هيئة علماء المسلمين في العراق

مغزى انتصارات غزة|...طلعت رميح
مغزى انتصارات غزة|...طلعت رميح مغزى انتصارات غزة|...طلعت رميح

مغزى انتصارات غزة|...طلعت رميح

مغزى انتصارات غزة|...طلعت رميح في النصر المباشر، فإن المقاومة في غزة قد تمكنت من رد المفارز المتقدمة للهجوم الذي قام به جيش الاحتلال بريا، وفي ذلك حقق المقاومون نصراً ليس بالهين في ميزان الصراع، حيث ميزان القوى بين الطرفين، الصهيوني المعتدي من جهة والطرف المقاوم المدافع من جهة أخرى، هو ميزان يميل إلى الطرف المعتدي ميلا بلا حدود، ولذا فإن مجرد رد بداية الهجوم البري وايقاع خسائر بالقوات المعتدية، بتلك الأسلحة البسيطة التي في يد المقاومة، هو نصر كبير بهذا المعيار، والمقياس.

وفي النصر المباشر ايضا، فإن ما جرى من صمود شعبي خلال تلك المواجهة، في منطقة القتال والمناطق الاخرى، لاشك يمثل نصرا من نوع آخر، إذا عدنا لمقاومة حالة السكان الاسرائيليين المرفهين والذين يعيشون تحت كل أشكال الحماية، ومع ذلك هم يعلنون ليل نهار انهم غير قادرين على مواصلة الحياة في بعض المستوطنات التي تطالها الصواريخ الفلسطينية ضعيفة القدرة العسكرية، بما يعني ان تلك الصواريخ ادت مهمتها وزيادة في الوقت الذي لم تتمكن آلة الحرب الاسرائيلية القادرة على تحقيق كل اشكال الاصابات حد الابادة، من تحقيق ذات النتيجة للطرف الفلسطيني في ظل معركة احتياج بري سبقها ورافقها قصف بالطائرات ثابتة الجناح، وعمليات اغتيال نفذتها الطائرات المروحية.

لكن الانتصارات الاهم لغزة في تلك المواجهة الجارية، هي أعلى من تلك الانتصارات المباشرة أو حتى الرمزية إذا نظر اليها من وجهة النظر العسكرية، حيث انتصارات قوى المقاومة تقيم بميزان مختلف.

فالانتصارات التي تحققها المقاومة الشعبية في اي بلد محتل، إنما تقاس بالقدرة على انهاك العدو أو الخصم، معنويا وسياسيا، وبالقدرة على حشد الشعب المحتل لمواجهة قوات الاحتلال أو القوة المعتدية، كما ان الانتصارات تقاس بحجم التعبئة السياسية والجماهيرية للقطاعات السياسية والجماهيرية المستهدفة لتجميع أوسع القوى وتعبئة أكبر القدرات في مواجهة الاحتلال، كما هي تقاس بقدر ما تفشل المقاومة أو تشل قوة وقدرة الاطراف الراغبة أو المتعاونة مع الاطر السياسية التي يعتمدها الخصم «مفاوضات السلام في فلسطين والعملية السياسية في العراق».

وبهذا المعنى وضمن تلك الاهداف، فان المقاومة في غزة قد نجحت فعليا في تحقيق اهدافها، الى درجة تدعو للاعتقاد بان اقل قدر من التحول في الموقف الرسمي العربي من الصمت أو الاستنكار اللفظي الى التحرك العملي على المستوى السياسي والدبلوماسي، اضافة إلى قدر من التوسع في التحركات الجماهيرية عربيا وإسلاميا، يمكن لها ان تحقق تغييرا كبيرا في التوازنات السياسية والجماهيرية للمعركة، وتمكن حركة المقاومة في غزة ليس فقط من انجاز حالة اعلى من الصمود، بل هو سيشكل لها ارضية للتوسع والامتداد الى الضفة الغربية، وهو التطور الأكبر والأهم في معركة غزة.
نهاية أنابوليس
الجوهري في انتصار غزة العسكري الأخير، كما في صمودها رغم كل العمليات الاجرامية الاخيرة التي استشهد فيها أكثر من 140 مواطنا فلسطينيا خلال ثلاثة ايام، هو ان غزة طرحت وبقوة بديلا متجددا لمفاوضات انابوليس وتوابعها امام الشعب الفلسطيني والرأي العام العربي وقطاعات من الرأي العام الدولي ايضا.

