يسود الانطباع على نطاق واسع بأن الولايات المتحدة دولة متزمتة دينيا خاصة عند مقارنتها بأوروبا، وأيضا عند النظر لحالة الهوس التي تتلبس الإدارة الأمريكية والمحافظين الجدد والرئيس بوش الذي يأتيه السيد المسيح في الأحلام، ويطالبه بإشعال \"الحروب المقدسة\".
ورغم ذلك فقد كشف استطلاع واسع النطاق أجري مؤخرا في الولايات المتحدة عن نتائج مغايرة بشكل كبير للصورة التقليدية خاصة في ما يتعلق بعمليات التحول الديني بين العقائد المختلفة، وهي العملية التي تعتبر الأكثر حساسية على الإطلاق، واعتبر الاستطلاع أن التحول الديني حركة طبيعية في "سوق العقائد" الأمريكي.
أولى النتائج الصارخة التي كشف عنها الاستطلاع أن نسبة 40 % من المشاركين غيروا العقيدة التي ولدوا وهم ينتمون إليها إلى عقائد أخرى أو خرجوا عن الدين تماما.
وأكد الخبراء أن النمو المتزايد للأقليات الدينية وعشق الأمريكيين للانتقال من مكان إلى آخر إضافة إلى الزيجات المختلطة تمثل المفاتيح الرئيسية وراء حالة «الخليط الديني» التي كشف عنها الاستطلاع الواسع الذي شارك فيه 35 ألف مواطن أمريكي.
وكشفت النتائج العامة للاستطلاع عن عدد من المؤشرات الدالة، منها مثلا استمرار انخفاض نسبة المنتمين للبروتستانتية (الديانة الرئيسية في الولايات المتحدة) الذين بلغت نسبتهم وفق الاستطلاع 51 % فقط، كما زادت أيضا نسبة غير المنتمين إلى أي دين حتى وصلت إلى 16 %.
الاستطلاع الذي أعلنت نتائجه قبل ايام معدودة من الزيارة الأولى للبابا بنديكت السادس عشر إلى الولايات المتحدة، كشف عمق الأزمة التي تعيشها الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا، فقد كانت هي الجماعة الدينية التي فقدت أكبر قدر من معتنقيها بين الديانات المختلفة بنسبة 24 % قالوا عن أنفسهم «كاثوليكيون سابقون»، ولكن هذه الأرقام تخفي حقيقة أخرى، وهي أن الكاثوليكية احتفظت رغم ذلك بنسبة ثابتة في المجتمع والسبب الأساسي في ذلك هو زيادة عدد المهاجرين من أمريكا اللاتينية التي يدين غالبيتهم بها.
لويس لوجو رئيس هيئة Pew التي عملت البحث وصف القضية بقوله: الاقتصاد الأمريكي يشبه السوق تماما، فهو ديناميكي، والمنافسة فيه حادة للغاية، والجميع في هذه السوق يربح ويخسر، ولكن لا أحد يستطيع أن يقف في موقعه بلا حركة.
وكشف الاستطلاع أن واحدا من بين كل أربعة أمريكيين في عمر 18 – 29 عاما لا ينتمي إلى أية كنيسة أو مؤسسة دينية، وهي النسب التي قال عنها روجر فينكي عالم السيسيولوجيا الذي عمل مستشارا للبحث: يبدو الآن بوضوح أن هناك حالة متزايدة من انعدام الثقة في الهياكل الدينية خاصة من ناحية الأشكال التقليدية للدين.
وأظهرت الأرقام زيادة عدد غير المنتمين إلى أي دين في الولايات المتحدة، فقد وصلت نسبتهم إلى 12 % من إجمالي عدد السكان، ووصفت غالبيتهم الدين بأنه «ليس شيئا محددا ذا أهمية»، أما الملحدون فقد بلغت نسبتهم 4 % من إجمالي السكان، وأظهرت النتائج أن الهندوس هي أكبر جماعة دينية تحتفظ بمعتقداتها في الولايات المتحدة دون تغيير، وذلك بنسبة 84 %، أما جماعة «شهود يهوه» فهي أكثر الجماعات خسارة لمعتنقيها اذ لم يبق منهم أكثر من 37 % على معتقد الميلاد.
ومن النتائج اللافتة أيضا أن أكثر من نصف البوذيين في الولايات المتحدة من البيض، وغالبية الذين يدينون بهذه الديانة تحولوا إليها من ديانات أخرى، كما أن عدد البوذيين في الولايات المتحدة أكبر من عدد المسلمين رغم أن كليهما لا تزيد نسبته على 1 % من السكان، في حين تبلغ نسبة اليهود 1:7 %.
التحول الديني في أنحاء كثيرة من العالم قضية شديدة الحساسية تراق فيها الدماء في أغلب الأحيان، ولكنها في الولايات المتحدة بلد المتناقضات تبدو مسألة شخصية جدا، لا تسترعي انتباه أحد إلا مراكز الأبحاث والدراسات التي تنظر إلى الدين كما تنظر إلى باقي السلع التجارية: البعض يربح.. والبعض يخسر.. ولا أحد يتوقف عن الحركة.
السبيل - وكالات
16 % من الأمريكيين غير منتمين لأي دين و40 % منهم يغيرون عقائدهم
