هيئة علماء المسلمين في العراق

كيف لطخ أطباء أميركا شرف المهنة في أبوغريب؟
كيف لطخ أطباء أميركا شرف المهنة في أبوغريب؟ كيف لطخ أطباء أميركا شرف المهنة في أبوغريب؟

كيف لطخ أطباء أميركا شرف المهنة في أبوغريب؟

كيف لطخ أطباء أميركا شرف المهنة في أبوغريب؟ يحاول القادة السياسيون أن يتلمسوا الأعذار تبريرا لارتكاب ضباطهم وجنودهم جرائم حرب، وفي مقدمة تلك التبريرات أن هؤلاء الضباط والجنود فعلوا فعالهم المشينة تلك بسبب الضغوط النفسية والبدنية التي يرزحون تحتها والتي لا يستطيع الإنسان العادي تحملها أو أنهم فعلوها دفاعا عن النفس.

وهم في ساحة الخطر وخصوصا في المدن المحتلة حيث يتعذر التمييز بين العدو والصديق،ما يبرر بنظر هؤلاء قيام الجنود بارتكاب جرائم قتل المدنيين وتدمير ممتلكاتهم، وهناك أعذار تخص جرائم الاغتصاب والتعذيب وغير ذلك، ولعل الإدارة الأميركية من خلال تهاونها تجاه جرائم جنودها صارت مدرسة في خلق التبريرات والأعذار.

وقد يقبل البعض بتلك التبريرات السادية مجاملة أو تحت ضغوط سياسية واقتصادية، سواء عن قناعة مؤدلجة أو على مضض.

إلا أن ما لا يمكن فهم دواعيه والقبول بتبريره هو ضلوع الطبيب الذي نذر نفسه لخدمة الإنسانية وإشاعة الرحمة تجاه المرضى، بصرف النظر عن كون المريض عدواً أو صديقاً، في جرائم حرب ناسيا قسم "أبقراط" الذي ألزم ذلك الطبيب منذ خمسة وعشرين قرنا بأن يحمي المرضى من الأذى والظلم.

ففي كتاب "خيانة القسم: التعذيب والتواطؤ الطبي والحرب على الإرهاب" قصة الطب الراتع في مستنقع الجريمة والإثم خيانة لقسم أبقراط فلقد جرى في سجن "أبوغريب" سيئ الصيت والسمعة من البشاعات مالا يخطر على بال ولا يصدقه عقل، قام به جنود بمساعدة أو مشاركة أو تواطؤ الطاقم الطبي العسكري الاميركي،ومثل ذلك تم في السجون الأخرى في العراق وأفغانستان وغوانتانامو.

وهذا الكتاب الذي ألفه الدكتور ستيفن هـ. مايلز وترجمته فائزة المنجد عن الانكليزية، والذي وقعت بيدنا نسخة من الطبعة العربية التي أصدرتها الدار العربية للعلوم والذي هو جهد بحثي رائع يضع بين يدي الباحث والمثقف كل ما يخدش الضمير والحياء ويبين حجم الكراهية والعدوانية التي مارسها الامريكيون بحق العراقيين الاسرى في ذلك السجن الى درجة أن عناصر الطبابة كانوا عونا في اجتراح تلك البشاعات.

يتصدر الكتاب الضام بين دفتيه مائتين وخمس وخمسين صفحة نص قسم أبقراط، وربما وضعه المؤلف في الصفحة الأولى لإطلاع القارئ على الحال التي يجب أن يكون عليها الطبيب من رحمة وإنسانية، فهو أقسم من بين أمور على "أن يحمي المرضى من الأذى والظلم" وبلا شك فإن الأطباء العسكريين الاميركيين لم يشذوا عن أداء ذلك القسم، ولكن هل حافظوا عليه وعملوا وفق اشتراطاته والتزاماته؟

يستهل المؤلف تقديمه بسؤال: أين كان الأطباء والممرضات في سجن أبو غريب؟

ثم يُذَكّر القارئ بالصدمة المهولة التي صُدم بها المجتمع البشري في نهاية مايو/ايار 2004 وهو يطلع على الدفعة الأولى من صور الانتهاكات الأميركية للكرامة الإنسانية العراقية في زنزانات ذلك السجن الرهيب، ويجيب: إنهم كانوا موجودين في السجون العسكرية.

