هيئة علماء المسلمين في العراق

ديمقراطية الاغتصاب في العراق - حسين الرشيد
ديمقراطية الاغتصاب في العراق - حسين الرشيد ديمقراطية الاغتصاب في العراق - حسين الرشيد

ديمقراطية الاغتصاب في العراق - حسين الرشيد

ديمقراطية الاغتصاب في العراق - حسين الرشيد يتعرض أبناءُ العراق من الرجال والنساء، والصغار والكبار، والمرضى والأصحاء، والشيب والشباب، إلى أشرس الهجمات، وأفظع الانتهاكات على أيدي قوات الاحتلال الأمريكي.. إذ يمارس جنود الغزو وشركات الأمن التابعة له بحق المخلصين من أبناء الرافدين ما لم يخطر ببال عاقل، أو يتخيله راشد وناصح، من قتلٍ وخرابٍ وتدميرٍ واغتصابٍ..

إنَّ من النتائج الكارثية للغزو الأمريكي للعراق، والذي طال كل مفاصل الحياة، ما تتعرض له المرأة العراقية من انتهاكات وتصرفات فاضحة على أيدي قوات الاحتلال وأعوانها -ممن باعوا أنفسهم وضمائرهم لشياطين الإنس بسبب إغراءات قُدمت لهم- من عنفٍ واغتصابٍ يندى له جبين الإنسانية، وتتفطر له قلوب الشرفاء، من أبناء المعمورة جميعًا.. فمنذ عام الغزو المشئوم 2003م تتحدث الكثير من المنظمات الإنسانية والاجتماعية، بل وبعض نساء العراق، عن تعرضهنَّ لظاهرة الاغتصاب في مراكز الاعتقال وزنازين السجون، فلم يلقَ كلامهنَّ صدًى لا عند الرأي العام الدولي، ولا عند الحكومة العراقية، التي طالما تجاهلت صرخات هؤلاء النساء.. ووجدنا التمويه والتجاهل هما السمتان الغالبتان على تلك المواقف المخزية، حتى جاءت فظائع وفضائح سجن أبو غريب، التي تعد الأفزع والأفظع من نوعها، وكأنها من مخلفات محاكم التفتيش في القرون الوسطى، خاصة وأن أبطالها بعض أفراد من جاءونا بالديمقراطية وحقوق الإنسان!!

وقد أظهرت بعض استطلاعات الرأي خوف النساء العراقيات من انتهاكات قوات الاحتلال؛ حيث أكد استطلاع حكومي عراقي -قام به الجهاز المركزي الحكومي للإحصاء بالتعاون مع دائرة التخطيط- أنَّ 52% من نساء العراق يعتبرن أنَّ المجرمين وقوات الاحتلال الأمريكي يشكلون خطرًا حقيقيًّا على حياتهنَّ، وأنَّ هؤلاء يشكلون مصدر التهديد الرئيس لديهنَّ، وقد جاءت تلك النتيجة بسبب الخوف الكبير الذي يعتري كثيرًا من العراقيات.. ثم تطور الأمر لتعلنَ منظمة ((مراقب حقوق الإنسان)) في تقريرها الذي أصدرته عام 2005م، عن تعرُّض المعتقلات العراقيات في سجون الاحتلال، وأقبية وزارة الداخلية إلى الاغتصاب، وتحدثت ((منظمة العفو الدولية)) عن تعرض فتاةٍ عراقية لا يتجاوز عمرها السادسة عشرة إلى الاغتصاب أمام أنظار والدها، الذي كان يعمل ضابطًا في الجيش العراقي السابق.. وتحدثت التقارير عن تعرض مئات العراقيات إلى الاختطاف، وتعرض معظمهنَّ إلى الاغتصاب.. بل سجلت المنظمة العربية لحقوق الإنسان سبعًا وخمسين حالة اغتصاب لنساءٍ بالغات، وسبعًا وعشرين حالة اغتصاب لأطفال، على أيدي قوات الاحتلال في العراق، بعضها ارتكبها جنود بريطانيا، وأخرى ارتكبها جنود الدانمارك.

قالت المحامية العراقية سحر الياسري -ممثلة اتحاد الأسرى والسجناء السياسيين العراقيين-: إنَّ عدد السجناء العراقيين يصل إلى أربعمائة ألف سجين، منهم ستة آلاف وخمسمائة حَدَث، وعشرة آلاف امرأة، تم اغتصاب 95% منهنَّ؛ نظرًا لأهمية الشرف عند العرب والمسلمين، وإنَّ 5% منهنَّ هُدِّدن بالاغتصاب، وخاصة النساء اللواتي يُحْسَبْنَ على التيارات الإسلامية. اهـ

وقد تواترت الشواهد التي تحدثت عن اغتصاب عدد من جنود الاحتلال وقوات الجيش والشرطة الحالية لبعض النساء العراقيات، وظهر اعتراف بعضهنَّ أمام شاشات التلفزة، قبل فترة من الآن.. وقد كشفت -على استحياء- بعض المصادر الأمريكية والبريطانية في منتصف عام 2004م عن حالاتٍ عدةٍ لنساء عراقيات تعرضن للاغتصاب والاعتداءات والإساءات الجنسية على أيدي جنود أمريكيين.. واعترف المتحدث باسم البنتاجون في نفس العام بوجود ألف ومائتي إهانة جنسية في معتقل أبو غريب وحده، مما لم ينشر لحد الآن.

