الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، حمداً يكافئ نعمه وعظيم سلطانه، أنزل إلينا خير كتبه على أشرف رسله وصلى عليه من قبلنا وبذلك أمرنا... \"إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً\" (الأحزاب 56).
كأن الغرب لا يكفيه ما حل بالمسلمين من ويلات ونكبات ومظالم وإساءات... فإذا به ينكئ جراحنا ويمس أعز مقدساتنا، مقام سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
كما يعلم الجميع جرأت جريدة دانماركية علي السخرية من سيد خلق - صلى الله عليه وسلم- بنشر رسومات كرتونية قبيحة له تصوره إحداها يعتمر عمامة فيها قنبلة ولم تقل سائر الرسومات الإثنا عشر سوءاً عن ذلك.
أولاً: أطرح سؤالاً علي أصحاب تلك السقطة الشنيعة أتعلمون أنتم عمن تتكلمون؟ أتعلمون أنتم بصدد من؟ لن أقول أنتم بصدد نبي يؤمن برسالته مليار وثلث المليار من البشر فحسب..
لكني أذكركم بفضله - صلى الله عليه وسلم- علي ما تنعمون به من النعم المادية التي أبدأ بها لعلمي بمدى حصركم عليها، لو لم يرسل الله سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- لما تقلبتم في تلك النعم.
فقد أرسى قواعد دين أنشأ حضارة لولا اتصالكم بها في الأندلس لما وصلتم لما أنتم فيه.
والكلام ليس من عندي بل من عند المستشرقة الألمانية زائعة الصيت "زيجرد هونكة" في كتابها "شمس الله تشرق علي الغرب" إذ تقول: "لقد قدم العرب بجامعاتهم التي بدأت تزدهر منذ القرن التاسع، والتي جذبت إليها منذ عهد البابا سلفستر الثاني عدداً من الغربيين من جانبي البرانس، ظل يتزايد حتى صار تياراً فكرياً دائماً". وكذلك (د. لويس يونج) في مقدمة كتابه "العرب وأوروبا": يجب ألا ننسى الوجه الآخر للصورة في العصور الوسطى، عندما عكفت أوروبا علي علوم العرب من طب وفلسفة وطبيعة... حتى إذا كان القرن الثامن عشر قبست منهم نار الرومانطيقية، وفي القرن التاسع عشر سلبت أراضيهم، ثم بترولهم في القرن العشرين... لقد ظلت أوروبا ترفض الاعتراف بما للعرب من يد طولي علي حضارتها".
ولم يكن هذين الكاتبين متفردين في ذلك بل لقد سبقهما وتبعهما في ذلك العديدون مثل الكاتبة البريطانية كارن آرمسترونج والأمير تشارلز ولي العهد البريطاني الذي تستعد عاصمة بلاده للاحتفال بمرور ألف عام علي دخول الإسلام إليها.
والذي انتقد في زيارته إلي أمريكا في ديسمبر الماضي أولئك الذين لا يقدرون الإسلام وثقافته ولا يعجبون بعقيدته.
هذا عن فضله - عليه الصلاة والسلام - علي مدنية الغرب، أما عن فضله علي البشرية كلها فحدث ولا حرج.. فقد كانت ثمرة عمله باقية ودعوته خالدة. وهي ثمرة الصدق والحق والفضيلة فقد جاء للناس بعقيدة هي الوحيدة التي توحد الله بلا شوائب، ولم تتغير عبر الزمان.. كما قضت دعوته علي عبادة الأوثان في أغلب أنحاء الأرض. وكان الكتاب السماوي الذي جاء الناس عن طريقه هو الوحيد المحفوظ حتى يومنا هذا كلمة كلمة دون الحاجة إلي مجامع تضبطه وتعدله من آن لآخر.
وهو الكتاب السماوي الوحيد الباقي الذي قصر خشية الله علي العلماء وفيه من أمور العلوم الكونية ما لم يعلمه الناس إلا منذ عقود. كما فيه ما لا يحصى من أمور الإعجاز التاريخي والتشريعي كما فيه من الإعجاز البياني لدرجة أن ترى كل لفظة وقعت موقعها.
ومن فضل الرسول - صلى الله عليه وسلم- علي البشرية كذلك إنصافه للمرأة وقد كانت توأد حية. أما في الغرب حتى عهد ليس ببعيد فقد كانت ممنوعة من قراءة الأناجيل وحين اخترع التخدير في أواسط القرن التاسع عشر عارضت الكنيسة استخدامه في الولادة!! وحتى عام 1805م كان يحق للإنجليزي أن يبيع زوجه وابنته، وحتى عام 1877م لم يكن لها ذمة مالية.. أما بدعوة النبي (ص) فقد صار للمرة الأولى من حق المرأة أن ترث وتمتلك الأموال والشهادة والتعليم وكتابة العقود والوصايا.
• من فضل محمد - صلى الله عليه وسلم- علي البشرية كذلك بعثه أمة هي الوحيدة التي توحد الله توحيداً خالصاً تصلي لله خمس مرات في اليوم والليلة، وتصوم صوماً كاملاً شهراً كاملاً وهي أقل الأمم انغماساً في الموبقات. ولا يقدح في دعوته أن تخلفت أمته اليوم حضارياً فتلك دورة الحضارات وقد حملت شعلتها من قبل قرابة الألف عام.