ولعل أكثر ما يثير تقزز المؤلف هو أن التعذيب المذكور لم يكن عابرا، وانه غير مقتصر على مكان محدد وزمان معين بل مورس طيلة سنين على طول أرخبيل من السجون الأميركية على امتداد الفسحة الجغرافية من غوانتانامو الى العراق فأفغانستان، فهل كانت تلك المساحة الشاسعة والسقف الزمني العالي نمت بسبب صمت الأطباء والممرضات الامركيين؟

مؤلف الكتاب ليس طارئا أو متطفلا على الموضوع، فهو طبيب أولا وصاحب جهود عالمية سابقة لها صيتها في مجال فضح ممارسات الأطباء التعذيبية أو تواطئهم مع مجترحي التعذيب وذلك من خلال نشره أدلة دامغة على ذلك الدور المشين في واحدة من أرقى المجلات الطبية العالمية (مجلةلانسيت في آب/أغسطس 2004).

ولا عجب أن يقوم مركز الأخلاقيات الحيوية في جامعة مينوسيتا بتقديم منحة له لتأليف الكتاب الذي بين أيدينا، فمقالته تلك عُدّت وثيقة مهنية نوقشت في منظمات صحية وإنسانية عالمية لها مكانتها الكبيرة وصيتها العالي، ومنها منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي وهيومن رايتس ووتش وأطباء من أجل حقوق الانسان،وتلقفها البنتاغون فعممها على وحداته الطبية العاملة في العراق.

يُعد الكتاب صرخة إنسانية واعية ومعبرة أطلقها رجل متخصص مفعم بالإنسانية، ولكي يجعل كتابه هذا وثيقة في مجال الاختصاص فإن المؤلف اعتمد على وثائق ذات خصوصية منها محاضر التحقيقات الجنائية للجيش الأميركي وملاحظات مكتب التحقيقات الفدرالي (اف بي آي)حول استجواب السجناء وتقارير تشريح الجثث وغيرها.


وعلى العموم فهو ليس كتابا عن السلوك الأخلاقي في ساحات القتال كما يقول مؤلفه، وإنما هو يتناول طريقة معاملة أولئك الذين جُردوا من أسلحتهم وسجنوا. وكان من بين وسائل شد القارئ وتشويقه أنه يفتتح كل فصل برواية عن أحد الأسرى الذين ساقتهم وطنيتهم أو حظهم العاثر إلى زنزانات الإجرام الاميركي.



الفصل الأول: التعذيب

يبدأ الفصل الأول الذي هو واحد من ثمانية فصول تضمنها الكتاب إضافة الى مقدمة وافية وقائمة بسعة خمس وخمسين صفحة من المصادر والإحالات، بقصة السجين العراقي أمين سعيد الشيخ الذي عُذب في سجن أبو غريب بفضاعة شديدة لإجباره على الارتداد عن الإسلام.

خضع هذا الأسير لتعذيب هائل من قبل تشارلز غرينر (الذي كرهناه منذ شاهدنا صوره مع عشيقته السجانة المجرمة). هشم جرينر ساقي أسيره الصلب بهراوة وخلع كتفه ثم علقه مدة طويلة.

وعندما جاء دور الأطباء فإنهم لم يقوموا بأكثر من فحصه دون أن يشعروا بأنهم ملزمين بتأثير القسم الذي أدوه على الأقل لحمايته وإيقاف جرائم غرينر ضده.

يهتم المؤلف في هذا الفصل بمصطلح التعذيب ويرجع إلى أصوله وجذوره في اللغات اللاتينية والفرنسية والانكليزية مظهرا قسطا وافرا من الخزين المعرفي في مجالات التاريخ والأدب ليتوصل إلى أن معنى الكلمة مغرق في القدم، إذ يقرر على أن أصل مفردة تعذيب جاء من اللغة اللاتينية والذي هو معنى "الفتل"أو اللي (تويست) فالإنسان عندما يُعذب يتلوى ويتفتل من الألم، ثم يعرج على اللغة الفرنسية فيجد أنها أدخلت مفردة التعذيب بالمعنى الذي نفهمه عندما كانت الحكومة الفرنسية والكنيسة في القرن التاسع تمارسانه بهدف انتزاع الاعترافات.

بينما رأى أن وليم شكسبير كان سباقا في توظيف مفردة "التعذيب" (تورتيور) في مسرحية هنري السادس "ياللأسف يا سيدي، أنا لست قادرا على التحمل. سوف تعذبني بلا جدوى".

ثم ينطلق المؤلف إلى التعريفات الحديثة للتعذيب، ومنها تعريف الأمم المتحدة ومعاهدة جنيف وغيرهما.