لقد شكل انتصار غزة خلال عدوان متواصل واجرامي من جيش الاحتلال، نقطة ارتكاز قوية لحركة القوى الفلسطينية الرافضة لمفاوضات انابوليس، خاصة بعدما اضطر رئيس السلطة محمود عباس إلى وقف المفاوضات، وإلى عدم التجاوب الظاهر مع دعوة رايس إلى العودة اليها، وإذا كان توقيت العمليات الاسرائيلية وتحقيق غزة لانتصارها قد جاء متواقفا مع تعثر المفاوضات العلني منها والسري- بما سهل على عباس وسلطته اتخاذ القرار- فإن الاهم هو ان غزة قدمت بديلا للمواجهة في وقت كانت المفاوضات قد وصلت الى حائط سد، وهنا كان احتفال اهل غزة بهذا الانتصار، وتصريحات د. محمود الزهار القائد البارز في حركة حماس في غزة حول الاستعدادات الاعلى «عسكريا» لمواجهة الطيران الصهيوني، هو بمثابة التأكيد على نجاح البديل وتطوره.
لكن انهاء لعبة المفاوضات وهزيمة الخطة الاسرائيلية الامريكية بشأنها لا يتوقف على اجبارها محمود عباس على الاعلان عن وقف المفاوضات وتقديم البديل الناجح، وانما هو شكل نمطا متواصلا من الصراع، بديلا للتفاوض.
والقصة ان فكرة ولعبة المفاوضات باتت محاصرة الآن وسط الصراع والاعمال العسكرية، ليس فقط لان انتصار غزة، لاشك انه سيحفز الجيش الاسرائيلي على مواصلة العدوان لاسترداد هيبته، ولكن ايضا لان الخطة الاسرائيلية من الاصل تقوم على حالة متواصلة من التوغلات في مناطق مختلفة من غزة، مع ضربات واغتيالات من الجو، وهدم منهجي لمؤسسات «سلطة غزة» وتحقيق انهاك تدريجي ومستمر لمجتمع غزة اقتصاديا ونفسيا.

فاذا اضفنا الى ذلك ان صواريخ المقاومة باتت تتطور في مداها ودقتها، كما المقاومين باتوا اكثر حرفية وخبرة في اطلاق الصواريخ بما مكنهم من الاستمرار في اطلاق الصواريخ ومن زيادة عدد الاصابات في الطرف الآخر من الصراع.

فان المعنى الشامل والعام هو أن تجربة مفاوضات أنابوليس، لم يعد بامكانها التطور والاستمرار، بقدر ما بات أفقها مسدوداً، إلى درجة يمكن القول معها أن ما انجرت فيه حماس من افشال اوسلو قد بدأ يتحقق أيضاً في مواجهة مفاوضات أنابوليس.
شرعية حكومية هنية
والجانب الثاني في انتصار غزة هو ان حكومة إسماعيل هنية في غزة، قد بدأت تحصل على شرعية جماهيرية من نمط آخر، يضاف إلى شعبيتها التي استمدتها من خلال انتخابات يناير 2006، وذلك في ظرف دخلت فيه حكومة فياض في رام الله، حالة متسارعة من تآكل شرعيتها.

في المعنى المباشر للمقارنة بين حالتي غزة ورام الله، فان النقطة الجوهرية هي أن حكومة غزة تتعرض للاعتداءات والحصار، فترد على مستويات مؤثرة بما يعزز شرعيتها أمام مواطني غزة والضفة أيضاً، بفعل المقارنة مع حالة حكومة فياض التي لا تحرك ساكنا في مواجهة عمليات القتل اليومية الجارية في الضفة ضد رجال المقاومة، ونفس الأمر في مواجهة عمليات بناء وتوسعة المستوطنات، بل هي لا تتحرك في مواجهة عمليات الاغتيال التي جرت لعناصر من شهداء الأقصى كانت هي ذاتها من اتفقت مع الجانب الإسرائيلي على وقف ملاحقتهم، مقابل تسليم أسلحتهم والتواجد في مقار أجهزة الأمن التابعة للسلطة.

