في منتصف ديسمبر الماضي انسحبت القوات البريطانية من البصرة، ثاني أكبر مدن العراق. المناسبة تمّت في أجواء احتفالية حفلت بالخطب العصماء والكلمات المنمقة.
الجنرال جراهام بينز قائد القوات البريطانية في البصرة والمحافظ محمد مصبح الوائلي وقّعا في ذلك الحفل المستندات الخاصة بتخلي البريطانيين عن المسؤولية الأمنية للحكومة "العراقية" بحضور مستشارها للأمن القومي موفق الربيعي الذي أكّد من جهته استعداد حكومته الكامل لتحمل مسؤولية الأمن.
بينز قال خلال مراسم الاحتفال: إنه دخل البصرة عام 2003 لتخليصها من أعدائها، وإنه اليوم يعيدها لأصدقائها.
بعد نحو ثلاثة أشهر على انسحاب القوات البريطانية من البصرة وتسليم مسؤولياتها الأمنية إلى الحكومة "العراقية" انفجرت الأوضاع في البصرة بشكل عنيف مع إعلان حكومة نوري المالكي عن عملية أمنية كبيرة يقودها بنفسه, وأعلن بيان صدر عن مكتب رئيس الوزراء "العراقي" شنّ عملية أمنية وإغلاق كل المنافذ الإدارية لمحافظة البصرة لثلاثة أيام واصفًا المدينة بأنها أصبحت مدينة لا يأمن المواطن فيها على حياته وماله, وأنها تتعرض لحملة ظالمة وقاسية متعددة الأطراف والأبعاد داخليًا وخارجيًا تستهدف أمنها واستقرارها, مضيفًا أن الأعمال التي تتعرض لها المدينة الخارجة عن القانون أخذت تتستر بغطاءات دينية أو سياسية، وصاحب كل ذلك تهريب للنفط ومشتقاته والأسلحة والمخدرات.
بيان المالكي اعترف بأن الخارجين عن القانون - حسب وصفه - وجدوا من يقدم لهم الدعم والحماية من أجهزة الدولة وخارجها.
هناك إشارات عديدة توحي بأن الإدارة الأمريكية دفعت المالكي لشنّ هجومه على البصرة في محاولة لتقليم الأنياب الإيرانية في العراق بأسلوب غير مباشر في المرحلة الأولى باستثمار التناقضات الشيعية وصراعاتها المستمرة على النفوذ وثاراتها القديمة, تمهيدًا لضرب إيران عسكريًا تحقيقًا للرغبات "الإسرائيلية" خصوصًا وأن الأحداث جاءت بعد زيارة ديك تشيني للمنطقة ودعوته الدول العربية الى مواجهة النفوذ الإيراني في العراق، وتصريحاته في الكيان الصهيوني التي أكّد فيها التزام بلاده بمواجهة التهديدات الرامية لتدمير "إسرائيل".
كما جاءت أحداث البصرة بعد أسابيع من استقالة قائد القوات الأمريكية في المنطقة الأدميرال وليم فالون التي كان سببها المرجح خلاف بينه وبين بوش على السياسة الواجب اتباعها تجاه إيران واعتراضه علنًا على أي عمل عسكري ضدها.
المعارك الدامية في العراق - التي وصفها جورج بوش بالإيجابية - كان من المأمول أمريكيًا أن تُضعف النفوذ الشيعي العسكري في العراق وتستنزفه, وما تبقى منه يصبح من السهل احتواؤه والسيطرة عليه من خلال التوازن مع قوات "الصحوة" التي يرعاها الاحتلال في المناطق السنية.
غير أن الأحداث والتطورات تسارعت في العراق وفي غير ما كان مقررا لها, واتخذ الفرقاء مواقف سياسية بدت متناقضة، فبعد أن طلب مقتدى الصدر من أنصاره عدم تسليم سلاحهم معتبرًا أن الأسلحة يجب ألا تسلم سوى لحكومة تستطيع طرد المحتلين, عاد ليعلن في بيان وزّعه براءته ممن يحمل السلاح ويستهدف الأجهزة والمؤسسات الحكومية وليقرر إلغاء المظاهر المسلحة في محافظة البصرة وجميع المحافظات، وذلك لإطفاء نار الفتنة التي يريد المحتل وأتباعه إشعالها بين الإخوة، حسب بيانه.