ويعترف المؤلف الاميركي عندما يناقش "التعذيب في الثقافة الأميركية" أن صور التعذيب تسحر الاميركيين ما يدفعهم إلى متابعة التعذيب الخيالي سواء في الأفلام السينمائية أو ألعاب الفيديو وغيرها، فلا عجب أن تجد عناصر الطبابة في سجن أبو غريب يتركون واجبهم ليطلبوا من زملائهم أن يصوروهم وهم يوجهون فوهات بنادق نحو رؤوس ضحايا التعذيب.

ويتدرج المؤلف في طرحه المؤثر ونتابعه لنجد أن وزير الدفاع الأميركي الأسبق جيمس شلزنغر الذي ساهم في التحقيق بفضيحة أبو غريب يرى أن هناك من "ليس عنده بديل إنساني سوى الحصول على المعلومات لكي ينقذ الأرواح" ثم يروي الوزير حكاية يعدها المؤلف ناقصة ومضللة ومخادعة مما يعني أنه حتى المسؤولون الكبار في الإدارات الأميركية المتعاقبة هم مع هذه الجرائم.

يُضَمِّن المؤلف هذا الفصل جدولا يحوي اثنين وثلاثين نوعا من الألم الذي تسببه طرائق التعذيب المختلفة وما هو الحرمان الذي ينتج عن كل نوع وماذا يهدف كل منها، فنجد أن من بينها "إذلال السجين،جعله يتبول على نفسه.. جعله يستمني.. يرتد عن دينه".


الفصل الثاني: الطب والتعذيب

لا يغادر المؤلف نزوعه نحو التاريخ فيؤكد أن الشراكة المهنية بين المعالجين والمعذبين دامت خمسمائة سنة على الأقل.

فخلال عصر النهضة كان للأطباء دور قانوني في التعذيب الاستجوابي، فالقانون الجنائي الألماني الأول لعام 1532 يطلب شهادة طبيب بأن الشخص غير قادر على الإدلاء بإفادته بسبب العمى أو الصمم وبأنه تمكن من البقاء على قيد الحياة برغم إجراء التعذيب المخطط له. وبعد تأكيد الحمل، كانت القابلات تمنح استثناءً مؤقتا من التعذيب للنساء.

يأتي المؤلف بمفارقة طريفة وحلوة حصلت مع الهيجان الفرنسي المرافق للثورة. ففي عام 1789 ألقى الطبيب والمشرع الدكتور جوزف إناس جيلوتين خطابا مشهورا أمام الهيئة التشريعية للثورة الفرنسية يؤيد فيه القانون المضاد للتعذيب ويقترح إصلاحات جزائية أخرى أقل قسوة ما يخفف ألم تنفيذ حكم الإعدام مع إنه لم يخترع أية آلة لقطع الرؤوس.

وعلى هذا الأساس فقد صمم الجراح الدكتور أنطوان لويس قاطعة الرأس الفرنسية "المقصلة" وسميت تلك الآلة باسم مخترعها "لويزيت"أو "لويزون" ولكن حالما صار يطلق عليها اسم أكثر لطفا هو أسم الدكتور "جيلوتين". وبعد أن مات بالقرحة، عمل ورثته على تغيير اسم الآلة القاتلة ليبعدوا عن أنفسهم وصمة العار.

ثم يستحضر الإشراك النازي للأطباء في التعذيب وتهميش المعارضة الطبية لذلك التسخير. لقد اخترع الأطباء وعلماء النفس تقنيات تعذيبية يستخدمها القائمون بالتعذيب إضافة إلى تزوير التقارير الطبية وشهادات الوفاة.

لذا فإنه وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، بدأ المجتمع الدولي والجمعيات الطبية بتطوير معايير أخلاقية للأطباء المسؤولين عن صحة السجناء وذلك عام 1948 ثم تبنت نقابة الأطباء العالمية وهي مجلس من النقابات الطبية القومية إعلان جنيف ليكون خاصا بها وأوجدت قَسَماً خاصاً بها يقسم الطبيب على أن "لن أستخدم معلوماتي الطبية بما يتعارض وقوانين الإنسانية" في حين قرر مؤتمر العدل الدولي عام 1973 أنه "يجب على أفراد الطاقم الطبي والمساعد أن يرفضوا كشف مهاراتهم الطبية أو البحثية بأي طريقة لغرض التعذيب أو الاستجواب أو المعاقبات ويجب أن لا يشاركوا في تدريب الآخرين لمثل ذلك الغرض".