استعراض الحدث:
كانت هناك مقدمات يجهلها الكثيرون لتلك الوقاحة في الصحيفة الدانماركية. فقد سبقها إعادة عرض لفيلم Submission (الخضوع) الهولندي المهين للإسلام والذي دفع مخرجه "ثيو فان جوخ" حياته ثمناً لإساءته فيه. كذلك نشرت ملكة الدانمارك "مارجرت الثانية" مذكراتها التي بلغ فيها التجني علي الإسلام حداً قالت فيه إن الإسلام يمثل تحدي ويجب التصدي له، ثم كان صدور تصريح سابق لنفس الصحيفة بأن الإسلام دين اقتتال. ثم كانت هناك عدة تصريحات لرئيس الوزراء ذكر فيها أن أهل الإسلام حثالة البشر متزامن في ذلك مع تصريحات مماثلة لرئيسة حزب الشعب اليميني ولا يخفى كذلك أن الحكومة اليمينية الحالية في الدانمارك مشاركة بقوات مع الولايات المتحدة في العراق وفي أفغانستان وقد رفعت عدد المشاركين فيها بعد الاحتجاجات الأولى على الرسوم المسيئة!!..
ثم بدأت الأحداث تتسارع حين طلب كاتب دانماركي يدعى "كاري بولينجن" صوراً ترسم للنبي - صلى الله عليه وسلم- يضعها في كتابه "القرآن وحياة النبي" ففشل. فكان أن تولى رئيس الصفحة الثقافية في جريدة "يولاندز بوسطن" ـ أوسع الصحف الدانماركية انتشاراً حالياً ـ واسمه "فليمنج روز" هذا الأمر بل جعلها مسابقة كاريكاتورية شارك فيها أربعون آثماً عرض منها اثنا عشرة صورة. ثار مسلمو الدانمارك وتحرك سفراء العرب والمسلمين بقيادة سفيرة مصر د. منى عمر التي طلبت مقابلة رئيس الوزراء ضمن وفد إسلامي فرفض متعللاً بأن ما حدث حرية تعبير لا يجوز الاحتجاج عليها، في حين استقبل الكاتبة الصومالية "إيان" دائمة الإساءة للإسلام والتي كتبت من قبل فيلم "خضوع" الهولندي الذي تظهر فيه امرأة عارية الظهر وقد كتب عليه آيات قرآنية.
وقد طلب منها رئيس الوزراء هذا كتابة فيلم قالت عنه تلك الكاتبة أنه يصحح أخطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وعصمه من الخطأ.
ولما لم يجد مسلمو الدانمارك أية استجابة لاحتجاجاتهم ولوّا وجوههم شطر مصر وقابلوا شيخ الأزهر وفضيلة المفتي وأمين الجامعة العربية الذي قام بأول رد فعل إيجابي بعرض القضية خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في أواخر شهر ديسمبر الماضي، كان من نتاجها أن أصدر رئيس الوزراء الدانماركي "كلمات تصالحية" ـ وليس اعتذاراً ـ بتاريخ 6/1/2006. ثم زار سفير الدانمارك في القاهرة شيخ الأزهر واستنكر أي عمل يقصد منه تشويه الإسلام دون الاعتذار. بعد ذلك بأسبوع أصدرت هيئة علماء المسلمين برئاسة د. يوسف القرضاوي بياناً هددت فيه بالمقاطعة الاقتصادية. ثم كان أن سحبت السعودية سفيرها من كوبنهاجن وتسارعت الأحداث إذ حذت ليبيا حذو السعودية واستدعت العديد من الدول الإسلامية سفراءها للتشاور أو استدعت سفراء الدانمارك لديها للاحتجاج عليها. خلال ذلك أعادت مجلة"ماغازينت" النرويجية نشر الصور المسيئة.
بعد ذلك حدث أخطر تطور إذ بدأت دعاوى المقاطعة الاقتصادية الشعبية للسلع الدانماركية. وهنا جن جنون القوم فنشرت الصحيفة المسيئة ما سمته اعتذاراً في موقعها علي الإنترنت أبدت فيه أسفها لسوء التفاهم! ولما استمرت المقاطعة واكتوت شركاتهم بنارها هددت المفوضية الأوروبية برفع شكوى إلي منظمة التجارة العالمية. تبع ذلك تطور خطير إذ بدأت صحف أوروبية أخرى في إعادة نشر الكاريكاتير تضامناً مع الدانمارك. بدأ ذلك في فرنسا ثم ألمانيا وأسبانيا وكل دول أوروبا تقريباً بعد ذلك عدا بريطانيا! مما شجع رئيس وزراء الدانمارك المتسبب في الأزمة علي تصريحه بأنه لن يعتذر في نفس اليوم الجمعة (3/2/2006) الذي خرجت فيه مظاهرات الغضب الإسلامي استجابة لنداء د. يوسف القرضاوي الذي خطب يومها خطبة تاريخية.
في اليوم الرابع من فبراير بدأت احتجاجات المسلمين تأخذ منحى عنيفاً نتيجة الصلف الغربي.
