العراق في التوصيف الأمني..وليد الزبيدي
يتوزع وصف الامن في العراق على عدة اصطلاحات، اكثرها شيوعا وصف الوضع الامني الهش، وما يحبذه قادة البيت الابيض، هو التطور في بناء الاجهزة الامنية العراقية، ويرد اقطاب الحكومة العراقية الحالية، ان اجهزة الامن من شرطة وجيش قادرة على حفظ الامن، وحقيقة الامر، ان هذه الاجهزة الامنية تقف في زاوية اخرى، لا تستطيع مغادرتها، بسبب الاسس التي تم اعتمادها في بناء هذه الاجهزة منذ بداية الاحتلال الاميركي للعراق في ربيع عام 2003.
قبل الخوض في تفاصيل قصة تشكيل الاجهزة الامنية في عراق ما بعد الاحتلال، لا بد ان نستعيد الاخبار التي تناقلتها وكالات الانباء منذ عامين او اكثر، وتتحدث عن طرد عشرة آلاف شرطي لا يقرأون ولا يكتبون، اكتشاف ضباط كبار لا يحملون شهادات، هروب ضباط كبار وبحوزتهم مبالغ طائلة، زج عشرات الآلاف من الاسماء الوهمية في وحدات للجيش والشرطة، تواصل حملة تطهير الاجهزة الامنية، وزارة الداخلية تفصل 18 الف منتسب، وما شابه من هذه المعلومات، التي تترى بصورة مستمرة.
في واقع الامر، ان حصول مثل هذه الامور، هو نتيجة طبيعية، لا بد من ظهورها، بسبب الاسس التي تم اعتمادها في تشكيل اجهزة الشرطة والجيش، حيث وضع المسؤولون عن تشكيلها المعايير الطائفية والعرقية، وهذا ما لم يعهده العراقيون على الاطلاق، وهنا لا بد ان نذكر ان استمارة التقديم للدورة الاولى للشرطة والحرس الوطني، تضمنت سؤالا عن طائفة وعرق المتقدم للانتساب، وشكل ذلك صدمة عنيفة لعدد كبير من الشباب العراقي، ووصل الامر بالبعض منهم الى تمزيق الاستمارات امام الضباط الاميركيين والعراقيين، في حين رفض الكثيرون الانضمام الى تلك التشكيلات، لكن ذلك لم يوقف مشروع تأسيس اجهزة امنية على اسس عرقية وطائفية، فتواصلت الخطوات، وانتعشت تلك العملية مع دخول الاحزاب السياسية والدينية في عربة العملية السياسية، واتضح ذلك عندما تم تخصيص وزارة الدفاع للاحزاب (السنية) بينما اعطيت وزارة الداخلية للأحزاب (الشيعية)، واحتفظ الأكراد بقواتهم الامنية التي تتلقى أوامرها من قياداتها السياسية (الحزبان الكرديان الرئيسان).
ان هذا الفرز الطائفي والعرقي، برز بوضوح في زمن حكومة الجعفري، وانتشرت في تلك الاثناء قوة ألوية وزارة الداخلية (الذئب والعقرب وغيرهما)، وأخذت الدوريات التابعة للداخلية تدهم بعشرات السيارات مناطق معينة وتختطف الشباب والرجال وحتى النساء، وامتلأت السجون وأظهر معتقل (الجادرية)، الذي افتضح امره في نوفمبر 2005، مختلف انواع التعذيب البشعة والتصفيات التي تمارس بحق المعتقلين، وانعكس ذلك التوزيع على الجغرافية العراقية، وتم فرض تقسيمات غير معلنة للانتماء الى الوزارتين على اسس طائفية.
لقد تبلور هذا التوزيع للأجهزة الامنية بصورة جلية بعد الانتخابات الاخيرة التي جرت في (15/12/2005) وجاءت بحكومة المالكي، حيث شهد عام 2006، اوسع حملة لتكريس الطائفية في الاجهزة الامنية، ولم يتم الاكتفاء بهوية المنتسبين، بل تجاوزها الى ضم الميليشيات التي تتبع الاحزاب الى وزارة الداخلية، وتطور الامر في تتبع الطرف الآخر، لتهيئة مجالس الصحوات ليتم دمجها في الاجهزة الامنية، وبدون ادنى شك، فإن ذلك يعني التقسيم الميداني للاجهزة الامنية على اسس طائفية.
اما في التقسيمات الاخرى، فإن الاجهزة الامنية اصبحت تخضع لإدارة قيادات تأتمر بقيادات حزبية، ويضيف ذلك ألغاما اخرى الى هذه الاجهزة، التي يفترض انها تتكفل بحماية المواطن وتوفير الامن له ولممتلكاته، الا ان واقع الحال يكشف عن خطورة هذه الاجهزة، حيث لا يمكن الوقوف عند توصيف دقيق للامن، ما يجعل الاوضاع في العراق في حالة قلق وارتباك وفوضى، ما يستدعي التفكير بصورة جادة وعملية لإعادة ترتيب الاجهزة الامنية في العراق على اسس مهنية ووطنية، بعيدا عن الأمراض الخطيرة التي جاءت بها العملية السياسية المتناسلة من الاحتلال الاميركي للعراق.
المقالات المنشورة تعبرعن رأي كاتبيها
العراق في التوصيف الأمني..وليد الزبيدي
