عندما يدعو وزير خارجية دولة عظمى كل الصحف الأوروبية الى نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبى محمد (صلى الله عليه وسلم) اقتداء بالصحافة الدنماركية فان ذلك يعني ان ما كانت تروج له الكنيسة في العصور الوسطى، وتنأى بنفسها في هذا العصر عنه، من ضرب وتعد على الدين الآخر، أصبح اليوم في عهدة السياسيين اليمينيين في أغلب الدول الغربية.
لقد صرح الوزير الالمانى فولفغانغ شويبل لمجلة "دي تسايت" قائلا: في الواقع، على كل الصحف الأوروبية ان تنشر تلك الرسوم الكاريكاتورية مع هذا التوضيح: نعتبر انها تثير الشفقة، لكن اللجوء الى العنف ردا على ممارسة حرية الصحافة ليس مبررا.
ويبدو أن الدانمركيين لم ينتبهوا بعد الى خطورة الحادثة السيئة لنشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، منذ ثلاث سنوات وما أعقبها من ردود فعل صاخبة في العالم الاسلامى وهو الأمر الذي أثر على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الدانمارك ودول كثيرة من العالم الإسلامي.
وفي حلقة جديدة متصلة بالحادث أعادت سبع عشرة صحيفة دنماركية في منتصف شباط/ فبراير نشر رسم كاريكاتوري للنبي الأكرم تحت شعار حرية التعبير. وجرى هذا الأمر تضامنا مع صاحب الرسم الذي استهدفه اعتداء جرى احباطه، وفق ما ذكرت الشرطة.
ولم يفت الوزير الألماني التعبير عن "احترامه" لقرار الصحافة الدنماركية الذي يظهر ان الصحف رفضت "الانجرار الى الانقسام."!
وفي الحقيقة فان الاصرار الغربي على استمرار سلسلة الرسوم المهينة بايعاز من اطراف سياسية يمينية يعني الضرب بكل المبادرات السابقة بين دول غربية واسلامية لاحتواء التوترات بين العالم الإسلامي والمسيحي بعرض الحائط.
وتصريح وزير الخارجية الألماني يؤكد أن الحديث عن حوار مسيحي اسلامي انما هو مجرد خرافة؛ لأنها تتعارض في الواقع مع سياسة الأحزاب اليمينية في أوروبا التي ترفض خطط اندماج الجاليات الاسلامية، وتخشى من تنامي النفوذ الاسلامي في دولها.
في العصور الوسطى عندما دعت الكنيسة الشعوب الأوروبية الى خوض "الحرب المقدسة" في المشرق من اجل استرداد القدس وجدت تلك الدعوة تجاوبا قويا لدى الاباطرة والملوك. ورغم العداء المستحكم بين المؤسسة الدينية النافذة في تلك العصور والبلاطات الحاكمة فان التوافق المصلحي الديني والسياسي فرض على الطرفين القاء خلافاتهما خلف ظهريهما وقيادة الجحافل الى بيت المقدس.
اليوم تنأى الكنيسة بنفسها عن افكارها الظلامية في العصور الوسطى، وترفض الزج بالمسيحية في صراع أديان مع الاسلام.
ورغم الخلافات الواضحة أحيانا في فهم وتفسير النصوص المقدسة بين الديانتين فان الامر لم ينته الى صدام. ويمكن ان نفهم الحرص المستمر بين الطرفين لنسيان مخلفات الماضي الأليم ودفع الاندماج والتعايش السلمي بين أتباع الديانتين.
وفي الحقيقة فان تصور أي سيناريو للتصادم بين الديانتين الأكثر انتشارا في العالم سيكون بمثابة "حرب القيامة" على كوكب الأرض.
صحيح أن الساسة في الغرب يتجنبون اليوم الحديث عن الحروب الصليبية؛ لأن ذلك يثير جراحا قديمة في ذاكرة المسلمين، كما أن الخوض في تلك الحقبة التاريخية المؤلمة يتضارب مع دعوات التسامح ومد الجسور بين العالم الاسلامى والعالم المسيحي.
ولكن الأفكار الصليبية ما زالت موجودة بقوة في الفكر الغربي، لقد خرجت من رحاب الكنيسة فتلقفها اليمينيون المتشددون في هولندا وألمانيا والدنمارك وايطاليا وغيرها من الدول الأوروبية لتكون جواز عبورهم الى الحكومات والبرلمانات.
ومهما يكن الامر فان استمرار التحرش بالاسلام والمسلمين على الرغم من الادراك المسبق بالتداعيات الخطيرة لاحقا، قد يفهم في هذا السياق على أنه خط منظم.
وبالتالي فان على أوروبا أن تدرك جيدا ان الخلط بين السياسة والعقيدة تحت يافطة "حرية التعبير" تعتبر مغامرة عبثية قد تكون هي اول المهددين بنتائجها الوخيمة.
العرب اونلاين
أفكار صليبية!.. طارق القيزاني
