هيئة علماء المسلمين في العراق

جَلَد الفاجر.. وعَجْز التقي.. د. ناجح إبراهيم
جَلَد الفاجر.. وعَجْز التقي.. د. ناجح إبراهيم جَلَد الفاجر.. وعَجْز التقي.. د. ناجح إبراهيم

جَلَد الفاجر.. وعَجْز التقي.. د. ناجح إبراهيم

*كنت أسير في إحدى شوارع الإسكندرية مع زوج شقيقتي الشيخ رفعت حسن.. فرأيت رجلاً ساقه مقطوعة وهو يسير على عكازين، ويحمل على رقبته وكتفيه عدداً من الأواني البلاستيكية المنزلية مختلفة الأحجام يعرضها للبيع جيئة وذهاباً في الشارع.. فتعجبت لأمره أشد العجب.. فقال لي الشيخ رفعت: إن هذا الرجل يقطع شارع المنتزه الطويل جيئة وذهاباً بالليل والنهار.. والحر والبرد.. وهو يستند على عكازيه حاملاً أكبر كمية من البلاستيك يعرضه على الناس.. وقال لي: لقد شدني كفاحه النبيل من أجل اللقمة الحلال، فاشتريت منه أنا وزوجتي بعض ما نحتاجه من هذه الأواني . *فقلت له: إن هذا الكفاح العظيم من أجل الحلال يهزني بشده من الداخل؛ فحرص هذا وأمثاله ألا تكون يده هي السفلى.. وأن يطعم أولاده اللقمة الحلال مهما كانت ظروفه.. تجعلني احتقر عزيمتي وهمتي وأنا السليم المعافى..

*ثم تفكرت في كيفية تحايله على الكسب الحلال رغم إعاقته الشديدة.. إذ هداه عقله إلى ربط الأواني البلاستكية التي يبيعها في عنقه وكتفيه.. حتى تتفرغ يداه لاستلام ثمن سلعته.. والتفرغ كذلك لضبط عكازيه الخشبيتين ..

*فقلت والله هذه هي النماذج المشرفة في المجتمع المصري التي تستحق الإشادة والتقدير والتكريم..

*وقلت لنفسي ما أحلى الحلال!.. وما أحلى لحظات هذا الرجل حينما يعود إلى زوجته وأولاده آخر النهار.. وقد سعد بانتصاره على نفسه وإعاقته والشيطان الذي يدعوه للحرام أو التسول من الناس!.. وما أسعده بالجنيهات القليلة التي يعود بها إلى بيته في نهاية هذا المشوار الطويل الذي يقطعه في اليوم الواحد مرات كثيرة.. وتذكرت حينها قول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من عمل يده.. وإن نبي الله داود كان لا يأكل إلا من عمل يده).

*فقلت حقا والله.. وتذكرت أن بعض أشقائنا وأحبائنا كانوا يساعدوننا في فترة المحنة.. ولكننا لم نكن نشعر بطعم هذا المال فضلاً عن شعورنا بأن أيدينا كانت هي السفلى.. واليد العليا خير من اليد السفلى كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم.. واليد العليا هي المعطية.. والسفلى هي الآخذة.

*فلما خرجنا، وبدأنا العمل والتكسب من جديد شعرنا بطعم آخر لكل قرش نكتسبه من عمل أيدينا.. صحيح أننا نشعر بالامتنان والشكر والعرفان لكل من ساعدنا في فترة محنتنا، ولكن ما أجمل وأطيب وأحلى اللقمة التي تأكلها من عرق جبينك.. ومن تعب يدك.. ومن جهدك الخاص!.. وكلما تعبت في لقمة العيش كلما سعدت بها ..

*لقد تدبرت هذا الحديث الشريف طويلاً.. (ما أكل أحد طعاماً قط خيرا من عمل يده..) سبحان الله.. لقد تأملت طويلاً في كلمة قط التي تفيد الاستثناء... وقلت صدقت يا رسول الله ..