إذ هدد أبو حفص المصري (رجل القاعدة) الدانمارك وتوعدها بدفع ثمن الإساءة ثم حدث في نفس اليوم أن حرق المتظاهرون الغاضبون سفارتا الدانمارك والنرويج في دمشق تبعها في اليوم التالي (الأحد) إحراق قنصلية الدانمارك في بيروت ثم عرض إمام المسجد الكبير في بيشاور بباكستان " يوسف قريشى " مكافأة مليون دولار وسيارة لمن يقتل صاحب الرسوم!! بعد ذلك عمت المظاهرات ودعوات المقاطعة سائر العالم الإسلامي تقريباً، بل حتى العديد من الدول التي بها أعداد غير قليلة من المسلمين خاصةً في أوروبا حتى أن لندن شهدت مظاهر يوم 18 فبراير شارك فيها عشرات الآلاف من المسلمين والمتضامنين معهم. تزامن ذلك مع مجئ "خافير سولانا" لمصر والسعودية لتهدئة الخواطر. كذلك زار مصر وفد كنسي دانماركي برئاسة أسقف كوبنهاجن.
ويستمر الحال الآن بين شد وجذب ففي نفس اليوم الذي يفترض أن يحضر فيه سفير الدانمارك في القاهرة مؤتمراً في جمعية الشبان المسلمين. نقرأ تصريحاً للصحفي الدانماركي المتسبب في الأزمة "فلمنج روز" أنه أقدم علي ما فعل لتحدي المحظورات الإسلامية متزامناً في ذلك أيضاً مع محاولة فاشلة لصحيفة سويدية لنشر رسوم مشابهة.
بم نرد علي ادعاءات أصحاب السقطة؟
بتعلل أصحاب تلك الإساءة بأنها من قبيل حرية الرأي. والحق أنها كلمة حق يراد بها باطل. ففي يوم 20/2/2006 (أي في نفس تحجج الغرب بحجة حرية التعبير) حكم علي المؤرخ البريطاني "ديفيد إيرفنج" في النمسا بالسجن لثلاث سنوات لإبدائه رأيه منذ ستة عشر عاماً في محرقة اليهود وهو أنها مبالغ فيما أعلن عن عدد ضحاياها!!! وذلك بعد تخفيف الحكم عليه وقد ناهز السبعين من عمره، مثل ما فعل من قبل بالمفكر الفرنسي روجيه جارودي وقد تخطى الثمانين من العمر. والحق أنهم يعلمون أي تلك الحجة كاذبة. فقد ذكر سكرتير عام منظمة "صحفيون بلا حدود" (روبرت مينارد)، كما نقرأ في عدد 2/2/2006 في الهيرالد تربيون، ذكر روبرت هذا أنه يعلم أن المسلمين سيصدمون من هذه الرسوم، غير أن يصدموا هو جزء من ثمن أن يعرفوا!!!! ومما يدحض ادعاء حرية التعبير كذلك مقولة "فولتير" الشهيرة.. "أنا مستعد أن أموت في سبيل أن تعبر أنت عن رأيك... " كما أنهم دائماً يقولون حريتي تنتهي حين تبدأ حرية غيري.
فالحرية ليست فوضى. ثم لماذا لم ينتقدوا الدستور الدانماركي الذي ينص على مساندة الدولة للكنيسة اللوثرية.
ماذا كشفت الأزمة؟
1) مما كشفت عنه تلك الأزمة تأخر رد فعل المسلمين. فقد كانت الإساءة يوم 30/9/2005 ولم يبدأ رد الفعل الحقيقي قبل أواسط يناير!!! وذلك ليس فقط لبطأ تحركنا ولكن لضعف متابعتنا لما يكتب عنا. فحتى كتابة هذه السطور لا توجد مكتبة عربية واحدة بها مرصد لرصد وتحليل ما يكتب عنا في وسائل الإعلام الأجنبية.
الحرب الحقيقية الحديثة علي الإسلام بدأت عام 1992 بالبوسنة والهرسك. ولو كان المسلمون حينها قاطعوا البضائع الروسية (حامية الحرب) لاختلف الأمر إلى الآن.
2) كذلك تذكرنا هذه الحادثة بأحداث أخرى مشابهة كسن فرنسا لقانون الرموز الدينية الذي هو في حقيقته قانون دفع مسلمي فرنسا لتركها أو الذوبان فيها. حينها قال شيخ الأزهر أن هذا شأن داخلي فرنسي، وهو نفسه الحجة التي رددها بعض الدانمركيون بل إن تعبير بوش بأن رد فعل المسلمين العنيف مبالغ فيه كان هو نفس رد الأنبا موسى على مظاهرات مسلمي مصر وقت فتنة مسرحية كنيسة الإسكندرية الشهيرة.
مما يعطي انطباعاً بأن هناك خيط يجمع إساءة الدانمارك مع إساءة مسرحية كنيسة الإسكندرية مع قانون حجاب فرنسا وأمثاله في ألمانيا وبلجيكا. وكذلك تسريب صور أبو غريب وجوانتانا وتدنيس المصاحف، إصدار الفرقان الحق، تصريحات مسئولين ضد الإسلام، قضية وفاء قسطنطين وأخواتها... معتقلات أمريكا السرية... التنصت علي مسلميها... خطف المخابرات الأمريكية لمسلمين وتعذيبهم... تعذيب صبية العراق... احتلال أفغانستان والعراق.. وتهديد سوريا وإيران.. العبث باستقرار لبنان... هذه حرب استفزاز ضد المسلمين.. التعبير الأخير ليس من عندي بل هو تعبير السياسي الألماني الشهير "هانز ديتريش جنشر".
