أحمونا.. ولا .. تدفنونا...حسين الرشيد
لم نرَ في حياتنا من "فضائح" مثلما نراه اليوم من تجاوزاتٍ وانتهاكاتٍ أخلاقية وسلوكية، تلازم بعض المشتغلين بالسياسة في العراق، في ظل الاحتلال الأمريكي البغيض حتى صارت المجازفة، وإطلاق عنان الكلام، والتخبط، وعدم التمييز، صفةً لا تفارق الكثيرين منهم بحالٍ من الأحوال، قولاً وفعلاً..
ما صرح به بعضهم مؤخراً من تخصيص أراضٍ في مناطق معلومة لدفن إعلاميي وصحفيي العراق فضيحةٌ أخلاقيةٌ، وانتهاكٌ سلوكيٌ، لا يرتضيه عاقل ورشيد؛ لأنَّ هذا التصرف الخطير يعدُّ اختصاراً لكلمة طويلة مفادها: أنكم يا صحفيو وإعلاميو العراق في خطر يقودكم إلى الموت المحقق؛ بسبب مواقفكم وثباتكم وفضحكم لمخططات الأعداء، الرامية إلى تقسيم البلد ونهب خيراته وثرواته، وانتهاك مقدسات وحرماته، وقتل أبنائه وإزهاق أرواحهم، وليس لكم -وأنتم تمارسون مهنتكم بحياديةٍ وصدقٍ- إلا خيارين، أحلاهما أمرُّ من الحنظل.. فإما أن تصمدوا في بلدكم الجريح الذي يذبحه الأعداء والعملاء، وتواجهوا مصيركم المحتوم "الموت" أو أن تغادروا البلد، فتكونوا في عداد المهجرين والمبعدين لإفراغ العراق من الخبرات والكفاءات
هذا هو المختصر المفيد لمثل تلك التصرفات الهوجاء.. بعد أن سادت الفوضى، وخربت نفوس الناس، وصار شعار الكثيرين منهم حب الشهوات، والأموال، والمناصب، والنفوذ، وغابت الضمائر الصادقة والنفوس المؤمنة، لتنال من مكونات السلطة الرابعة، التي تنافس السلطات الثلاث.
ولعلَّ الشواهد الحية لا تكاد تفارق البال -لكثرة تكرارها- فما حدث مؤخراً من اغتيال نقيب الصحفيين العراقيين "المرحوم شهاب التميمي" شاهد ينبئُ عن الحقد الدفين، الذي يكنّه المغرضون ضد المخلصين والوطنيين من أبناء الرافدين..
وتثبت التجارب أن المرحوم التميمي البالغ من العمر 75 عاماً ما استهدف إلا بسبب العديد من المواقف الوطنية المعروفة، والكتابات الناقدة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق المحتل، وسبق له أن تعرض لتهديدات بالقتل عام 2005 أجبرته على التواري عن الأنظار، لكنه عاود نشاطه في مجلس النقابة بعد حصوله على "ضمانات" لحماية الصحفيين العراقيين من عمليات القتل العشوائي
إنَّ الإعلام في العراق يتعرض إلى انتكاسة كبيرة بسبب تجاهل أرواح القائمين عليه، ورخصها عند جهات عديدة لا تريد الخير للبلاد الرافدين، وتشير أحدث التقارير إلى تجاوز عدد من قتلوا من إعلاميي العراق المائتين، ليفوق عدد الصحفيين القتلى الذين شاركوا في تغطية حرب ومعارك وأحداث العراق، من سقط منهم خلال التغطية الصحفية للمعارك في كوريا وفيتنام والحربين العالميتين مجتمعة، وفقاً لمنظمة صحفيون بلا حدود.
وكان التقرير السنوي للجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين، الذي صدر بداية كانون الثاني من هذا العام (2008)، أوضح أن العمل الصحفي في العراق مازال يعد من أخطر الأعمال، سواء على المستوى المحلي أو العالمي، لافتاً إلى أن (54) إعلامياً قتلوا في مناطق مختلفة من العراق خلال العام (2007) المنصرم.
لقد جاء رد صحفيو العراق على خطوة تخصيص أراض لدفنهم، سريعاً دون تأخر، فالمظاهرات والاستنكارات والكتابات التي دونت وسطرّت بهذا الشأن حملت رسالة وجهتها لكل المعنيين الحاليين بإدارة الملف العراقي مفادها: أنَّ الواجب عليكم أن تحمونا بدل أن تدفنونا وتلموا شعثنا وشعث أسرنا بدل أن نعيش عيشةَ الذل والهوان والحرمان، في بلد يعدُّ الأغنى بثرواته وخيراته بين بلدان العالم
إنَّ كلمة الحق أعظم من أن تعلو عليها تخبطات المبطلين وتقولات الكاذبين.. ولا بد أن ينتصر المخلصون للكلمة الصادقة، التي يسعى أهلها إلى لمِّ شمل العراقيين ونصرة قضيتهم..
وليس لأولئك الأفذاذ من أصحاب الكلمة الحرة -الذين يخاطرون بأنفسهم- إلا الله تعالى، الذي يحفظهم بحفظه، ويسترهم بستره.. ولا يضام أحد يركن إلى حبل الله المتين.. ((ومن يتوكل على الله فهو حسبه إنَّ الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيءٍ قدراً))، ومصداقاً لقول الرسول الأكرمr لابن عباسt: ((إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تُجاهك..)).. وبالله التوفيق
أحمونا.. ولا .. تدفنونا...حسين الرشيد