وإذا ما ترفع الطب عن هذه الجرائم وفق الحشد الهائل من المعلومات التي أوردها المؤلف، فإن "التواطؤ الفاعل والمنفعل للملاك الطبي العسكري الأميركي في سوء معاملة وإهمال السجناء في العراق وأفغانستان وخليج غوانتانامو جدد شراكة المعذبين والمعالجين، الأمر الذي لطخ شرف الطب العسكري الأميركي".

عموما، فإن الأطباء وعلماء النفس من طاقم التعذيب يساعدون العناصر القائمة بالتعذيب بست طرق: بعضهم يفحص السجناء ليوثق أنهم قادرون على تحمل الاستجواب المؤلم والبعض يراقب ويعالج السجناء خلال الاستجواب لضمان مواصلة المعاملة المسيئة للصحة وبعضهم يخفي أدلة سوء المعاملة إما باقتراح تقنيات لا تسبب الندب أو بالتأكيد على أن الملفات أو شهادات الوفاة لا تحتوي على أية إصابات، وبعضهم يجري أبحاثا مسيئة وآخرون يشرفون على الإهمال المنهجي لحاجات السجناء من العناية الصحية والنظافة والطعام والملجأ. ومنهم من يلتزم الصمت خلال إساءة معاملة مرضاهم في السجون.


الفصل الثالث: الاستجواب

ركز المؤلف في هذا الفصل على قصة الأسير العراقي مناضل الجمادي الذي القي القبض عليه في منزله قرب بغداد ونقل بأسلوب مذل ومهين إلى زنازين التعذيب في أبو غريب.

وبسبب التعذيب الفاحش، قرر الطبيب العراقي حسين ماجد المتعاون مع وكالة المخابرات المركزية بعد أن فحصه، أن الأسير مات.

كان الغضب عارما بين عناصر المخابرات لأن الرجل مات بين أيديهم من دون أن يدلي بشيء.. حشروا الجثة في كيس مع كمية كبيرة من الثلج وبقيت كذلك طيلة 24 ساعة ثم جاءت المجندة صابرينا (أذكر القارئ هنا أنها التي شاهدناها في صور التعذيب وتقززنا من ساديتها وهي الآن مسجونة) فوقفت بإزاء الكيس المحشورة فيه الجثة مع الثلج الذائب ليصورها زملاؤها للذكرى.

ساهم الطاقم الطبي بإخفاء القتل وأخرجوا الجثة على نقالة مرضى ليوهموا الأسرى العراقيين بأن زميلهم مريضاً وأنهم أخذوه للعلاج وبذا تحاشوا غضب الأسرى.

تماهى كبير الأطباء مع القتلة فتم تزوير طريقة ووقت الوفاة فصار سبب الوفاة رسميا هو تعرضه إلى نوبة قلبية.

ولم يقف التزوير الطبي عند هذا الحد، فقد ساعد معهد القوات المسلحة الأميركية للتشريح بإخفاء الجريمة، وبعد خمسة أيام من الوفاة شرحت الجثة فتبين أن السبب الحقيقي للوفاة هو الأذى الناجم عن ضرب عنيف تلته مضاعفات أدت لإصابة الجهاز التنفسي لم تكشفه الجثة ولا شهادة الوفاة للصليب الأحمر.

وعلى الرغم من أن الضحية أُخذ من بيته وعلى مرأى من أفراد عائلته، إلا أن الأميركيين سلموا جثته إلى مشرحة بغداد وظلت هناك ستة أشهر ثم نقلت إلى النجف لتدفن في وادي السلام كجثة مجهولة الهوية.

بُرِئَت ساحة القائد المشرف على الجريمة وعوقب ثمانية جنود بالتأنيب لإساءتهم في معاملة الأسرى.

في هذا الفصل نطلع على أن سياسة رامسفيلد وتوجيهاته الخاصة بالإشراف الطبي على الاستجواب القاسي تشمل: الحرمان من الغذاء (يتم مراقبته من قبل طبيب) ويجب أن تتم معالجة المعتقلين الجرحى أو المرهقين طبيا من قبل طاقم طبي قبل الاستجواب.

ما حصل فعلا أن 15%-50% تم فحصهم قبل الاستجواب وأقل من 15% تم فحصهم بعد الاستجواب، ومع ذلك فإن ذلك الفحص لم يكن لصالح السجين ولكن على العكس فما يراد منه هو تنفيذ عقوبات كحرمان من النوم والعزلة والتلاعب بالحمية الغذائية والتهديد وما إلى ذلك.