3) كشفت تلك الأزمة كذلك مدى صلف واستعلاء فريق كبير من مثقفي الغرب وعدم قبولهم للآخر علي عكس ما يدعون. ومحاولة فرض الثقافة الغربية، بدليل تمسك رئيس وزراء الدانمارك بعدم الاعتذار بحجة أنه لا سلطة له على الصحيفة في حين نسي المسئولية الأدبية (وإن كان " راسموسن " ضالعاً في هذا الأمر). وهو ما دفع رئيسى وزراء فنلندا والنرويج للاعتذار. بل إن الكنيسة الإنجلكانية اعتذرت لمسلمي إنجلترا عن خطأ بلير بغزو العراق رغم عدم مسئوليتها بل معارضتها لها. ومن ينس اعتذار المفوضية الأوروبية لإسرائيل عن الإحصاء الذي أظهر أن 59% من الأوروبيون يرونها خطر علي العالم كذلك اعتذار رئيس وزراء كندا إبان أحداث سبتمبر للمسلمين عن اعتداءات عليهم من غوغاء. أما العجيب فكان اعتذار بعض الساسة الدانماركيين مثل " هيرلوف هانسن " الذي اعتذر كمواطن دانماركى، بل قام بجولة على حسابه الخاص لهذا الغرض.
4) من أهم ما كشفت عنه تلك الأزمة مدى جهل الغرب بالإسلام.
فقد ذكرت صحيفة " فرانس سوار " في صدر عددها الذي أعادت فيه نشر الرسوم "لنا الحق في انتقاد إلههم" أي أنهم يظنون أن المسلمين يعبدون محمداً (ص) مثلما يعبد المسيحيون المسيح! وهذا قريب مما قالته صحيفة ليبرو الإيطالية. بل إن ذلك يذكرنا بسقطة الـ BBC في يوليو 2004 حين أذاعت فيلماً وثائقياً ذكرت فيه أن القرآن يشجع المسلمين على جعل فتيات البيض حوامل لزيادة نسل المسلمين!..
5) المثقف الغربي كذلك يجهل كما أسلفنا أن المسلمين ظلوا لمدة ثمانية قرون أسياد العالم ولولا اختلاطهم بهم في الأندلس لما وصلت أوروبا لتقدمها هذا.
6) الغربيون يجهلون كذلك أن النبي (ص) الذي أساءوا إليه مكتوب عندهم في كتبهم المقدسة وسيتعجب القوم حين يجدون نبؤات أوضح من الشمس في كبد السماء عن الكعبة والكوثر والقرآن وخاتم النبوة بين كتفي نبي آخر الزمان والمصطلح " إسلام " كما سيجدوا نبؤات قاطعة عن تاريخ ميلاد وصفات وألقاب بل واسم رسول الله (ص) في الكتب القانونية وأكثر منها في المخطوطات المكتشفة حديثاً مثل مخطوطات البحر الميت ومخطوطات نجع حمادي.
7) أهل الغرب يجهلون حقيقة دينهم نفسه. فمن منهم يعلم حقيقة تأثير المجامع السكونية في تشكيل العقيدة المسيحية؟ وحقيقة علم نقد النصوص لاختيار نصوص أقرب ما تكون للنص الأصلي المفقود؟ بل ودور القديس جيروم في القرن الرابع في تشكيل الأناجيل الحالية من بين حوالي خمسين إنجيلا، كما تقول د. زينب عبد العزيز أستاذ الحضارة. لقد صدر أخيراً كتاب في أمريكا اسمه " الأناجيل الخمسة " قام به مائتي عالم لاهوت أمريكي ذكروا في مقدمته أن 82% من التفاصيل المذكورة في الأناجيل الأربعة المعتمدة لم يقلها أبداً سيدنا عيسي!! وكم منهم يعلم أن أساقفة الكاثوليك في انجلترا وويلز وسكوتلاندا أصدروا وثيقة يقولون فيها أن الكتاب المقدس غير كامل الدقة وأنه به أخطاءً علمية وتاريخية عديدة بل وتفاصيل تبرر العنف تجاه الآخر (راجع جريدة التايمز 5/10/2005).
هل هذه الإساءة هي الأولى؟
بالطبع ليست كذلك. فمنذ عصر النهضة كانت الهجمة على الإسلام شرسة حتى من رواد فكر التنوير لاعتقادهم أن الإسلام مثل أديان أخرى معوقة للفكر والعلم وقد هاجموا المسيحية كذلك. فمن ينسى مسرحية المحتال لفولتير الذي يقصد به النبي (محمد) صلي الله عليه وسلم وعصمه من ذلك. وكذلك مارتن لوثر الذي قال عنه والعياذ بالله صائد مومسات أو حبال نساء بتعبير " برانتوم ". وبلغ الجهل بأحدهم " دومونيك بودييه "، حداً لدرجة أن يذكر أنه (ص) درب حمامة تلتقط الحب من أذنه على أنها معجزة. بل منهم من رسمه (ص) في بعض كنائس إيطاليا القديمة في الجحيم. لكن الأمر تصاعد أخيراً عقب أحداث 11 سبتمبر. فبدأت حرب التصريحات ضد الإسلام من القساوسة " فالويل " و "روبرتسون " و " فرانكلين". وكذلك كبار حكامهم كبرلسكوني الذي ذكر أن حضارة الإسلام دون حضارتهم. تم مطالبة " بلير " بالتغيير في الإسلام، وذكر بوش للحرب الصليبية، وذكر وزير داخلية ألمانيا عام 2001 أن المسلمين لا يجب ن يغضبوا لو قيل أن الإسلام هرطقة.. ووزير العدل الأمريكي السابق" أشكر وفت" الذي ذكر أن الرب في الإسلام يطلب من المسلم أن يضحي بنفسه من أجله أما الرب في المسيحية فضحي بابنه من أجل البشر. وكقول الجنرال المسئول عن جوانتانامو "بويكين" أن المسلمين يعبدون وثناً. ومطالبة تانكريدو (عضو كونجرس عن كلورادو) بضرب أماكن المسلمين المقدسة. هذا عن التصريحات، أما الأفعال فحدث ولا حرج.. من احتلال وسجون سرية للتعذيب وتدنيس مصاحف وتنصت ومحاولة تحريف القرآن وغير ذلك. إلى أن خرج علينا المدعو كالديروني (الوزير الإيطالي) بالرسوم المسيئة للرسول (ص) على صدره.
