هيئة علماء المسلمين في العراق

أرادوه سجناً.. فصار مدرسةً!! حسين الرشيد
أرادوه سجناً.. فصار مدرسةً!! حسين الرشيد أرادوه سجناً.. فصار مدرسةً!!    حسين الرشيد

أرادوه سجناً.. فصار مدرسةً!! حسين الرشيد

أرادوه سجناً.. فصار مدرسةً!! حسين الرشيد صحيح أنَّ الحروب وما يترتب عليها من آثار وتداعيات تخرب وتحطم دعامات المجتمع، وتفتت نسيجه وتكوينه الاجتماعي والسلوكي.. إلا أنها قد تكون وسيلة مهمة للعودة إلى الله تعالى، والتفكير في الإنابة أو الاستقامة على طريق الحق، وقد تكون مدعاة وسبباً للتشبث بالعدل والصواب.

وكثيرة تلك التحولات التي حدثت في عراق ما بعد الغزو، وتنفع أمثلة لما نقول، مما لم يكن يخطر على بال الغزاة المحتلين، في ظل التفكير القاصر الذي أبتلي به "المحتلون الغاصبون" لأرض الرافدين؛ إذ تجري الرياح في العراق بما لا تشتهي سفن الغزاة المغتصبين، وعادت بعض تصرفات الاحتلال الهوجاء بالنفع على العراقيين المظلومين، الذين لا حول لهم ولا قوة إلا بجبار السماوات والأرض، بعد أن أُخذوا بجرائر تقف في مقدمتها إيمانهم العميق بالله، وتمسكهم بخيار تحرير البلد، والمحافظة على وحدته وخيراته وثرواته، ورفض مطامع الحاقدين، الذين جاؤوا على ظهور دبابات الاحتلال، ممن لا يريدون خيراً لهذا البلد الجريح، الذي ما ذاق طعم العافية منذ أن وطأت ثراه الطاهر أقدامُ الغزاة المجرمين.

لقد أراد الحاقدون "السجون" مكاناً لإذلال المؤمنين وكسر إرادتهم الصلبة؛ غير أنها صارت بفضل الله تعالى مدرسة يتعلم فيها أولئك الأحرار القابعون خلف قضبان السجون دروساً مهمة في الصبر والتحدي والإيمان والثبات والصدق، وصارت مكاناً يحفظ فيه أولئك الأفذاذ القرآن وتفسيره، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والنحو وفروعه، وتجد كثيراً ممن يخرج من تلك المعتقلات قد حفظ كتاب ربه كله أو أجزاء منه عن ظهر قلب، بل تجده يحمل ثقافة علمية قد لا يستطيع إلمامها أو استيعابها الأحرار الطلقاء.

وقد رأيت من دخل سجون الاحتلال وهو لا يجيد قراءة سورة من القرآن الكريم، وتفاجئت عندما رأيت الرجل نفسه -بعد خروجه من المعتقل الذي مكث فيه شهور- وهو يتلو القرآن ويجوده، ويحفظ العديد من سورهِ وأجزائه!!
ورأيت بعيني من دخل السجن وهو لا يحفظ "جزء عمَّ يتساءلون" وغمرني الفرح وعمني السرور عندما رأيته بعد أن فرج الله تعالى عنه، وهو يحمل كتاب الله تعالى في قلبه، ويتقن حفظه عن ظهر غيب، بل رأيته يتكلم في آياته تفسيراً واستدلالاً ومعنىً.

وقد حدثني أحد الأخوة الذين فرج الله عنهم بعد سنين من اعتقاله بأنَّ جنود الاحتلال كانوا يزودون السجناء -عن طريق الصليب الأحمر وبعض منظمات حقوق الإنسان وأهالي المعتقلين- ببعض الكتب والمصادر التي تعينهم على قضاء أوقات فراغهم الطويلة.. وأخبرني أنَّ تلك الكتب متنوعة الموضوعات، بين القرآن الكريم والتفسير والحديث والفقه والأصول والثقافة والفكر.. وذكر لي أسماء كتب كثيرة أذكر منها تفسير ابن كثير، ورياض الصالحين، وفقه السنة لسيد سابق، والوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان، وكتاب "لا تحزن" للشيخ عائض القرني.

لقد لعب ملء الفراغ دوراً كبيراً في تثقيف المعتقلين، وساهمت الحلقات العلمية التي تعقد في خيم المعتقلات في توعية السجناء وتثقيفهم، ولعب تنوع تلك الحلقات دوراً مهماً في شمول تلك الثقافة وسعتها، فحلقات تعقد لتعليم القران وتحفيظه وإتقان سواده، وأخرى لتحفيظ متون الفقه والأصول ومصطلح الحديث، وثالثة للتحاور وطرح الأسئلة والمشكلات التي تطرأ للمعتقلين أثناء تواجدهم في المعتقل.
إنَّ الأنباء الواردة من السجون أنَّ الجماعات في المعتقلات قائمة، وأنَّ جمعاً طيباً من المشايخ وأساتذة الجامعات وطلبة العلم يقومون بدور كبير في نشر العلم والفضيلة بين المعتقلين؛ لتُثمر ثماراً طيبةً في بناء نخبة من حملة العلم ومشاعل النور في مكان أراده أعداؤنا أن يكون مظلماً، تمارس فيه شتى أنواع الظلم والحقد والانتهاك والباطل.

لقد صار سجن "أبو غريب" الذي انتُهكت فيه أعراض كثير من العراقيين والعراقيات، وأصبح ذكره ملازماً لصفة العار والشنار التي لحقت بأمريكا ولن تفارقها أبداً ما حيي الأجيال.. أقول: لقد صار هذا السجن -سيء الصيت- مدرسة لتخريج كواكب من الحفظة والمتقنين والقراء والمجودين والدعاة والمثقفين.. وكل يوم يقضيه أولئك الأحرار في سجون الغزاة والكفار يعد مرحلة علمية باتجاه الطلب والتعلم والحفظ والتلقي.. وقد قال لي بعض الثقات أنَّ بعض السجناء ممن أنعم الله عليهم بالفرج كانوا يطلبون من مسئولي تلك السجون بأن يؤخروا الإفراج عنهم بضعة أشهر لأنَّ أمامهم حفظ بعض أجزاء القران الكريم ليتموا حفظه كاملاً!!

إنَّ العراقيين اليوم يتحملون شتى أنواع الأذى، ويُصلون بنير الغزو الظالم وتداعياته، ولكنهم يدركون أنهم في امتحان لا بد من تجاوزه، ومهما طال الظلام فلا بد لليل الظلم أن ينجلي، ومهما مكر الحاقدون فإنَّ إرادة المخلصين لن تُهزم أو تُكسر ((ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)).


المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

أضف تعليق