(ألا يحق لنا كبلد يرى ثروته تتقلص أن ندعو الى التفكير الجدي باستلام عوائدنا باليورو كما كنَّا نفعل قبل أن تهجم علينا أميركا؟)..
العراق بلد عليل، علَّته مزمنة، فاقم تلك العلة غزو همجي لم يبق على عضو من أعضاء البدن المبتلى سليماً معافى.
فالبلد كان مهشَّماً قبل تلك النازلة، وما عملته تلك النازلة يحتاج الى عقود لشفائه جراء ما لحقه من الأعداء والجيران والأبناء العائدين.
ورغم رصد أرقام لما يسمونها ميزانية عام 2008 لم ير البلد بضخامتها مثيلاً، إلا أن ذلك كله لا يعالج شيئاً البتة، فالقسم الأعظم من تلك المليارات الثمانية والأربعين من الدولار، ستذهب رواتب ومخصصات وحمايات ونفقات سفر وترفيه للمسؤولين، ناهيك عن المبالغ الهائلة التي تذهب الى متقاعدين لم تسجل أسماؤهم في دوواين الدولة الا لبضعة أشهر.
وهذا أغرب تقاعد شهدناه على مدى تاريخ العراق الحديث، واغلب ما تبقى سيلتهمه الفساد الذي رفع مستوانا الى التسلسل الثالث في قائمة أفسد ما على الكوكب من دول.
بالمقابل، فإن نظراءنا ممَّن منَّ الله تعالى عليهم ببعض مما منَّ علينا من نفط أغرقوا العالم بالاستثمارات ـ اللهم لا حسد ـ وما عادوا يفضلون السكن كبقية الناس، وإنما يريدون أن يسكنوا في قمم أبراج تلامس الغيوم العالية طوابقها السفلى، أما العليا فكأنما أريد لمن يسكنها أن يسترق السمع.. والعياذ بالله العلي العظيم.
وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، صَدَّرَ العراق قرابة 60 مليون برميل نفط، عادت عليه بما يزيد على خمسة مليارات دولار، وفي فبراير/ شباط الجاري ارتفع سعر البرميل الى رقم لم يبلغه في تاريخه مذ عرفه الناس، فصار سعره 102 دولار للبرميل، ولا شكَّ في أن عائداتنا من ذلك ستربو على ستة مليارات دولار.
الدولار عليل كما العراق، وإنَّ بقاءنا نستلم عائداتنا به يعني استمرار خسائرنا كلما هوى الورق الأخضر نحو الهاوية التي يساعد على انحداره صوبها جنون بوش ورعونة طاقمه.
ذلك الانحدار لا يضر أميركا شيئا، فسبق لخبير مالي أميركي كبير أن خاطب الماليين العالميين قائلا "الدولار عملتنا، ولكنه مشكلتكم"، لا بل إن أميركا قد تستفيد من ذلك الانخفاض جراء ارتفاع غير عادي في نسبة صادراتها وما تنعش من صناعتها وتستقطب من عاطلين وتحقق من ضرائب، ناهيك عن قلة تكاليف ما تستورد من مستلزمات.
إذن فالدولار بتماديه في الانحدار والتهاوي صار مشكلة لنا نحن البلد الذي لا يعلم موعداً لتعافيه الا الله تعالى، إن كانت ثمة عافية تنتظره.
فنحن نتقاضى عوائدنا بدولار يفقد من قيمته وقدرته الشرائية بالتدريج، وهناك دول أبدلت تعاملها بهذه العملة المتهاوية، ودول أخرى تفكر جدياً في ذلك وتُعِدّ من أجل تنفيذه الخطط وتجري لذلك ما يلزم.
ألا يحق لنا كبلد نرى ثروتنا تتقلص وعوائدنا تتراجع أن ندعو الى التفكير الجدي باستلام عوائدنا باليورو مثلاً، كما كنا نفعل قبل أن تهجم علينا أميركا بقضها وقضيضها؟ أم ان من يقول ذلك يعد ممن اعلنوا العداء للحرية الجديدة والديمقراطية والفدرالية والافلاسية والفسادية...الخ من مصطلحات طارئة لم تقدم لنا غير مزيد من العلل؟!.
ميدل ايست اونلاين
حين يقود دولار أعمى عراقاً أعور.. حسن عبيد عيسى