هل لهذه الحادثة فوائد؟
يقول الله تعالي: " لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم " (النور 11)
وقد تبين بالفعل أن في هذه المحنة العديد من المنح:
أولاً: أثبتت قدرة الأمة على الوحدة على أمر يجمعها وكذلك قدرتها على المقاومة. فمن كان يتوقع تلك الصحوة. وما أجمل أن يصبح من يهاجم الأمة أمثولة لمن بعده.
ثانياً: هذه فرصة عظيمة لعرض الإسلام. فلا بد أن هذا الأمر لفت أنظار غير المسلمين الذين لا يعلمون عن الإسلام شيئاً إليه فشرعوا يقرؤون عنه لدرجة أن تشكل مبيعات المصاحف 38% من مبيعات الكتب الحالية في فرنسا. كما زاد الإقبال على الإسلام خاصة في الدانمارك.
ولو أننا استغللنا الحدث استغلالاً جيداً لعرض حقائق الإسلام الواضحة لانقلب السحر على الساحر.
ثالثاً: كشف المرجفين من أبناء جلدتنا. من أهم ما تمخضت عنه تلك الأزمة كشف " المارينز العرب" أو الطابور الخامس من الإعلاميين الذين يسعون إلى تثبيط الهمم وبذر بذور اليأس في النفس. فمرجف في جريدة تابعة لوزارة الثقافة يذكرنا بقول أبى بكر الصديق: " من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات " وكاتبة أخرى تكتب في بلاد الإنجليز تقول: " لماذا تصنعون من الحبة قبة فهذا شأن داخلي دانماركي. أما رجل المنظمات الأجنبية الأول فيقول: إن ما يفعله إرهابيونا أسوأ آلاف المرات من صاحب الرسوم!! وأن المسلمين يستعرضون عضلاتهم على الدانمارك الضعيفة وآخرون يسعون لإضعاف معنوياتنا بالتقليل من قيمة المقاطعة الاقتصادية فيذكر كاتب يرأس جريدتي معارضة أن صادرات الدانمارك للعرب 1% من إجمالي صادراتها ثم يتبين أنها 6% وأن شركة دانماركية واحدة تخسر ما يقرب من المليوني دولار يومياً. بل إن " الواشنطن بوست " وصفت تلك المقاطعة بأنها كابوس على الشركات الدانماركية. فشركة نوردكس مثلاً خسرت 20% من مبيعاتها، وأخرى يشكل الشرق الأوسط 70% من مبيعاتها، حسب قول نفس الصحيفة.
ثم يسخر من قولنا أن الاعتذار لم يكن بصيغة مرضية ويقول هل المطلوب أن تدخل الدانمارك في الإسلام؟ ويرفض صحفي آخر يرأس مركز دراسات كبير فكرة المقاطعة أساساً ويقول أنها تحولت إلى حالة جهادية!! كأن الجهاد سبة... ورئيس تحرير آخر يستضيف " راسموسن " ليلمعه أمامنا.
أما الكاتب " المنهزم " فوجدها فرصة للهجوم على السنة النبوية واعتبارها سبب تخلفنا الذي يجب أن يكون هو ما نقاطعه مع " فقرنا الفكري " على حد تعبيره.
ثم يكتب محامي بالنقض أننا ننمط غيرنا وأن لا جدوى من المقاطعة وقد أقمنا الدنيا ولم نقعدها وأن ثقافتنا في التعامل مع هذه القضية ثقافة القطيع!! ثم يكتب كاتب نكرة بجريدة معارضة صفراء أن حملة المقاطعة منا حملة شعــــــــوذة وكان ينبغي أن نقبل أسف الجريدة لأن كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون!!
أما أسوأ ما قرأت في هذا الباب فرأى بعض من يوصفوا بالمفكرين الإسلاميين. مثل د. طارق رمضان الأكاديمي السويسري مصري الأصل الذي ذكر لجريدة " دير شبيجل " أن رد فعل المسلمين مبالغ فيه وحاد للغاية! ثم أثار حفيظة الدانماركيين من وفد مسلمي بلدهم الذي جاء مصر لعرض قضيتهم وخونهم.
علاوة على كل هذا الغثاء تجرأت قناة تليفزيونية جزائرية وبعض صحف عربية وإسلامية في اليمن والأردن وماليزيا على نشر الرسوم. بل لقد تم مصادرة أربعون ألف نسخة من عدد لجريدة قومية مصرية بها الرسوم المسيئة. بل أقمنا منتدي فكرياً بيننا وبين أمريكا كان دعي إليه حثالة القوم من منكري السنة إلى أمينة داود التي أمت الناس في صلاة الجمعة في أمريكا من قبل.