هنا العديد من أوامر رامسفيلد المباشرة بخصوص الكادر الطبي: فهو ألغى حق السجين في عرض نفسه على طبيب من أجل الفحوصات. ولم لا؟ فهم يعاملون الأسرى بمعزل عن اتفاقيات جنيف.

نفذت تلك السياسة، فوُجد سجناء حُرموا من العرض على طبيب ومن بينهم سجين في سجن تكريت أصيب بأذى نتيجة التعذيب الذي تعرض له خلال الاستجواب.



الفصل الرابع: القتل

القي القبض على دلاور الشاب الأفغاني.. تفنن المحققون في تعذيبه.. كانوا يستمتعون بهشيم ساقيه بالهراوات وهو يصيح "الله..الله". رأوا في عملهم وصياحه متعة.. ألقوا به في زنزانته فمات وبعد ذلك ثبت أن إلقاء القبض عليه كان خطأ وأنه بريء.. تبين أن ثلاث شهادات وفاة كانت قد نظمت لدلاور هذا: أحدها تقول انه مات بسبب إصابات قاتلة والأخرى تقول انه مات لأسباب طبيعية (ورد ذلك في تقرير البنتاغون) والثالثة تقول ان الوفاة ناجمة عن مرض قلبي.

احتوى هذا الفصل على صورتين لشهادتي وفاة مختلفتين لدلاور وقد وضع المؤلف ملاحظاته على حقول محددة في كل منهما ليبين حجم التزوير والتلاعب الطبي بحياة البشر، وفي صورة أخرى لشهادة وفاة صادرة عن طبابة عسكرية أميركية بين المؤلف تعمد إهمال إملاء العديد من حقول شهادات الوفاة ومنها: عدم ذكر رقم السجين وإهمال تاريخ الميلاد وعدم الإشارة إلى أسماء الأقارب وغياب نتائج تشريح الجثة وعدم ذكر ظروف الوفاة مع تأخير متعمد في تنظيم الشهادة وعدم الإشارة إلى مكان الوفاة.

وثمة صورة تضمنت عددا من تواقيع الرائد مايكل سميث على خمس شهادات لعراقيين مغدورين ثم قام المؤلف بتحليل كل من تلك التواقيع وإنها وضعت في نفس الوقت على الرغم من اختلاف تواريخ الوفاة وفي إحداها وقع ذلك الطبيب نيابة عن القائم بالتشريح، ومخالفات أخرى عديدة.

من هي الجهة المسؤولة عن تقرير الحقائق بشأن وفيات الأسرى؟ إنها معهد القوات المسلحة الأميركي للتشريح كما يتساءل المؤلف ويجيب، ولكن كيف كانت الأمور تجري في المكتب المخصص للتحقيق في وفيات الأسرى فعلا؟

يقول المؤلف "لم يكن هذا المكتب مجهزا بطريقة ملائمة للتحقيق في موت السجناء الذين ربما توفوا جراء التعذيب، فقد كانت خبرة أطباء التشريح فيه قليلة عن التشريح الشرعي. لم يعرف بأن لديهم خبرة خاصة في التحقيق أو كتابة الوثائق عن إصابات الأشخاص الذين توفوا نتيجة التعذيب".

وختم المؤلف هذا الفصل بجدولين متخمين بالمعلومات المؤلمة عن حالات السجناء: الجدول الأول تضمن قصص وفاة ثمانية سجناء أفغان، والثاني سرد قصص وفاة أحد عشر سجينا عراقيا نختار قصة السجين الحادي عشر وهو "فشاد محمد" الذي فارق الحياة في الخامس من نيسان/ابريل 2004 في سجن قوات المغاوير الأميركية.

تعرض فشاد "للضرب من قبل الفريق السابع لقوات المغاوير ثم استجوب وسمح له بالنوم ولكنه لم يصح. أجري تشريح الجثة وصدرت شهادة الوفاة من قبل الدكتورة إليزابيث روز. وقعت على الشهادة ذاكرة بأن النتائج (لاحقا) وذلك في السادس والعشرين من نيسان/ابريل 2004 وحتى الأول من نيسان 2005 بقي سبب الوفاة غير محدد. وُجِدَ العديد من الإصابات والكدمات والخدوش على الجثة. في الرابع عشر من أيار/مايو 2005 وقعت الدكتورة روز النسخة النهائية من شهادة الوفاة دون أية مراجعات إضافية".