وبعد مواقف رئيس الوزراء "العراقي" الصارمة والحازمة وإعلانه البقاء في البصرة حتى تطهيرها من العناصر الإجرامية ولتثبيت الأمن فيها ومعاقبة كلّ مَن شهر السلاح بوجه الدولة, وبعد وصفه تصرفات "جيش المهدي" في البصرة بأنها "أسوأ من تنظيم القاعدة"، وقوله: إن التنظيمين يسعيان إلى إفشال العملية السياسية في البلاد, وإنه لن يكون هناك مستقبل للدولة العراقية بالسكوت عن هذه العصابات. عاد المالكي ليرحب بدعوة الصدر لأنصاره بوقف القتال ووصفه لها بأنّه "خطوة في الاتجاه الصحيح".
إعلان الهدنة المفاجئ من جانب الصدر حدث بعد محادثات في الكواليس بين الصدريين والائتلاف الشيعي الحاكم بوساطة رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري وأحمد الجلبي ورئيس البرلمان محمود المشهداني حسبما أفادت تقارير إخبارية.
كما يرجح أن تكون إيران - التي تستضيف الصدر ولها نفوذ كبير على المالكي والحكيم - قد لعبت دورًا مهمًا في الوصول إلى وقف للمعارك رأت في استمرارها تهديدًا لنفوذها وإضعافًا للتيارات الشيعية التي ترعاها.
الفشل الحكومي الكبير في "صولة الفرسان" واضطرار المالكي الى تمديد مدة الإنذار الممنوحة ومن بعدُ القبول بتسوية وصفقة مع التيار الصدري يشكل صفعة كبيرة للمالكي ولقيادته خصوصًا مع اندفاعه بتصريحات نارية واتخاذه مواقف صلبة, وهو ما سيؤدي على الأرجح الى رحيله من رئاسة الوزراء قريبًا.
أحداث البصرة شكلت نكسة كبيرة للسياسية الأمريكية والبريطانية في العراق, فبعد أن أشاد بوش بالمالكي لشنّه "معركة ضارية على مقاتلي الميليشيات والمجرمين" في البصرة بوصفها دليلاً على أن بغداد أصبحت قادرة بشكل متزايد على معالجة الأمن بدون قيادة الولايات المتحدة, واعتباره ما يحدث لحظة حاسمة في تاريخ العراق الحرّ وجزءًا ضروريًا من بناء مجتمع حرّ، ودليلا على عدالة المالكي... بعد تلك الإشادات والمديح يجد بوش نفسه في موقف حرج وقد بقيت تلك الميليشيات الإجرامية - حسب توصيفه - في الساحة العراقية.
الضعف الكبير في أداء قوات الجيش والشرطة "العراقية" والتحاق مجاميع منها بمليشيات المهدي شكّل ضربة قاصمة للمشاريع الأمريكية والبريطانية التي كانت تسوق لمرحلة اكتمال بناء القوات "العراقية" تمهيدًا لعودة نسب كبيرة من قواتهما لبلادهما.
فإذا كانت القوات "العراقية" بإسناد من قوات الاحتلال غير قادرة على السيطرة على البصرة بعد كل هذه التدريبات والتجهيزات, فمتى ستكون قادرة على القيام بدورها المأمول أمريكيًا؟!
المالكي عرض على مَن يسلم سلاحه من الميليشيات مكافأة مالية, وهي سياسة أمريكية اتبعت من قبلُ في أفغانستان والعراق. وهي الوسيلة الرئيسية في اجتذاب القوات الموالية للحكومة "العراقية" وللمقاتلين الذين يساعدون قوات الاحتلال في غرب العراق.
الإغراء المالي قد يحقّق بعضًا من المكاسب الآنية غير أنه ينتج مرتزقة مستعدين لتغيير اتجاهات بنادقهم حال تغيرت الأوضاع العسكرية أو تحققت لهم مكاسب مالية إضافية.
أحداث البصرة غيّرت حقائق سياسية وعسكرية في العراق, وإن كانت مسألة نصب فخّ سياسي عسكري وسياسي لميليشيات صدر أمرا ليس بمستبعد، لكن تبقى حقيقة أن العراق وعموم شعبه هم الخاسر الأكبر مما يحدث في العراق ومن سياسات الاحتلال وتداعياته وتصرفات السياسيين الذين جاءوا في ركابه- ثابتة وجلية.
الاسلام اليوم
أحداث البصرة.. الدوافع والتبعات.. د. ياسر سعد