إنَّ الاغتصاب سياسة أمريكية منهجية في التعذيب، ولم يسلم منه- في عراق الحرية والديمقراطية الجديد- حدث أو شاب.. ولا رجل أو امرأة.. ولا صغير أو كبير، ولعلَّ الرأي العام كله مشدود لما جرى ويجري في سجن أبو غريب -أشهر سجون الانتهاك على سطح المعمورة-، إلا أنَّ الواقع يؤكد بأن صور تلك الفضائح الأمريكية التي ظهرت إلى العلن تعد جزءًا ضئيلاً، بل ربما كان سجن أبو غريب أرحم من بقية السجون الأخرى، التي لم ولن يستطيع أحد معرفة مكانها، فضلاً عن الوصول إليها.. وفي كل الحروب التي دارت رحاها على الأرض منذ القرون الوسطى لم تسجل جرائم وانتهاكات قذرة وقعت على المرأة، بحجم الجرائم الكبيرة التي ارتُكبت ضد المرأة العراقية من قبل قوات الاحتلال.

لقد فزع العالم كله آنذاك من مشاهد اغتصاب جنود الاحتلال للطفلة عبير وحرقها مع عائلتها، في عملية خسيسة يتعفف برابرة مجاهيل إفريقيا عن ارتكابها.. ومشهد صابرين الجنابي التي صرخت من على فضائيات العالم تعلن لبني البشر عن هتك عرضها من قِبَل أفراد جيش العراق الجديد.. وهدى، ونور، وغيرهنَّ.. أقول: لقد فزع العالم من هذه المشاهد، ولكنَّ الحقيقة أنَّ هناك المئات، وربما الآلاف ممن انتُهك عرضهنَّ، ولكن الخوف من انتشار الفضيحة، وعادة غسل العار، يقف عائقًا أمام فضح تلك الممارسات اللاأخلاقية والإجرامية.

إنَّ من فقرات الإحاطة بهذا الموضوع بعد الاطلاع على تلك الحقائق الناصعة، معرفة أنَّ الاغتصاب جزء من عادات المجتمع الأمريكي، وقد بيَّن الأستاذ علي الكاش أنَّ الكاتب الأمريكي ((ديفيد بارتون)) نشر كتابًا بعنوان غريب ((أمريكا تصلي أم لا تصلي)) ورفعه إلى الرئيس الأمريكي جاءت فيه معلومات خطيرة، بينها أنَّ 80% من الأمريكيات يتعرضن للاغتصاب مرة واحدة على الأقل في حياتهنَّ، وأنَّ 20% منهنَّ يغتصبهنَّ آباؤهنَّ، وأنَّ معدل الاغتصاب اليومي في المجتمع الأمريكي -الذي جاء أبناؤه بالديمقراطية لبلاد الرافدين- ألف وتسعمائة امرأة يوميًّا!! وأنَّ 30% من فتيات أمريكا يتعرضن للحمل والإجهاض!!
وأكد المركز الوطني الأمريكي للضحايا أنَّ معدل الاغتصاب في أمريكا (3.1) ثلاث أمريكيات في الدقيقة الواحدة، بمعنى تعرُّض ستمائة وثلاث وثمانين ألف حالة سنويًّا!! بل سجُلت في عام 1997م حالة اغتصاب واحدة في كل ثلاث ثوان في أمريكا!!

وكل الحقائق وشواهد التاريخ تقول: بأنَّ البلدان التي استعمرتها أمريكا، أو بعض تلك التي أقامت فيها قواعدها العسكرية، تعرضت نساؤها إلى الاغتصاب، تمامًا مثل الذي يحدث اليوم في العراق.. ولنا في فيتنام والفلبين واليابان خير دليل على ذلك.

لقد ساهم الفلتان الأمني، وقوانين الاحتلال التي مُنح بموجبها جنود الغزو الحصانة التامة، وعدم مساءلة مرتكبي الجرائم من قِبَل دور العدالة والقضاء ومحاكم الدول التي يتواجدون فيها أو يحتلون أرضها، في تفاقم الأزمة، وفتحت الباب على مصراعيه أمام جنود الاحتلال وشركاتهم الأمنية للتصرفات الحيوانية الهمجية، دونما معاقبة أو مساءلة!!

إنَّ المسؤولية الشرعية والتاريخية والأخلاقية تفرض على كل مسلم مقاومة تلك الجرائم البشعة وفضحها، وإنَّ القلوبَ لتتفطر ألماً وغيظاً من شدة المآسي والكوارث التي تلحق بأبناء الرافدين بسبب جرائم الغزاة وأتباعهم.. وما لم يتكاتف العرب والمسلمون لمجاوزة هذه الشدائد والمحن فلن تقوم لأبناء الإسلام قائمة، وهدايتنا وقوتنا وشدة بأسنا باتّباعنا لمنهج ديننا القويم.. {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17].. {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].

المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط

أضف تعليق