الغريب أن بعض الكتاب وكبار المثقفين المشهورين بعلمانيتهم كانت لهم مواقف ممتازة. فنجيب محفوظ مثلاً أيد المقاطعة وقال إنها السلاح الوحيد لدينا الآن. وقد حذا
د. زويل حذوه وكانت له كلمات مضيئة في لقاء في الأوبرا مع الشباب. بل لقد علق أحد العلمانيين على تلك الإساءة تعليقا لم يقله إسلامي حيث ذكرنا عبد الله السناوي بكلمة "هاملت" في مسرحية شكسبير الشهيرة حين قال: هناك شيء عفن في الدانمرك.
أما الأشد غرابة فكانت المواقف المشرفة للعديد من رموز الثقافة الغربية مثل الكاردينال الفاتيكاني " مارتينو " الذي صرح بأن ما حدث ما هو إلا استفزاز مقصود ولا يعبر إلا عن غطرسة وقحة لا يمكن قبولها.. وقد صرح بذلك في ذات الجريدة الألمانية " دي فيلت " التي أعادت نشر الرسوم المسيئة يوم 8/2/2006. مثل ذلك قاله الأديب الألماني الحائز على جائزة نوبل " جونتر جراس " لجريدة الباييس الأسبانية يوم 9 فبراير الذي زاد على ذلك تفهمه لاستخدام بعض المسلمين للعنف لأن الغرب هو الذي بدأ بالعنف بل وألمح إلى أن هناك مؤامرة وراء الرسوم للتخطيط للاستفزاز رغم تحذير خبراء الشئون الإسلامية للصحفي. كما قال الأديب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل " خوزية زاراماجو " كلاماً مثل ذلك.
أما السياسي الألماني العتيد " هانز ديترش جنشر " فدعى الغرب إلى تأمل أن كل صور الحرب والإذلال والتعذيب تتم للمسلمين فقط وأخذ يعدد الأمور منذ احتلال العراق وأفغانستان إلى أبى غريب وجوانتانامو وتعذيب صبية العراق وغير ذلك.. ومن ينسى مقالة روبرت فيسك في الاندبندنت " خطورة الرسوم الكرتونية الدانماركية " حيث ذكر أن المسلمين يعترضون على تصويرنا الاستفزازي والمهين للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم- ثم طالب الغرب بتقبل حقيقة أن المسلمين يعيشون ديانتهم (التي حافظوا عليها خلال تقلبات تاريخية كثيرة) على عكس ما يفعل أهل الغرب الذين فقدوا دينهم. منذ زمن اعتبروا أنبياءهم وقديسيهم مجرد شخصيات تاريخية تتناقض مع تقدمهم وحريتهم وحقوق الإنسان.... ثم ذكرهم بمن أضرم النار في السينما التي كان يعرض فيها فيلم آخر إغراءات المسيح"..... بعد ذلك تساءل لو كان الرسم لحاخام قبعته على شكل قنبلة ماذا كان سيكون رد الفعل؟ ثم أنهى مقالته بقوله: وكذلك فقد صور الإسلام وكأنه دين عنف، الإسلام ليس كذلك، أم إننا نريد أن نجعله كذلك؟
ما الدفاع الحقيقي وراء تلك الإساءة؟
يخطأ من يتصور أن مثل تلك الإساءات هم لمجرد إغاظة المسلمين وإخراج الألسنة لهم. صحيح هناك استعلاء ثقافي يقطر من أقلام غلاة الغربيين. كقول " راسموسن" عن المسلمين وبعد تحديه بعدم الاعتذار، إنهم (أي المسلمون) يجهلون كيفية عمل وسائل الإعلام الحرة، ولكن هذا هو نظامنا!!! وكقول سكرتير عام منظمة صحفيون بلا حدود: أن يصدم المسلمون جزء من ثمن أن يعرفوا... وكقول جريدة ليبرو الإيطالية: يا للعار أوروبا تركع للإسلام. كل هذا صحيح، لكن لماذا الآن؟ ومن المستفيد؟ الحق أن أوروبا كان ولا يزال لديها مشكلة وكذلك أمريكا الآن أصبح لديها مشكلة. أمريكا تعاني من عزلة غربية في حربها على ما تسميه الإرهاب خاصة بعد اعتراض فرنسا وألمانيا على ضرب العراق. وأوروبا تعاني من مشكلة ديمجرافية حيث تتناقص أعدادهم في حين يزداد المسلمون خصوبة ويهاجرون إلى أوروبا علاوة على دخول العديد من الأوروبيين في الإسلام. وقد قيل إنه لو استمر هذا المعدل لصار اغلب سكان هولندا عام 2030 مسلمون، ولأصبحوا عام 2050 نصف سكان روسيا. بل أن برنارد لويس يتندر على الأوروبيين فيقول لهم اتحادكم سوف يصبح عام 2075 إتحاداً إسلاميا.
