تمرّ الأمة العربية هذه الفترة بمرحلة صعبة، بدت ملامحها في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في أربعة ملفات كبرى هي لبنان والعراق وفلسطين والقمة العربية المنتظرة في دمشق..
فما هي مظاهر هذا العجز العربي؟ وما هي أسبابه؟ وما هي تداعياته على المشهد السياسي العربي بصفة عامة؟ وهل هناك حلول ملموسة وعملية في الأفق القريب لتجاوز هذا الجمود والعجز، وإحداث حركية ضرورية على الأقل لاستنهاض المقومات العربية والاستجابة لطموحات الشعوب؟
إن المتتبع للساحة العربية اليوم يلاحظ حالة الركود العام الذي يتسم به الموقف العربي، ويدرك ذلك العجز العميق الذي ينخر المؤسسة العربية والفكر العربي بصفة عامة.. فهناك عجز وفشل في القدرة على التوسط لإيجاد الحلول التوفيقية بين المجموعات المتخاصمة والمتنافسة في كل من لبنان وفلسطين والعراق...
فكل التدخلات التي قام بها الأمين العام لجامعة الدول العربية لم تثمر، وكل الوساطات التي تحاول أن تجريها بعض القيادات العربية بين الفصائل والطوائف والأحزاب هي الأخرى لم تنجح، وكل الجهود العربية أثبتت أنها غير قادرة على المشاركة ولو بقسط ضئيل في إيجاد الحراك السياسي القادر على إعطاء نفس جديد للموقف العربي في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمرّ بها..
لقد فشل المجهود العربي في لبنان من أجل إيجاد صيغة توفيقية لانتخاب رئيس الجمهورية، وفشل أيضا في العراق لتقريب وجهات النظر بين المجموعات المتنافسة، وفشل في فلسطين للتوسط بين الحركتين المتنافستين حماس من جهة وفتح من جهة أخرى، وفشلت المجهودات العربية حتى في التوصل إلى صيغة نهائية للمّ الشمل العربي في الموعد التقليدي لاجتماعات القمة العربية المنتظرة في دمشق..
أما الأسباب فتكاد تكون واحدة وهي عدم قدرة المنظومة الرسمية العربية في مثل هذه الظروف على تبليغ صوتها إلى الدوائر المسؤولة عن القرارات النهائية والحاسمة في كل المواضع التي تتدخل فيها..
فهناك عدم تجاوب في لبنان، وسببه عدم القدرة على إقناع الأطراف المتنافسة لتقديم التنازلات المطلوبة لتجاوز حالة التأزم أو ما يمكن تشبيهه بحالة عنق الزجاجة، وهناك تأزم في العراق بسبب الغياب الكلي تقريبا للجامعة العربية في المنظومة العراقية المتشعبة والمعقدة بحكم وجود قوات "التحالف" والدور المطلق الذي تلعبه هناك..
أما في فلسطين فإن التعقيدات سببها قوات الاحتلال "الإسرائيلي" وما تقوم به من اعتداءات متكررة على الشعب وعلى مقوماته مما جعل أية خطوة تقوم بها سواء الجامعة العربية - وهي قليلة ونادرة نظرا لطبيعة القضية أو جهات عربية أخرى وفي مقدمتها مصر - عادة ما تكون غير مضمونة النتائج.
لم يقدر العرب حتى على لم بعضهم شمل البعض كما تدل على ذلك التحضيرات الجارية لعقد القمة المنتظرة في العاصمة السورية..
العديد من المتابعين للأوضاع العربية يعتبرون أن هذه الصعوبات التي ترافق التحضيرات تعكس صعوبات في الرؤى السياسية للعديد من القضايا المطروحة سواء على جدول أعمال القمة المنتظرة أو في المقاربات التي يتم من خلالها معالجة قضايا الخلاف القائمة بين الأطراف المتنافسة في كل من لبنان وفلسطين والعراق...
إن الأوضاع المتأزمة في الظاهر العربي تعكس أفكارا متأزمة في المنظومة الفكرية العربية اليوم.. وهي حالة خطيرة إذا استمرت تداعياتها في الساحة العربية وانعكست على الشعوب العربية التي سوف تصاب بالإحباط واليأس من جراء تواصل هذا العجز وهذا الفشل وهذه السلبية في الوضع العربي.
سلبية الوضع العربي.. سليم الكراي