*إنني أمر كل يوم على ميدان شعبي شهير في الإسكندرية اسمه ميدان الساعة، يقف فيه مئات الباعة الجائلين.. وكل قد حجز مكانه في الميدان منذ الصباح حتى أصبح علماً عليه بعد مرور سنوات وسنوات عليه.. فهذا يبيع الفاكهة.. وهذا يبيع البيض.. وهذا تخصص في الملابس الداخلية للأطفال.. أو الرجال.. وآخر يعرض الجبن القديم، بل والمش الصعيدي أيضاً.. وآخرون يعرضون أنواعاً من الخبز البلدي والفينو وغيرها من أنواع الخبز غير المدعم ..

*وفي مرة من المرات هطلت أمطار شديدة عدة أيام متواصلة فقلت في نفسي: أظن أن هؤلاء الباعة سيختفون تماماً من ميدان الساعة حيث كنت حديث عهد بالحرية، وكذلك الإسكندرية ..

*ولكني فوجئت أن جميع الباعة في أماكنهم المعهودة، ولم يتحرك أحد منهم، ولكنهم أبدعوا طرقاً ووسائل لا تخطر على بال بحيث لا تفسد بضاعتهم من المطر، ولا يتركون أماكنهم التي تجلب لهم اللقمة الحلال.. حتى باعة الخبز والملابس.. وكل الأشياء الأخرى التي تفسد من هذه الأمطار الغزيرة لم يتحركوا من أماكنهم.. واستمر كفاحهم في هذا الجو القارس البرودة الملبد بالأمطار الشديدة.. فأعجبني كفاحهم وهمتهم وعزيمتهم..

*والأغرب من ذلك.. انني رأيت معهم شاباً مبتور القدمين يتحرك على عجلة المعوقين المعروفة، ويبيع الخبز الجاف بهمة ونشاط.. فقلت في نفسي كيف يصمد هذا المعوق أمام هذا الجو الفظيع، ويظل ساهراً أمام عربته الصغيرة حتى بعد منتصف الليل.. فذهبت إليه، واشتريت منه.. ثم قلت له: هذا ثمن الخبز.. أما الجنيهات الأخرى فهي لإعجابي بعزيمتك وهمتك.. فتبسم لي ولم يتكلم.. فقلت في نفسي لو أن الشاب الذي يبحث عن الوظائف الحكومية تمتع بربع هذه العزيمة لأصلح نفسه ووطنه، ولكن مشكلته كلها تكمن في ضعف عزيمته وقديماً قالوا: ذو همة يحي أمة ..

*وقد ذكرني هذا الرجل بجار لنا قديم كان يسكن في مدينتنا ديروط.. ويعمل في مصنع للزيوت والصابون في بني قرة بمحافظة أسيوط، وكان بينهما قرابة 45 كم تقريباً.. وكان هذا الرجل كفيفاً.. وكنت أعجب لهذا الرجل إذ كان يخرج وحده من البيت إلى محطة القطار ليركبه في موعده المحدد.. ويعرف محطة بني قرة، فينزل وحده.. ثم يذهب وحده إلى المصنع.. ثم يعود ثانية كل يوم.. ولا يغيب عن عمله أو يتأخر عنه أبداً ..

*وكنا نعجب في شبابنا لما يفعله هذا الرجل.. كيف يسير هذه المسافات وحده.. وكيف يركب القطار، وينزل منه وحده.. وكان لا يكتفي بذلك، بل يذهب بالليل ليسهر مع أصدقائه.. ويقضي وحده معظم طلبات البيت..

*ولو أن جميع الإخوة الذين خرجوا من المعتقلات تمتعوا ببعض همة هذا الشاب في العمل الدنيوي الحلال والعمل للدين والدعوة إلى الله ونشر الخير.. لكان حالنا أفضل مما نحن عليه الآن ..

