنة والشيشان وأفغانستان وكوسوفو، والتفاعل مع القضايا التي تتعلق بالهجمة على الأمة سواء كانت ذلك في مقدساتها في كتاب ربها أم في شخص نبيها عليه الصلاة والسلام وثوابت الدين، فعندما تنتفض الأمة وتغار على دينها وتاريخها وحضارتها ومقدساتها، فهذا دليل على حيوية هذه الأمة.
أيضاً مجال العمل الخيري أصبح العمل الإسلامي يشكل مساحة كانت تملؤها المنظمات التنصيرية من قبلُ أصبح الآن وجود للمنظمات الخيرية الإسلامية في كل المجالات، في مجال الإغاثة ومن لا مأوى له، وإطعام الجائع، وتخفيف معاناة الناس من الكوارث التي تحدث.
فهذه تسهم في البعد الإنساني، وقد ساهمت مساهمات كثيرة خاصة في آسيا وأفريقيا، وفي كل المناطق على امتداد المعمورة.
أيضا فان العمل الإسلامي انتقل من حالة التنظير إلى حالة تقديم الحلول والبدائل. رأينا هذا في أسلمة المصارف حتى تخطى ذلك إلى العالم الغربي حيث وجدت المصارف التي تعمل في تنمية المال الذي هو مال الله والعباد مستخلفون فيه، وكذلك في البدائل في الإعلام الإسلامي وإن كانت في بدايتها، وفي مجال الشريط والدراما وفي مجال الفنون.
أيضاًً وجدنا تطوراً في مسائل الاجتهاد والتجديد، وفي عمل المجامع الفقهية في تناول الكثير من القضايا المتعلقة في الفكر الحضاري والفكر التنموي، ومن مظاهر هذه الصحوة اتساع قاعدة الأقليات المسلمة، وأصبحت هذه الأقليات تشكل وجوداً فاعلاً ومؤثراً.
الآن المسلمون في الغرب وأوربا الشرقية حوالي 51 مليوناً، وأصبح لهم إسهام على مستوى البرلمان والبلديات أصبحت لهم مؤسسات تعليمية وتربوية ووقفية تدعم هذا العمل الإسلامي.
الآن في مجال الإعلام الإسلامي وجدنا عدداً من الفضائيات الإسلامية المتخصصة، ومواقع الأنترنت فهذا أيضاً مظهر من مظاهر الصحوة الإسلامية، ووجدنا أيضاً عملاً إسلامياً انتقل في بعض المراحل الى أن يكون شريكاً في بعض المواقع المتقدمة، بعضه على مستوى المشاركة البرلمانية، وبعضه على مستوى الحكم على اختلاف طبعاً في هذه التجارب تقويماً وكسباً، ولكن هذا أيضاً يشعر بتمدد هذا الدين الذي أصبح الآن هو المؤثر والموجه الأول في أوضاعنا وحياتنا.
والصحوة الإسلامية هذه من مظاهرها هي مقاومة المحتل كما نراه في حالات كثيرة، وان الجهاد حي في الأمة، وكل هذه من مظاهر هذه الصحوة، فالصحوة الإسلامية حقيقة لا وهم، صحوة عقول وفكر وقلوب ومشاعر، صحوة عواطف، صحوة تعزيز لهوية الأمة والحفاظ على خصوصيتها الحضارية.
ولذلك لا بد من العمل على تأمين هذه الصحوة الإسلامية وترشيدها وتوجيهها للتي هي أقوم، وتعبأتها للمقاصد الكبرى حتى لا تستغرق في أمور جزيئة لا تشكل أولوية أو في خلافات تؤدي إلى إضعاف شوكتها أو إلى تشوهات تنحرف بها عن مسيرتها.

* طيب. دكتور هناك صحوة إسلامية، وهناك إمارات فلمن يعود الفضل بهذه الصحوة الإسلامية؟ هل للدعاة أم لعموم الناس؟ هل لسنة الله تعالى في أن يظهر هذا الدين؟.

