تدلّ كلّ المؤشرات على أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين شهدت في السنين الماضية تراجعًا غير مسبوق الأمر الذي جعل كثيرًا من قادة الصهاينة ونخبهم المثقفة يتساءلون عن مصير كيانهم، ويبدون مستوًى أقلّ من الثقة تجاه مستقبل \"إسرائيل\".
فحسب معطيات مكتب الإحصاء المركزي "الإسرائيلي" سجلت معدلات الهجرة اليهودية إلى "إسرائيل" خلال العام 2007 أقل مستوياتها منذ أكثر من 20 عامًا.
وتشير المعطيات إلى أنه خلال العام المنصرم وصل إلى "إسرائيل" حوالي 18129 مهاجرًا يهوديًا، أي بانخفاض يصل إلى 6% مقارنة بعدد المهاجرين الذين وصلوا "إسرائيل" في العام 2006، وهذا العدد أقل من 10% من عدد المهاجرين الذين وصلوا "إسرائيل" في العام 1991، وهو العام الذي شهد الذروة في عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى "إسرائيل".
في الوقت نفسه يؤكد المكتب أن عدد اليهود الذين غادروا "إسرائيل" للإقامة في البلدان التي هاجروا منها أو للبحث عن فرص عمل في دول أخرى يبلغ حوالي 20 ألف شخص، أي أن الهجرة العكسية لليهود من "إسرائيل" تتفوق على الهجرة إليها.
ومن الأهمية الإشارة هنا إلى أنه حسب المعطيات الحكومية "الإسرائيلية" فإن أكثر من 700 ألف "إسرائيلي" غادروا "إسرائيل"، ويرفضون العودة إليها.
ليس هذا فحسب، بل إنه تبين من نتائج بحث أجري لصالح وزارة الاستيعاب الصهيونية أن 70% من أبناء "الإسرائيليين" في الخارج لا يبدون أي قدر من التعاطف مع "إسرائيل"، ويرفضون التواصل مع أبناء الجاليات اليهودية في المناطق التي يوجدون فيها.
وما يقلّص هامش المناورة أمام صنع القرار في "إسرائيل" هو حقيقة أن هناك إحساسًا عامًا لدى القائمين على المؤسسات الصهيونية التي تعنى بتهجير اليهود إلى فلسطين بأن "إسرائيل" لم تَعُد مكانًا يُغْري اليهود بالهجرة لدرجة أن الوكالة اليهودية، أهم وأكبر مؤسسة صهيونية تعنى بقضية الهجرة، أصدرت تعليمات جديدة لممثليها في دول العالم تدعوهم للتوقف عن محاولة إقناع اليهود هناك بالهجرة لـ"إسرائيل" والاكتفاء بتعزيز ارتباط الجاليات اليهودية هناك بـ"إسرائيل".
وقال زئيف بيالسكي رئيس الوكالة اليهودية أمام مؤتمر عقد مؤخرًا لرؤساء بعثات الوكالة اليهودية في كييف عاصمة أوكرانيا، بالحرف الواحد: يجب التسليم بأنه أصبح من الصعوبة علينا العمل على إقناع اليهود بالهجرة إلى "إسرائيل" مقارنة مع أزمان ماضية، لذا علينا أن نستبدل هذا الجهد بالعمل على تعزيز العلاقات بين الجاليات اليهودية وبين "إسرائيل".
في "إسرائيل" يربطون بشكل واضح بين تدني مستويات الهجرة وبين تردي الأوضاع الأمنية في "إسرائيل" جراء تواصل عمليات المقاومة التي تؤثر سلبًا على أوضاع المهاجرين الاقتصادية لدرجة جعلت الكثير من اليهود يصلون إلى قناعة مفادها أن البقاء في البلدان التي يوجدون فيها أفضل من المغامرة بالهجرة إلى مكان غير آمن.
وقد ساهم تحسن الأوضاع الاقتصادية في روسيا والدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفيتي بإقناع أغلبية اليهود هناك بإسدال السِّتار على فكرة الهجرة لـ"إسرائيل".