*ومنذ فترة وأنا أسير في أشد ميادين الإسكندرية زحاماً وهو ميدان الساعة الذي يعج بالسيارات من كل اتجاه رأيت شاباً كفيفاً يسير وحده ودون مساعدة من أحد.. ولا يعتمد في سيره إلا على عصا طويلة رفيعة يمدها أمامه يتحسس بها الطريق.. فذهبت إليه، وسلمت عليه، وقلت له أين تريد الذهاب؟ فقال: أريد أن أركب ميكروباص سيدي بشر؟ فأمسكت بيده حتى أجلسته على المقعد.. وقلت له قبل أن انصرف: أنا أحيي كفاحك في الحياة ومعجب برجولتك وهمتك.. فشكرني، وانصرفت ..

*ولعل أغرب الحالات التي قابلتها في حياتي هي حالة أخ معتقل.. رأيته في معتقل أبو زعبل الجديد اسمه حمدي أبو معاوية.. وهو من منطقة العمرانية- إمبابة بالقاهرة.. وكان مبتور القدمين والساقين.. ولما رأيته ذهلت من وجوده بين المعتقلين فسألته عن المدة التي مكثها في الاعتقال؟ فقال: تسع سنوات، فقلت له: تسع سنوات كاملة في أسوأ سجن وأنت بهذه الحالة؟ فقال: الله أعانني، وصبرني..

*فسألت الإخوة عن كيفية حياته في السجن، فقالوا هو من أنشطنا.. وأكثرنا همة وقياماً في اليل.. وصياماً في النهار.. وذكراً لله.. فقلت كيف يدخل دورة المياه وهي من النوع البلدي في كل السجون؟ قالوا: كان لا يحتاج الى مساعدة أحد، وكان يزحف على الأرض حتى يصل إلى دورة المياه، ويضع خشبتين صغيرتين على المقعدين.. ثم يقضي حاجته بصعوبة بالغة.. ولم يحصل على الكرسي المتحرك إلا قبل المبادرة بقليل.. فقام بتجويفه من الوسط ليقضي من خلاله حاجته ..

*وقد عجب كثير من المسؤولين عندما رأوه بهذه الحالة، ولم نترك سجن أبي زعبل إلا بعد حصولنا على وعد بالإفراج عنه.. وقد كان والحمد لله.. وهو الآن يعيش حياته كسائر الناس..

*كل ذلك وغيره جعلني أتدبر الحكمة من عمل سيدنا داود عليه السلام بيده.. رغم أنه كان ملكاً على بني إسرائيل.. وهي أعظم أمة مسلمة وقتها.. فلا حاجة له إلى العمل والتعب والكسب، ولكن للعمل آثار اجتماعية وتربوية ونفسية وإيمانية على العبد المسلم تفوق ما يتصوره البعض من أنه مجرد وسيلة لكسب العيش ..

*وأكثر سبب في فساد شباب اليوم وانصرافهم عن الدين، بل عن جادة الحياة إنما يكمن في انتشار البطالة.. وقديماً قال المربون: المعسكر الذي تسوده البطالة يكثر فيه الشغب..

*وقد أمسك رسول الله صلي الله عليه وسلم بيد رجل خشنة يعمل، ويتكسب بها فقال (هذه يد يحبها الله ورسوله)، ولو رآها بعض الناس اليوم لسخروا من جفافها وخشونتها ..

*وقد تفكرت كثيراً في الحكمة فيما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما حينما قال: كان آدم عليه السلام حراثاً.. ونوح نجاراً.. وإدريس خياطاً.. وإبراهيم ولوط زراعيين.. وصالح تاجراً.. وداود زراداً.. وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم رعاة..

*لقد كان الله قادراً على أن يغنيهم من فضله.. فلا يحتاجون للعمل وخاصة أنها كلها أعمال مرهقة ومجهدة.. وقد تشغلهم عن نوافل العبادات أو تبليغ دعوتهم إلى الناس..

*ولكني قلت لنفسي لعلها تربية يريد الله منها أن يربي أنبياءه من خلال هذه الأعمال.. فرعي الغنم يولد الصبر والحلم والأناة.. مما يؤهل صاحبه لقيادة البشر.. والزراعة تعلم الإنسان فهم سنة التدرج في الحياة.. حيث يبدأ مع النبات كبذرة صغيرة ثم يتدرج معها في مراحلها المختلفة حتى يرى ثمرتها وقد أينعت وحان قطافها.. والتجارة تعلم حسن التعامل مع الناس والبشاشة في وجوههم والرفق معهم.. وهكذا.

