هيئة علماء المسلمين في العراق

في المسألة الكردية.. د. أحمد نوفل
في المسألة الكردية.. د. أحمد نوفل في المسألة الكردية.. د. أحمد نوفل

في المسألة الكردية.. د. أحمد نوفل

تفاقم الأزمة أو المسألة الكردية دليل من الأدلة الحسية على فشل سياسات الأمة العربية والإسلامية. والأكراد جزء من نسيج الأمة الإسلامية، ويكفيهم فخراً إلى آخر الزمان أن كانوا هم الذين وقفوا للصليبيين، بل أوقفوا زحفهم ثم أخرجوهم من هذه الديار. ولو لم يكن لهذا الشعب من مآثر سوى أن منهم خرج صلاح الدين لكان هذا كافياً، وكيف وهم من خرج الأعلام من المفكرين والكتاب والعلماء.. وما النورسي إلا أحد هؤلاء.

وما من أمة على وجه الأرض ليست مكونة من عدة مكونات، أو فسيفسات متعددة، وما الولايات «المتحدة» إلا نموذج فائق لهذا النسيج المكون من عديد جداً من الخيوط والمكونات، وربما فاق عدد الأعراق المكونة لتلك الأمة أي بلد في العالم، ولذلك لا تسمح هي بتفكيك هذا النسيج وعودته إلى أصوله، وتقوقع كل مجموعة عرقية أو مذهبية في قوقعتها. هذا أكثر من خط أحمر «كما يقولون».

ولكنها في بلادنا تفعل النقيض تماماً، فأعادتنا شعوباً وقبائل وإثنيات وحمائل، وعشائر وفسائل، والعراق المثال الماثل على الحال الماثل. فقائمة للشيعة وقائمة للسنة وقائمة للأكراد ومثلها للتركمان، وهلم جرا..

فجعلت الوطن الواحد قسمة، وجعلت بين كل مجموعة ومجموعة حواجز ومتاريس، وحولت الشعب إلى جماعات والانتماء الواسع إلى «كانتونات» وجيتوات. وليست أمريكا بدعاً في سلوك المستعمر مع المستعمرات. فهذه شنشنة نعرفها من المستعمرين عبر التاريخ. فلا جديد تحت الشمس في سياسات قوى الاستعمار والاستكبار واستحمار الشعوب..!

حتى القوى الفاسدة البدائية فعلت فعل القوى المتقدمة، فالإجرام واحد.. ألا ترى إلى فرعون كيف قسّم الأمة «شيعاً» ليسهل عليه الإمساك بالأمور؟

نعود إلى إخواننا الأكراد الذين كان ينبغي أن نخاطبهم بـ«الجوامع» والقواسم بيننا وبينهم، لا بـ«القواطع» والقواصم المباعدة بيننا وبينهم.

ورحم الله الشيخ علي الطنطاوي، العالم العلم ذو اللسان والقلم والفكر والحكم، يقول في كتابه القيم «ذكريات» في أحد أجزائه إنه عمل معلماً في العراق منقولاً من سوريا، ومن بغداد نقل إلى محافظات الشمال: السليمانية، فدخل على فصل دراسي فخاطبهم بالقرآن والسنة والتاريخ المشترك، فحمله طلاب المدرسة الأكراد على الأعناق وساروا به إكراماً واحتراماً منذ الحصة الأولى.

لكن الخطاب المفرّق الذي تبنيناه، وحتى هذا الخطاب، أزعم، أن العرب لم يكونوا جادين فيه ولا صادقين، فما جنينا منه إلا الفرقة، فلا وحد في لبنان بين المذاهب المختلفة، ولا وحد في العراق بين القوميات المختلفة. فما الذي أنجزه ذاك الخطاب؟

والدولة الإيرانية سارت في معاملة الأكراد كما غيرهم مسيرة عوجاء شوهاء، وهي الدولة التي كانت بأمر الأسياد في الخارج أول من تبنى تثوير الأكراد على النظام في العراق وإمدادهم بالمال والسلاح. فكان الشاه هو الراعي الأكبر لذلك التمرد، والأمريكان و«إسرائيل» من بعد لا يفوتون الفرصة. فمصطفى البرزاني كان يدعي الماركسية وهو يعمل لحساب القوى الاستعمارية الغربية.

لقد روى لي صديق عزيز من الأكراد، يحمل الدكتوراه في الاجتماع من أمريكا، أنه دعي إلى اجتماع مع القيادة الكردية، يقول فذهبت، فرأيت شخصاً غريباً عني في هذا الاجتماع، فسألت من دعاني عنه فقال إنه «بن اليعازر»، وهو من أصول كردية، فقال: أنا لا أحضر اجتماعاً يحضره اليهود، وانسحبت.

وروى لي ضابط في الجيش العراقي، من خيرة الناس عقلاً وديناً وشجاعة، وهو من كفاءات ذلك الجيش، روى لي عن حجم معاناة الجيش في إخماد تلك الثورة والضحايا والخسائر والجهد ما يفوق الحصر والوصف. لقد استنزف ذلك التمرد من العراقيين ومن الأكراد مئات الألوف من القتلى، ما لو سخر مثله من التضحيات في استعادة فلسطين لاستعادها، لكنه انعدام التوفيق.

واليوم تتجدد المأساة بين حزب العمال الكردستاني ذي الميول اليسارية الماركسية (على طريقة البرزاني) الذي كان يرأسه «أوجلان»، وهو من شياطين العملاء والمرتزقة، وحرام أن تكون قيادات شعب طيب مثل هذه! (وهل قاد الشعب الفلسطيني مثلاً إلا أمثال هؤلاء؟!).

اليوم يقود تركيا مجموعة معتدلة (وإن عابها البعض فهذا ليس موضوعنا)، لا تظلم شرائح لحساب شرائح، ولا تحابي، ولكنها المخططات تحرك الثوار ليبقى العالم الإسلامي مستنزفاً لا يقر على قرار ولا يهنأ باستقرار. والنتيجة.. الاعتراف بتعدد الأصول والمنابت شيء، واحترام هذه الأصول والتمزق والتشرذم شيء آخر. ولماذا يجتمع اليهود من كل قوميات الدنيا، ولا يجتمع المسلمون على الحق؟ آه ما أحوج الأمة إلى صلاح الدين!!.


منبر السبيل الأردنية

أضف تعليق