الذي أراه أن الحدث كله عملية استدراج من اليمين الأمريكي لأوروبا للحاق بها فيما سمته الحرب على الإرهاب.. وهو في سريرتهم الإسلام.. وذلك لعدم تكرار الصدام مع أمثال ألمانيا وفرنسا. ولهذا التحليل قرائن، فكوبنهاجن هي مكان صدور إعلانها الشهير بين فلسطينيين ويهود يفرط فيه في حق العودة وغيره. كما أن إدانة أمريكا وحليفتها انجلترا للرسوم المسيئة كانت سريعة. ومن لم يلاحظ عدم مشاركة جريدة أمريكية واحدة في إعادة نشر الرسوم؟ بل كانت هناك ضغوط لذلك. مثل استقالة رئيس تحرير " نيويورك برس " لضغط أصحاب الصحيفة عليه لعدم النشر ومثل نشر لواشنطن تيمز إطارا فارغاً يندد بفتور الرد الأمريكي، مما يؤكد وجود ضغوط لمنع النشر. بل كتبت تلك الجريدة أيضا: أوروبا تدرك في نهاية الأمر المشكلة هو ما كانت تريده الولايات المتحدة وهذا يعني الحصول على تعزيزات في الحرب على الإرهابيين. أما أخطر ما يؤيد ما ذهبنا إليه فهو ذكر حافظ الميرازي في برنامج " من واشنطن " في قناة الجزيرة وذكر بعض الصحف البريطانية أن " فلمنج روز" محرر الشئون الثقافية في الجريدة الدانمركية والمسئول الأول عن الإساءة صديق مقرب لدانيال بايبس اليميني الأمريكي العتيد وقد كان عنده في أمريكا العام الماضي.
فما الذي يمنع أن يكون ذلك الأمر قد دبر بليل بينهما لاستنفار الخوف الكامن عند الأوروبيين من تزايد الإسلام، ولاستفزاز المسلمين... ولعله يخرج منهم من يفعل في كوبنهاجن ما فعل في لندن ومدريد من عمليات إرهابية فتنضم أوروبا إلى أمريكا لحربها على الإسلام. لذلك لما لم تفلح الرسوم الكرتونية ثنوا عليها بصور جديدة لأبي غريب.
والحق أن هذه السياسة الأمريكية ليست جديدة. فقد انشأ رامسفيلد من قبل وحدة أسماها Proactive Pre Emptive operation group.
كل دورها استفزاز واستدراج جماعات مسلحة للهجوم على مواقع معينة!!! لتوظيف ذلك سياسياً لتشويه صورة الإسلام في الغرب والحد من انتشاره، وفي نفس الوقت إخافة الشعوب الغربية من المسلمين فتطلق يد المحافظين الجدد لتنفيذ أجندتهم والحق أن سلسلة ترويع الغربيين من المسلمين مستمرة. كان آخرها تصريحا لوزير الدفاع البريطاني "جون ريد" ذكر فيه أن المتطرفين المسلمين يسعون (وعندهم القدرة على ذلك) لتدمير إسرائيل وقتل كل اليهود وغير المسلمين!!
من المتسبب فيما حدث؟
الحق هناك أربع فئات عندنا مع تفاوت النسب مسئولون عما حدث:
1- القائمون على شئون البلاد والمتصرفون فيها لعدة أسباب: لقد استعلي علينا غربيون لتخلفنا العلمي والمادي والديمقراطي، وهم المسئولون عن ذلك بل عندما خرجت مظاهرات في بلاد لا تسمح في العادة بذلك قالوا ذلك أمر مدبر.
2- بعض الرسميين من علماء الدين لأنهم قبل ذلك قدموا مسوغاً شرعياً لأمور مشابهة كقولهم أن هذه الدولة الغربية من حقها فعل ما نشاء، فشجعهم ذلك على تكرار الفعل.
3- الطابور الخامس من الصحفيين والإعلاميين والذين يسيرون في الأمة إرجافا وتثبيطاً، ولولاهم لراجع أعداؤنا مواقفهم، ولذلك انشأ لهم رامسفيلد إدارة التضليل الإعلامي، لتجنيد صحفيين عرب لحسابهم.
4- الجماعات الإسلامية المسلحة المخترقة: حقيقة لو كانوا منتبهين ما تم توجيههم بالريموت كنترول عن طريق عملاء من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ولما حدث العديد من الكوارث لنا.
وأخيرا: ما العمل للخروج من تلك الأزمة؟
يتم ذلك بالعمل على أربعة محاور:
1- المحور الشعبي، وهو محور المقاطعة الاقتصادية والمظاهرات دون حرق بنايات ولا حتى أعلام.
2- المحور التشريعي، عن طريق علماء القانون الدولي لدينا.
لاستغلال المتاح من تشريعات عند الغرب لمعاقبة الجناة. مثل قانون " جيسو Gaysso " في فرنسا والذي حوكم به " روجيه جارودي " لأن من بنوده غير معاداة السامية قمع التصرفات العنصرية وكراهية الأجانب (كما ذكرت د. زينب عبد العزيز في مقالها القيم المنشور بموقع elshaab.com تحت عنوان " تأملات فى المسألة الكاريكاتورية المسيحية ") كما أن هناك بعض بنود في القانون الدانمركي تسمح بشيء من ذلك. فهناك قانون ضد الهرطقة أو التجديف Blasphemy ضد الإيمان، وقانون ضد العنصرية والتمييز وقانون ثالث ضد التشهير (كما ذكر سفير الدانمارك بالقاهرة). وكذلك القانون الأمريكي للحماية من الاضطهاد الديني. أو بعد ذلك السعي الحثيث لاستصدار قانون جديد سواء في أوروبا أو الأمم المتحدة. واستغلال تصريحات مسئولين غربيين مفيدة لنا. مثل قول كلينتون أن العالم يتجه إلى معاداة الإسلام بعد معاداة السامية. ونختار اسماً رنانا كقانون "الاسلاموفوبيا" مثلاً كما ذكر أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي. وفى هذا الاتجاه أيضا يجب السعي لاستصدار قانون في الدانمارك وغيرها للاعتراف بالإسلام وبمراجعة الكتب المدرسية فيما تذكره عن الإسلام وتنقيتها في التحامل عليه وهذا ما طالب به زعيم المحافظين في البرلمان الأوروبي.