*إن التربية على الكسب الحلال والعمل الجاد تحتاجه الأمة كلها بدءاً من أولادنا وحتى من جاوزوا الستين؛ لأن العمل لا يرتبط فقط بالحاجة المادية كما يتصور البعض، ولكن العمل يحي النفوس، ويطهرها، وينقيها من آفات الكبر والكسل والركون والدعة والاكتئاب وعدم الثقة بالنفس والاعتماد على الآخرين ..

*وقد كنت أعمل في أعمال مختلفة منذ أن كان عمري 12 عاماً.. وكذلك معظم أشقائي.. وقد أكسبني العمل تحملاً للمشقة وجدية في الحياة.. ولم أترك العمل إلا بعد أن اتجهت إلى العمل الخيري.. ثم انضويت بعد ذلك تحت لواء الحركة الإسلامية..

*وقد فكرت كيف أدرب أولادي اليوم على العمل في الإجازات والجدية في الحياة.. وعدم تضييع الأوقات فيما لا يفيد دون أن أنتظر من ذلك عائداً مادياً أو نحو ذلك، ولكني خفت أن يعملوا عند أحد من أرباب الصنعة فتفسد أخلاقهم.. أو يتعلموا ما يناقض الأخلاق والدين.. وخفت أن أتركهم هكذا دون عمل فيأخذوا الحياة باستخفاف ورعونة.. وهكذا يحتار أمثالي في تربية أولادهم على هذه المعاني المهمة في هذه الحياة التي أضحت كالغابة المسبعة .

*وقد أعجبني ما نقله حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله عن لقمان الحكيم وهو يوصي ابنه قائلاً: يا بني استعن بالكسب الحلال فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه.. وضعف في عقله.. وذهاب مروءته.. وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به .

*وتحضرني في هذا المقام قصة طريفة.. فقد خرج شقيق زوجتي الشيخ طه أبو العباس بعد أن قضى في المعتقل ثمانية عشر عاماً.. ثمانية منها كاعتقال.. وعشر كحكم عسكري عليه.. وقد جهزت له والدته شقة لزواجه.. ووفرت بعض الأموال التي تكفيه للزواج.. وهو من أسرة طيبة.. كما أنه حاصل على تمهيدي ماجستير كلية دار العلوم.. وعلى معهد القراءات بالأزهر.. وفي ليسانس حقوق القاهرة هذا العام، ولكنه لا يجد عملاً له منذ خروجه.. وكلما تقدم لفتاه لخطبتها سألت عن عمله؟ فنحتار جميعاً ماذا نقول لها.. فيقال لها: سيقيم مشروعا قريباً، ولكن ما هو المشروع؟ وأين؟ و...... و...... و........ الله أعلم.. فتتعقد الأمور، ويتعذر الزواج .

*فالعمل بذاته له قيمته في الحياة يعرفها الناس بفطرتهم السليمة بعيداً عن تعقيدات المنظرين والمحللين.

*إن الإنسان يسير إلى الله بقلبه لا ببدنه.. ويسير في الحياة وفي الدين أيضاً بهمته وعزيمته.. فلولا همة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأرتد العرب جميعاً.. ولولا همة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما ساد نصف الكرة الأرضية بالعدل والصدق.. وهو لا يملك أية أداة من أدوات الاتصال الحديثة.. ولولا همة خالد بن الوليد ما كانت اليرموك.. ولولا همة عمرو بن العاص ما عرف المصريون الإسلام.. ولولا همة عمر بن عبد العزيز ما أصبح خامس الخلفاء الراشدين.. ولولا همة الإمام أحمد بن حنبل ما نال لقب إمام أهل السنة والجماعة .

*وأعظم الناس من صلح قلبه وقويت عزيمته وهمته.. وأسوأ الناس من فسد قلبه وضعفت عزيمته .
*وقديماً قال العبقري الفذ عمر بن الخطاب: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز التقي.


الاسلام اليوم

أضف تعليق