وما زاد الأمور تعقيدًا أمام دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني هو حقيقة أن معظم المهاجرين الذين يصلون إلى "إسرائيل" في الآونة لا يساهمون في زيادة الثقل الديموغرافي لليهود؛ لأن المؤسسة الدينية الرسمية ترفض اعتبار هؤلاء وأطفالهم يهودا.
فمثلاً حسب معطيات وزارة الاستيعاب الصهيونية تبين أن 80% من أطفال المهاجرين الجدد في "إسرائيل" لا تعتبرهم المؤسسة الدينية الرسمية يهودا؛ لأن أمهاتهم غير يهوديات، مع أنهم ولدوا لآباء يهود. وحسب هذه المعطيات فإن 320 ألف من المهاجرين الذين وصلوا خلال العقد الأخير هم من غير اليهود.
هذا الواقع البائس أجبر رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت على إصدار خطة لتهويد هؤلاء المهاجرين وتحويلهم للديانة اليهودية، وتهدف الخطة إلى تهويد 300 ألف مهاجر غير يهودي في غضون خمس سنوات، وذلك من ضمان بقاء التفوق الديموغرافي لليهود على الفلسطينيين.
لكن خطة أولمرت هذه جوبهت بمشكلتين، فمن ناحية ترفض المؤسسة الدينية الرسمية التساهل في الشروط التي تضعها لقبول هؤلاء في الدين اليهودي، وتحديدًا إلزامهم باستيعاب قدر كبير من التعاليم الدينية واختبارهم فيها من خلال التحاقهم بالمدارس الدينية.
ومن ناحية ثانية فإن معظم المهاجرين من غير اليهود غير معنيين بالتحول للديانة اليهودية؛ لأنهم غير مستعدين لإضاعة وقتهم في استيعاب تعاليم اليهودية، كما دلّ أكثر من استطلاع للرأي العام أجري في أوساطهم.
لقد ساهم تدني معدلات الهجرة وتعاظم معدلات الهجرة العكسية في تقليص الفجوة في الميزان الديموغرافي بين الفلسطينيين واليهود في أرض فلسطين لدرجة أنه يستشف من المعطيات التي قدمها كل من مركز الإحصاء الفلسطيني ومكتب الإحصاء "الإسرائيلي" قبل أسبوعين أن الفلسطينيين سيتفوقون على اليهود في غضون عامين من الآن.
لا خلاف على مساهمة الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين في نجاح المشروع الصهيوني الاحتلالي في فلسطين، فالهجرة اليهودية ساهمت في توفير احتياطي من القوى البشرية المؤهلة والمميزة التي ساهمت في استيطان الأرض الفلسطينية والعربية التي احتلت والنهوض بمشاريع اقتصادية ضمنت تحقيق موارد هائلة للكيان الغاصب، في الوقت نفسه زودت هذه الهجرة في المكانة الحربية بالجنود لحسم المعارك مع العرب والتي ساهمت بدورها في زيادة الرقعة التي ينتشر عليها هذا الكيان.
إن انخفاض معدلات الهجرة يدللّ على تصدع المشروع الصهيوني، وفي الوقت نفسه يشي بالدور الذي لعبته وتلعبه المقاومة الفلسطينية في هزّ الأسس التي أقيم عليها هذا الكيان الغاصب، ويدلّل بشكل واضح على أنه لولا هذه المقاومة لما زهد اليهود بالهجرة إلى فلسطين، كما أن المعطيات آنفة الذكر تدلّل على هشاشة الرابط المزعوم بين اليهود وأرض فلسطين.
ففي الوقت الذي يتشبث فيه الفلسطينيون بأرضهم رغم كل ما يواجهونه من قمع وسادية، فإن الصهاينة يفرّون رغم أن معدل دخل الفرد في "إسرائيل" يزيد بثلاثين ضعفا على معدل دخل الفلسطيني.
الاسلام اليوم
تدني الهجرة إلى (إسرائيل).. دلالات وتداعيات.. صالح النعامي