ان المتابع لمجريات الصراع يلاحظ ان تعديل التوازنات التي افرزتها الانتخابات بين القوى السياسية الفلسطينية، والتي حققت من خلالها حماس انتصاراً كبيراً وغير متوقع، قد باتت تتعزز لصالح حماس أيضاً من خلال تجربة غزة، رغم محاولات الانقلاب عليها وحملات التشهيد والضغط والفوضى التي رافقتها المؤشرات على ذلك متعددة، لعل أهمها أن الالتفاف الجماهيري حول حماس قد وصل إلى درجة «التحرك الجماهيري المنظم» وفق نمط يحقق أهداف فك الحصار، وهو أمر يختلف على حشد الجمهور في الانتخابات أو في المظاهرات والمهرجانات. كان أن التطور الحادث في علاقات الفصائل الفلسطينية في غزة بما فيها حركة فتح، مثل نموذجا آخر من تلك المؤشرات.

وهنا فان الأمر لا يتعلق فقط بالتفاف جماهيري مؤقت يتعلق بمواجهة هجمة من جيش الاحتلال، وانما هو يرتبط بقدرة حكومة هنية على تحقيق انجازات مهمة رغم كل هذه الظروف، بما يعزز شرعيتها في مجتمع غزة، وهو لاشك يعكس نفسه على أوضاع الضفة.

لقد تمكنت حكومة هنية فعليا من تثبيت آليات لانهاء الحصار على الأقل عند مستوى الحد الأدني، إذ ان الواقع الفعلي الآن ـ وبغض النظر عن التفاصيل أو لصورة الاحداث ـ ههو أن المعابر مع مصر لم تعد مغلقة على النحو الذي كان قائما من قبل. هنا وجد الجمهور الفلسطيني نفسه قوة فعل سياسية بما يعزز دوره ويعزز مكانة حكومة حماس التي تحركت معه وإلى جواره، كما هنا أصبحت احتمالات وامكانيات تطبيق الاتفاقات السابقة التي تعطي لعباس قدراً من السيطرة على الدخول والخروج من غزة، غير ممكن العودة لها.

كما تمكنت حكومة هنية فعليا وفي أرض الواقع من تثبيت نفسها، كإدارة حكم قادرة على إدارة الأزمات الأشد عنفوانا وخطورة، سواء على صعيد العلاقات مع مصر أو على صعيد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي الذي يعلن صراحة، ضرورة فك الحصار عن غزة.
تطوير الهجوم
والمغزى الثالث لانتصار غزة، هو صمودها وقدرتها على تطوير المعركة ودون قدرة لقوات الاحتلال على كسر الصمود أو منع تطوير القدرة، وذلك أمر هام للغاية في مجريات الصراع وانعكاساتها على الجمهور الإسرائيلي والفلسطيني أيضاً.

لقد أوصل صمود غزة بقيادة حماس، الجمهور الإسرائيلي إلى درجة مطالبته الحكومة الإسرائيلية بالاعتراف مع حماس والتفاوض معها، بعد أن تنامى ادراكه ان غزة لن تنهزم وأن القوة العسكرية الإسرائيلية لن تتمكن من وقف اطلاق الصواريخ منها. والأمر لم يقتصر على الجمهور العام فقط، بل هو تحول إلى رؤية نطق بها بعض المحلليين والسياسيين الإسرائيليين، الذين باتوا يتخوفون من انعكاس الخطة الإسرائيلية التي استهدفت اخلاء حزام في شمال غزة من السكان الفلسطينيين، إلى اخلاء حزام في جنوب إسرائيل من السكان بما يشكل سابق استراتيجية خطيرة.

كما أن هذا الصمود والانتصارات قد انعكست ايجابا على الروح المعنوية للشعب الفلسطيني في غزة والضفة، بما مكن من تحقيق مزيد من القدرة على الصمود.

وهكذا فان للمذبحة الإسرائيلية المتواصلة في غزة، وجها آخر يجب ادراكه لتعزيز عوامل الصمود، وللتأكيد على أن دماء شهداء غزة لا تذهب سدى، وأن فعل المقاومة هو وحده القادر على تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، على الأقل من زاوية ان لا تفاوض دون قدرة على الفعل.


المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

أضف تعليق