الفصل الخامس: الإهمال

هل تتذكرون الصورة التي تبدو فيها المجندة الأميركية ليندي إنغلاند تسحب حبلا ربط في نهايته أسير يبدو ممدداً على الأرض؟ في الحقيقة إن هذا ليس حبلا كما يبين المؤلف وإنما هو رسن من الذي تربط به الحيوانات.

والأسير لم يكن له إسم محدد لسبب بسيط فهو مريض عقليا لذا أطلقوا عليه اسم "جهاد جيري"أو "غوس" ومع الخبال الذي كان يركبه فقد كان الجنود الأميركيون يتفننون في إذلاله.

كان الرائد ديفيد أوش الحائز على دكتوراه في الطب قائد الوحدة الطبية في أبو غريب قد سمح للجنود باستخدام قيد حول بطن هذا السجين المصاب بالذهان والذي تغوط وآذى نفسه. ليس لدى الطبيب أوش خبرة عن كيفية استخدام أدوية الأمراض العقلية.

يقول أحد أفراد الطاقم الطبي عن ذلك المسكين أنه "غالبا ما يكون مقيدا ويُحقن أحيانا بالسوائل الوريدية عند رفضه للشرب". كانت تلك القصة المحزنة هي بداية هذا الفصل الذي يعصر القلب ويستمطر الدموع.

فمن الإهمال الطبي الملموس ما دونه الفريق بول ميكولاشيك، المفتش العام للجيش عندما زار سجون العراق وأفغانستان في أواسط عام 2004 إذ يقول في تقريره المرفوع إلى نائب وزير الجيش "لوحظ أن الوحدات التي تمت دراستها لا تعمل وفق جميع متطلبات المعالجة الطبية. جميع مقدمي الرعاية الطبية ممن قابلتهم قالوا أنهم لا يمتلكون المستلزمات المناسبة لمعالجة جميع السجناء ومن بينهم المسنون المصابون بالأمراض المزمنة"

ويتابع "هناك نقص واسع في الطاقم الطبي والمؤونة والمعدات اللازمة لإحتياجات السجناء"، وما خص به الفريق سجن أبو غريب حيث لم تتح له فرصة التعرف على الانتهاكات الإنسانية الفظيعة بلا شك فقال عنه أنه سجن ذو "بنية تحتية فاسدة تؤثر على بيئة العمل الآمنة والنظيفة والسليمة للجنود وعلى شروط المعيشة للجنود. النوعية السيئة للأطعمة وسوء توزيعها" مع الإشارة الواضحة إلى أن الحماية ضد المخاطر لم تكن مؤمنة.

والآلاف من المسجونين في ذلك السجن لم يكن يهتم بأمورهم الطبية غير طبيب واحد ومساعد طبيب مع ثلاثة عناصر طبية، وعلى الرغم من تفشي روائح الفضيحة من خلال نشر الصور المقززة عن الانتهاكات التي اشتهر بها أبو غريب، فإنه وفي أواخر عام 2005 كانت كل السجون العراقية تعاني من شح في المعدات والتسهيلات الكافية ونقص في الطواقم اللازمة لمعالجة ذوي الأمراض المزمنة والمعدية والمرضى عقليا.


أتساءل هنا: ترى ماذا كان المجانين يفعلون في السجن الأميركي إذ تكررت الاشارة إليهم كما هو حال المسكين الذي تتسلى به انغلاند؟

والغريب إن بين السجناء من يعاني أمراضاً عقلية شديدة. بعضهم كان يعاني منها قبل اعتقاله والآخر أصيب بها بعد الاعتقال.

أعود لأتساءل:أية أهوال رآها هؤلاء السجناء وعملت على اتلاف عقولهم يا ترى؟


والمصيبة أن السجّانين والطاقم الطبي كانوا يعاملون هؤلاء المساكين بطرق منحطة كما يصفها المؤلف، وكان الجنود يستمتعون بالتقاط صور لهم وهم يلطخون أنفسهم بالبراز أو يدخلون أشياء في المستقيم، أما من يتطلخ جسمه بالبراز فإن الجنود يجبرونه على التمرغ في بقعة مليئة بتلك القاذورات البشرية قبل أن يرشوا عليهم الماء البارد، لا بل كان مثل هؤلاء ممن وجد في سجن بوكا يتمددون على البول والبراز في حاويات تصل درجة الحرارة داخلها إلى 54 درجة مئوية.

سجل الصليب الأحمر الدولي حالات موت مؤكدة بين السجناء جراء الإهمال والأوضاع السيئة في السجن وسوء المعالجة والنقص في الاهتمام الطبي وتجمعت كل تلك العوامل المشينة في بعض السجون ومنها سجن تكريت.