ـ أولاً: إن هناك القدرة الذاتية لهذا الدين على التجدد مهما انحرف المسلمون أو قصروا في أداء واجبهم فالله عزّ وجلّ جعل في هذا الدين ديناميكية وحيوية أنه قادر على التجدد؛ لأنه دين فطرة، والإنسان يخلوا إلى فطرته بعيداً عن الصوارف، فإن هذه الفطرة السليمة تقوده إلى مرافئ الهداية.
ثانياً: إن الله عز وجل ختم هذه الرسالات برسالة خاتمة، ولكن جعل التجديد جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن من عوامل إحياء موات هذه الأمة، فالدين محفوظ في أصوله ومصادره، ومحفوظ كذلك من خلال مجددين أفراداً أو جماعات أو مؤسسات تحيي هذا أيضاً وتجدده وترده إلى أصوله التي كان عليها في أول نشأته. هنالك الطائفة الظاهرة القائمة لله بالحق، وهي تعم حملة الإيمان ومشاعل الهدى. أيضاً سنة الله تعالى جعلت لهذه الأمة خصوصية أنها لن تموت، قد يغفل الكثير من أبنائها وينحرفون، ولكن تظل فيها جذوة متقدة مهما تداعت عليها الخطوب وتكالبت عليها المحن فإن الله  يقيلها من عثرتها، وهذا واضح من الغزو الصليبي الذي جاءنا من المغرب، فالأمة قامت من كبوتها، وأيضاً فإن الله تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بظهور الدين ظهوراً بمعنى البيان والوضوح، وظهوراً بمعنى الغلبة والتمكين (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، وهنالك عوامل لا شك هي جهود من دعاة، وجهود لمجتمعات من أفراد ومؤسسات، وتكاثفت هذه العوامل.
أيضاً طَرق الأعداء أيقض هذا الموات والسبات في الأمة لأن المصائب يجمعن المصابين، فهي عوامل مباشرة وغير مباشرة داخلية وخارجية كلها أسهمت في إيقاض حالة الأمة، ولا يمكن أن ينسب الفضل فيها لفرد أو لجماعة واحدة، وإنما لكل نصيبه والناس يتفاوتون.

* طيب. دكتور هناك بعض المصطلحات التي تحتاج الى بعض التوضيح، منها مصطلح نصرة النبي عليه الصلاة والسلام، بعض الناس يقول إن النبي لا يحتاج إلى نصرة لأن الله تعالى هو الذي ينصره.

ـ ننصر نبينا كما قال تعالى {إن تنصروا الله ينصركم}. إن تنصروا الله عز وجل بالاستقامة على دينه، تنصروا كتابه بالالتزام بهديه والعمل على تطبيقه على واقع الحياة، وننصر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به والتعريف بسيرته وسنته بإشاعة المنهج الذي جاء به بإزالة هذه الهوة بين تعاليم الدين التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، وبين واقع المسلمين الذي يجافي هذه التعاليم. هذا يكون بالتصدي للشبهات والمزاعم والإفك الذي يثيره خصوم الإسلام. فهذا وجه من وجوه النصرة، فالنصرة واجبة، بل هي شرط الإيمان.
لا يتصور إنسان وقر في قلبه الإيمان إلا وهو يعمل على أن يعظم النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يتصدى لشانئيه، وأن يعمل على إبلاغ رسالته في العالمين، وأعظم نصرة أن نجسد هديه وسيرته على أرض الواقع سلوكاً ونموذجاً يمشي حياً بين الناس.

