هموم: تشيني وإيران ومعركة العراق المستمرة..ياسر الزعاترة
تستحق جولة نائب الرئيس الأمريكي تشيني (مهندس الحرب على العراق) التوقف: لا سيما تصريحاته المتعلقة بتقييم الحرب وملفاتها الشائكة ، إضافة إلى ما يتعلق منها بإيران ، أكان ملفها النووي أم وجودها في العراق.
في السياق الأول لم يشعر تشيني بالخجل وهو يقيّم الحرب على العراق في ذكراها الخامسة معتبراً إياها حرباً ناجحة ، كما لم يجد أي حرج في رفض اعتبار التحسن الأمني الذي توفر في الآونة الأخيرة مؤشراً على انسحاب قريب للقوات الأمريكية.
نتذكر هنا ذلك الجدل الذي تابعناه ، وشاركنا فيها طوال السنوات الثلاث الماضية حول إمكانية انسحاب القوات الأمريكية من العراق ، وهو الجدل الذي أسهم في تشكيك قوى المقاومة بعضها ببعض ، بل عبث ببعض فصائلها من الداخل إثر اتهامات لرموز فيها بالحوار مع الأمريكان.
قلنا وما نزال نقول إن الفشل في العراق ليس عادياً بحال ، وكما كان الغزو عنواناً لانطلاق مشروع قرن إمبراطوري أمريكي جديد ، فإن الفشل هو إعلان بأن القوة الأمريكية قد دخلت منحنى الهبوط والتراجع ، ولذلك لم ولن تتوقف الولايات المتحدة ، أكانت بقيادة بوش أم ماكين أم حتى هيلاري كلينتون أو أوباما ، لن تتوقف عن مساعيها الرامية إلى تحقيق النجاح في العراق.
كان لافتاً بالطبع (إضافة إلى تزامن زيارة جون ماكين مع زيارة تشيني) أن يتحدث الأخير عن بقاء القوات رغم التحسن الأمني على مسمع نوري المالكي الذي يقنع نفسه بأنه يقود بلداً ذا سيادة ، وأن وجود القوات الأمريكية قد تم بتفويض من الحكومة المنتخبة ، وهو التفويض الذي سيجدد مرة أخرى رغم أنفه وأنف حكومته.
الأمريكيون إذن باقون في العراق ، والتحسن الأمني لا يدفعهم نحو الخروج ، بل يمنحهم الأمل بإمكانية نجاح المشروع ، وبالطبع عبر المزيد من التحكم بالوضع الداخلي ، سواء بقيت قواتهم تجوب الشوارع ، أم تحولت إلى قواعد عسكرية بعيدة ، تاركة مهمة حفظ الأمن للجيش العراقي والأجهزة الأمنية ، ومعها قوات الصحوات التي صنعت بالمال الأمريكي ، وبدعم من بعض رموز العرب السنة الذي برروا ارتماءهم في حضن الاحتلال بمواجهة إيران ، فكان أن بقي الاحتلال وزادت إيران قوة على قوتها.
الجانب الثاني يتعلق بإيران ، حيث جاء تشيني إلى المنطقة من أجل التحريض عليها ، ما يؤكد أن مشروع الضربة العسكرية لم تطو أوراقه بعد (استقالة الجنرال فالون تؤكد ذلك) ، وهنا في العراق تحديداً طالب تشيني العرب بإرسال سفرائهم إلى العراق من أجل مواجهة النفوذ الإيراني ، وهو ما يؤكد عبثية الزيارة التي قام بها أحمدي نجاد إلى العراق ، والتي لم يأذن بها الأمريكان إلا من أجل تذكير العرب بنفوذ إيران في العراق ومشروعها في المنطقة ، وبالتالي ضرورة التعاون معهم من أجل التصدي لذلك المشروع ، ليس من خلال ترتيب ودعم المواجهة المحتملة ، بل أيضاً في سياق ترتيب الشأن العراقي الداخلي.
مرة أخرى كان تشيني يتحدث عن مواجهة النفوذ الإيراني أمام مضيفيه من الشيعة المقربين من إيران ، وإن كان من بينهم من يمكنه منح الولاء لواشنطن ، ولو على حساب إخوة المذهب ، ما دامت المكافأة مجزية،،
هكذا يسفر المشروع الأمريكي في العراق عن نفسه أكثر فأكثر ، فبينما تمكن قادة الاحتلال من ترسيخ سياسة فرّق تسد بين الطوائف وداخل كل طائفة ، ها هم يريدونه ساحة لعراك عربي إيراني ، وبالطبع على أمل أن تفضي اللعبة إلى التخلص من مشروع إيران النووي ، إضافة إلى نجاح مشروع الاحتلال الرامي إلى إعادة تشكيل المنطقة كما كان الهدف الأساسي.
ثمة معطيات تثير شهية واشنطن وقد تدفعها للمزيد من المغامرة ، ربما لكي تكتمل ورطتها ، هي التي يمكنها أن تخرج الآن بقدر أقل من الخسائر لو حكّمت العقل والمنطق.
المقالات المنشورة تعبر عن راي كاتبيها
هموم: تشيني وإيران ومعركة العراق المستمرة..ياسر الزعاترة