أما السجناء الذين تتدهور حالتهم الصحية وتتطلب نقلهم إلى المستشفيات فكان ذلك الطلب يقابل بالرفض خصوصا وإن السل والنوبات القلبية كانت متفشية بين السجناء فالسجون هنا هي حواضن للسل الذي هو وباء الحرب يزيد من تفشيه سوء التغذية والصحة السيئة والازدحام الشديد.

ولقد تسبب تعمد إهمال الطاقم الطبي لحالة السجين حسين محمد بسيم الذي أصيب بالسل إلى وفاته على الرغم من أن ذلك الطاقم شخّص مرض السجين ولكنهم تعمدوا إهمال معالجته وإنعاشه حتى قضى نحبه. أما من يحتاج إلى إجراء عملية جراحية في مستشفى خارج السجن فقد كان يعاد إلى الزنزانة القذرة بعد إجراء العملية من دون أية رعاية أو اهتمام.

وعن حوادث الانتحار التي سببها يأس السجناء الأبرياء وما رأوه من أهوال خلال التحقيق، فإن السجين العراقي عبد الرحمن المسجون في بوكا يُعَد مثالا عليها. فقد أقدم الرجل على الانتحار لتلك الأسباب التي لم يعد يحتملها، ويعلم العالم أن محاولات انتحار عديدة جرت في غوانتانامو تعدت ستا وثلاثين محاولة.

أما الإهمال في جانب التغذية، فإن ما سماهم المؤلف "المقاولون الخاصون الفاسدون" كانوا يقومن بايصال الطعام المتفق عليه إلى السجناء ويقتبس من تقرير رسمي يصف ذلك النظام بالكارثي "مائة وجبة نقص في كل مرة يقدم فيها الطعام. يمكن ملاحظة الحشرات والأوساخ في الوجبات عدة مرات في الأسبوع. في اليومين الماضيين كان السجناء يتقيئون بعد تناولهم الطعام".


الفصل السادس: الصمت

كما تعود المؤلف فإنه افتتح هذا الفصل بقصة من تلك التي نعرف بعض جوانبها من خلال الصور التي نشرت، وهي قصة تستحق أن تذرف لأجلها الدموع. انه هنا يشرح الواقعة التي رأيناها في إحدى صور الانتهاكات التي وقعت في أبو غريب فيقول "بعد حلول منتصف الليل في السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 وضعت مجموعة من الحراس في أبو غريب أكياسا على رؤوس سبعة سجناء وأمروهم بخلع ملابسهم وأجبروهم على تشكيل كومة الكلب".

"خلال العشرين دقيقة التالية أخذ أحد الجنود أو اثنان منهم يقفزون فوق الكومة عدة مرات ويسحقان أصابع أيدي وأقدام السجناء وأخذوا يمررون الكاميرات وأخذ كل منهم دوره في الوقوف أمام الهرم ليتصور".

ثم ينقل عن سجين عراقي أعتقل بتهمة سرقة سيارة "كان أحدهم يضع قدمه على رأسي. وضع كامل وزنه على رأسي ورقبتي. كنت أصرخ وأبكي. أردت أن أقتل نفسي، إلا أنني لا أملك ما أقتل به نفسي".

يقول الرقيبان تشيب وفريدريك "لم أعتقد أن أحداً سيهتم بما حصل للمعتقلين طالما لم يموتوا"، أما الحارس جيرمي ستيفيتز الذي كان أول من حوكم على جرائم أبو غريب فيقول "كنا نمرح، الجميع كان يضحك على الأشياء التي جعلناهم يفعلونها".

أحد سجناء ذلك الهرم البشري ضربه سجان على صدره بقسوة.. سقط على ركبتيه وهو يتنفس بصعوبة ثم انهار على الأرض. وخشية من موته، استدعى السجانون ممرضة فحضرت إلى الزنزانة.

تقول الممرضة عما رأته "رأيت هرما من الرجال العراة غُطيت رؤوسهم بالأكياس. فحصت الرجل المنهار ثم تركته في الغرفة مع الآخرين. لم يتم نقله لتلقي الرعاية الطبية" كما أنها لم تقم بالإبلاغ عما رأت .