* موضوع الخلل في الأمة الإسلامية.. البعض يقول أين الخلل؟

ـ ان الخلل مركب، هناك خلل فكري، هنالك خلل يتعلق باضطراب المفاهيم واختلال التصورات، وهناك خلل متعلق بضعف التمسك بهوية الأمة والمحافظة عليها. هناك خلل في المجال السياسي في ايجاد الحريات وشيوع الاستبداد وعدم وجود علاقة تقوم على أساس الشراكة الحقيقية بين الشعوب والأنظمة. هناك غياب للعدالة الاجتماعية، ازدياد حجم الطبقية والفوارق بين بئر معطلة وقصر مشيد، غني غنى مطغياً، وفقير فقراً مدقعاً. هناك تحلل أخلاقي وتسيّب. هناك ضعف في البناء الإيماني. هناك هم التجزئة وروح التشظي على أساس عرقي أو مذهبي أو ديني.
كل هذه وجوه خلل في داخل الأمة، وهناك تحدٍّ خارجي استفاد من حالة الضعف وحالة القابلية والثغرات والفجوات في الأمة، فدخلوا إليها بمنطق حق القوة، وليس قوة الحق، ولذلك فهي عوامل مركبة من داخلية وخارجية، وبقدر ما نحكم البناء من الداخل بقدر ما نسدّ الثغرات. نعمل المضادات الواقية، فإن كيد الأعداء لن يضرنا شيئاً ما دمنا مستمسكين مستعصمين.

* مسألة حوار الأديان.. هذا المصطلح ما مفهومه؟ وما هي مدلولاته؟

ـ الأديان لا تتحاور، وإنما يتحاور الأتباع، و{اسأل القرية} المقصود اسأل أهل القرية. وهناك خلط بين مفهومين، بين تقارب الأديان، وهذا مرفوض لأن الأديان لا تتقارب، فكل دين له أصوله ومصادره ومناهجه، وبالتالي فالتقارب هنا أن يتنازل دين على حساب دين آخر، وهذا لا يمكن أن يقع، ولكن هناك يبقى الحوار، فالحوار بالنسبة لنا فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع:
أولاً: نحاور لأجل إبلاغ رسالة الله تعالى التي بعث الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: الحوار أيضاً لتفنيد الشبهات ورد المزاعم وتصحيح الصورة المغلوطة.. الحوار لأجل العيش المشترك في قواسم مشتركة حضارية وإنسانية غايتها تحصيل المصالح ودرء المفاسد، ولكن هذا في ظل استيفاء الحقوق ورد المظالم وإقرار العدل.. حوار تتعدد آفاقه ومقاصده، ويمكن أن يكون لكل حوار أهل اختصاص، حوار المصالح المشتركة له أربابه، حوار الفكر له أربابه، وهناك الحوار الديني الذي يقوم مع المفكرين والمثقفين، هناك الحوار السياسي، هنالك الحوار الثقافي، هنالك الحوار الحضاري، حوارات يمكن أن تتعدد بمسارات، ولكن ينبغي أن يكون قائماً على اعتراف متبادل على تكافئ وندّية، وقائم على أن الذي يقوم بهذا الحوار من أهلنا يكون أهل كفاية واقتدار وأهل تخصص قادرين على معرفة عقلية الطرف الآخر، ومتمكنين من ثقافته ولغته، ويديرون هذا الحوار، وأعتقد أن مسيرة الحوار طالت زمناً طويلاً، وتنوعت أنواع الحوارات، والواجب أن نقيّم هذه المسيرة ماذا حققنا منها.. أحياناً يكون الحوار من طرف واحد، نحن نُقبل عليهم، وهم لا يعترفون حتى بالإسلام ديناً سماوياً، وينبغي أن يقيّم وينظر في جدواه، وأن نخصص له المراكز والمؤسسات القادرة عليه، وأن يتم التنسيق بين المؤسسات العاملة.

* طيب. دكتور نريد تعريفاً بمركز الوسطية العالمي.