3- المحور العلمي، وهو محور استغلال مناخ الحدث عن الإسلام لعرضه وذلك:
أولا: بإنشاء مرصد لما يكتب عنا في الغرب، حتى لا نتأخر في الرد ونؤاخذ عند الرد المتأخر أو تتبدل الأمور وتتغير. وقد قامت من قبل د. زينب عبد العزيز بوضع دراسة جدوى لهذا المشروع منذ عشر سنوات ولم يهتم به أحد.
ثانياً: سرعة ترجمة وإرسال كتب عن الإسلام للمراكز الإسلامية في الغرب المتشوق لمعرفة ديننا. والتعاون الوثيق مع تلك المراكز وتلبية احتياجاتها وكذلك التعاون مع المكاتب الثقافية العربية ودعوة المستشارين الثقافيين للقيام بواجبهم حيال ذلك وعدم الاكتفاء بكتابة التقارير عن المبعوثين بل إن الأمر يستوجب استحداث منصب المستشار الديني لسفاراتنا. (كما طالب من قبل د. زغلول النجار).
ثالثاً: التواصل مع المراكز الثقافية الغربية في بلادنا وذلك لمخاطبة المتواجدين منهم في مصر، ولنبدأ بالمركز الدانمركي المصري للحوار.
رابعاً: استقدام بعض مثقفيهم وتمويل ذلك من رجال إعمال وغيرهم.
خامساً: إقامة ندوات وحلقات نقاشية في كوبنهاجن وغيرها. ولنستفد في هذا الأمر ممن أسلموا من الغربيين مثل د. مراد هوفمان والشيخ حمزة يوسف ويوسف إسلام والعالم الفرنسي " عبد الحق جيداردوني " وغيرهم. ولنحرص على تنوعهم الفكري بل والإبداعي فما المانع من إرسال منشدين كسامي يوسف وقراء شبان كمشاري راشد. بل وكذلك إقامة معارض لفنانين مسلمين. كل ذلك لإظهار جانب الحضارة والتنوع. وهم أي الدانماركيون والغربيون، يساعدوننا في هذا الأمر لأنهم معنيون بذلك كما قال رئيس منظمة " دايمنشن " الدانماركية: " تقع على عاتقنا نحن الدانماركيين مسئولية معرفة الآخر والتعرف على ثقافته".. فمن مصلحتهم أن يعرفونا فلا يقعوا في أزمة كالمقاطعة الاقتصادية وغيرها مرة أخرى.
وهذا المحور هو الأهم وقد قال ربنا تعالي: " عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم " (الممتحنة 7)
سادسا: إنشاء قنوات قضائية بألسنة القوم يقوم عليها مسلمون من تلك البلاد.
وقد قرأنا في هذا الأمر أخباراً تتحدث عن اجتماع 85 منظمة إسلامية عالمية تمثل المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة برئاسة كامل الشريف في القاهرة وبحضور شيخ الأزهر وبعض وزراء الأوقاف لبحث إنشاء تلك القناة بعدة لغات.
4- محور الجهاد المدني (كما سماه فهمي هويدي) وهو إصلاح كافة مؤسساتنا المدنية (أي الإصلاح السياسي) فلا نتخلف علمياً ولا ديمقراطياً كما يعيرنا بذلك أعداؤنا.
• وأخيرا...
أقول لا يجب أن يحزن المسلمون لما حدث فقد أخبرنا ربنا أنا سنسمع من مخالفينا أذى كثيراً، وأمرنا عند ذلك بالصبر والتقوى لأن ذلك من عزم الأمور.
وأود أن نخرج مما حدث بدرس ليس فقط كيف نرد على المسيئين في الرسوم بل كيف نخرج من كبوة الأمة ككل. وفى كتاب ربنا - تعالى -الجواب الكافي والدواء الشافي، نجد ذلك في أواخر سورة هود. من أول قوله - تعالى -: " فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا انه مما تعملون بصير " (هود 112).
أولها: بشهادة الآية إصلاح المنهج على الاستقامة المحمدية وعدم الطغيان بإتباع غيرها.
وثانيها: عدم الركون إلى الظالمين من كفار الخارج أو منافقي الداخل،
وثالثها: إقامة الصلاة المفروضة والزيادة في التطوع خاصة قيام الليل عند الشدائد لأن ذلك مذهب للسيئات فينصرنا الله بذهاب سيئاتنا.
ورابعها: بالمداومة على الأمور سالفة الذكر.
وخامسها: تحرك بقية الأمة أي صالحي الأمة ونخبتها ودعاتها خاصة بالنهي عن المنكر لأن بقية الأمة ونخبتها هم قاطرتها لو تعطلوا لتعطلت.
لم يبق إلا أن نقول أن تولينا عن نصرة حبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم- الذي يعز عليه عنتنا والحريص علينا بمثل ما ذكرنا فإنه حسبه الله - تعالى -: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي الله لا اله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم " (التوبة 128-128).
المختار الاسلامي
الإساءة الدانماركية .. الدوافع الحقيقية وسبل الرد