ـ المركز قام من لجنة منبثقة عن مجلس الوزراء، وتتعاون فيه مؤسسات مختلفة، وهذا المركز رفعنا له شعار (ارتباط بالأصل واتصال بالعصر)، ارتباط بالأصل من حيث الإلتزام بالثوابت الشرعية، واتصال بالعصر لأننا نعيش عصرنا واقع عصرنا وتحديات زماننا، وأن نقدم الحلول الإسلامية المكافئة لهذه التحديات. والمركز والحمد لله قام بدورات للأئمة والخطباء ودورات للمعلمين والمعلمات، وأصدر سلسلة رسائل، وعقد ثلاثة مؤتمرات مؤتمران يتعلقان بأوضاع الأقلية المسلمة ليحققوا الموازنة بين مستلزمات الانتماء الوطني ومستحقات الانتماء إلى الهوية الإسلامية، وناقشنا أيضاً في مؤتمر آخر عقد في الكويت قضايا الفتوى وفوضى الفتوى في الفضائيات ومواقع الأنترنت، ونعد الآن للعديد من المشاريع والبرامج، ولدينا موقع الوسطية أون لاين فيه الكثير من هذه البرامج.

* ما هو رأيك دكتور بما يحدث الآن في العراق وفلسطين، وما هو دور العلماء؟

ـ ما يحدث في فلسطين حقيقة مأساة، وزاد من هولها الاستكبار العالمي والصلف الصهيوني والعجز العربي والوهن الإسلامي وتفرق كلمة المسلمين.. القضية أولاً ليست شأناً فلسطينياً، وهي تقزمت من كونها قضية إسلامية إلى شأن عربي إلى شأن فلسطيني إلى صراع بين أجنحة في داخل الساحة الفلسطينية.. ينبغي أن تستعيد هذه القضية حيويتها وهويتها الإسلامية مرة أخرى، والأمر الثاني أن الواجب في نصرة إخواننا هو واجب مقدس في عنق كل مسلم بما يستطيع، هناك المساندة المادية التي ينفق فيها ليس من باب التصدق، وإنما من باب الفريضة، وهناك الدعم المعنوي والإعلامي والتربوي، وهناك الجهد الدبلوماسي الذي أقله أن يكون لدولنا مواقف حازمة اتجاه الكيان الصهيوني.. فالدول التي طبّعت عليها أن تسحب السفراء، وأن تتخذ مواقف دبلوماسية صريحة، ولدينا مواطن قوة علينا أن نستخدمها لدعم قوى الصمود والمقاومة والممانعة في داخل الشأن الفلسطيني، وألاّ نركن إلى دعوة السلام الذي هو سراب خادع لم يجن منه الفلسطينيون إلاّ الأُكل الخمط، وأن نعتبر أن الجهاد هو السبيل لتحرير الأرض.
وفي العراق أيضاً من أوجب الواحبات هي مقاومة المحتل ورفض أي مسلك يقوم على المحاصصة الطائفية ورفض تقسيم العراق إلى فتات أو دويلات تعزز من تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم وتفتيت المفتت، ونرجو أن يرتفع الدعاء، وأن يرتفع أهل الرأي في العراق إلى مستوى مصلحة الوطن، وأن يتجاوزوا الخلافات، وأن يجتمعوا على كلمة سواء، وأن يدركوا الأولويات كالمحافظة على وحدة العراق وسلامة أراضيه وعدم تمكن الأجنبي فيه والاتفاق على هذه الرؤية خير لهم من أن يختلفوا على هذه الصغائر الداخلية، وأن يكون هناك قدر من الإعذار في المسائل التي يختلفون فيها في إطار الخلاف المشروع.
وكذلك ندعو أهل فلسطين إلى التوحد، فإن معركتهم هي مع العدو، وإن هذا الخصام قد يؤدي إلى إضعاف شوكتهم وإلى استغلال الخصوم لهذه الفرقة، ونسأل الله عزوجل أن يأتي اليوم الذي تنشرح فيه صدور المؤمنين بجلاء المحتل من أراضي المسلمين كافة.

* جزاك الله خيراً فضيلة الشيخ وبارك الله فيكم.

حاوره: حسين الدليمي/ مكتب القاهرة


يرجى الاشارة الى المصدر عند النقل

أضف تعليق