يسأل المؤلف بعد تلك الواقعة ويقول "سؤال بسيط أدى إلى تأليف هذا الكتاب: أين كان الأطباء والممرضات في أبو غريب؟ لماذا لم يطلق الطاقم الطبي صفارة الإنذار بخصوص إساءة معاملة السجناء وإهمالهم"، ما جعله يخصص هذا الفصل المفعم بالمآسي لوصف صمت القادة المسؤولين من الأطباء والموظفين منهم والنقابات الطبية في الولايات المتحدة.إلى درجة أن الأمر سرى إلى دور النشر الطبية التابعة للنقابة وهي مستقلة، فهي لم تقم بنشر أية مقالات عن إساءة حقوق الإنسان في سجن أبو غريب حتى أواخر سنة 2005.


الفصل السابع: الخروقات الفاضحة

يحدد مايلز في هذا الفصل الأسس التي شكلها مسؤولو الإدارة الأميركية للنظام الطبي في السجون بثلاث خطوات:

1- إبطال المعايير الموجودة سابقا والمتعلقة بمعاملة السجناء مثل معاهدة جنيف وقانون جرائم الحرب الخاص بالولايات المتحدة.

2- صياغة سياسات جديدة تجازف بالاعتداء على حقوق الإنسان في السجون.

3- تطبيق هذه السياسات الجديدة في السجون والسماح لتلك النتائج بالظهور.

كان إسهام الطاقم الطبي في تنفيذ الخروقات المذكورة متحققا بما يلي:

1- سمحوا وساعدوا في الاستجوابات القاسية والإجبارية وصرحوا للسجناء بأنهم يتحملون هذه الاستجوابات وراقبوها أثناء حدوثها. لقد صمتوا باستمرار ازاء تلك الاستجوابات. وإنهم طبقوا المهارات الطبية واستخدموا المعلومات السريرية عن السجناء الأفراد لأغراض غير علاجية.

2- أخفقوا في التأكد من أن الموجودات المتعلقة بسبب الوفاة هي جديرة بالاعتماد وصادقة ولم يقوموا بالاتصال بمكتب معلومات سجناء الحرب لتتوافر المعلومات للعائلات وللأطراف الساعية لمنع الإساءة عن السجناء. ساهم ذلك في خلق بيئة عرّضت سجناء آخرين للخطر.

3- أخفقوا في توفير الدعم الفعال لأقل المستلزمات الكافية لإحتياجات السجناء الأساسية من رعاية صحية عقلية ونظافة ومعالجة لمرضى السل وملجأ من نيران الأسلحة وفي بعض الأحيان الرعاية الطبية.

"السجناء الأشباح" كانوا معرضين بشكل خاص لخطر الإهمال وإساءة المعاملة كما يصفهم ويصف حالهم.

يستحضر المؤلف في هذا الفصل كثيرا من تصريحات المسؤولين الأميركيين وأهمها ما قاله كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق عقب انتشار الفضائح والذي قال فيه "فقدت الولايات المتحدة مصداقيتها كمناصرة لحقوق الإنسان"، وهو ما حصل عندما رفض المسؤولون الصينيون انتقادات الإدارة الأميركية لممارسة الصين التعذيب مع السجناء كون الأميركيين يمارسونه مع السجناء مما يجعلهم يكيلون بمكيالين، وما صدر عن الخارجية الروسية من تأييد للموقف الصيني ذاك يعزز ذلك النهج.


الفصل الثامن: لماذا نعارض التعذيب؟

يعترف المؤلف في مطلع هذا الفصل أنه خلال تأليفه هذا الكتاب تلقى اتصالات عدائية ومنها رسالة وردته بالبريد الالكتروني يقول فيها صاحبها "من يأبه لهذه الحيوانات شبه البشرية؟ أنتم الذين يسمونكم الحمقى المتعلمين يتوجب عليكم أن تقلقوا أكثر علينا نحن الأميركيين وعلى أميركا التي هي بلدكم. (..) إذاً، استخدم ذكاءك واهتم بنا قبل أن تقلق كثيرا على الارهابيين. ومن هو، بالمناسبة، الذي تعرض أو لم يتعرض للتعذيب؟".

يرى المؤلف "ربما لأن العديد من الاشخاص لم يطلعوا بصورة واضحة على الاشتراك الفاجع للولايات المتحدة في أنظمة التعذيب في السلفادور وكوبا في عهد باتيستا وتشيلي وإيران في عهد الشاه وجنوب فيتنام وغواتيمالا والعراق في عهد صدام حسين فبعض الاشخاص ينفرون بشدة من حقيقة التعذيب فينكرون ببساطة إمكانية حدوث أي تعذيب في العراق وأفغانستان أو خليج غوانتانامو".

"هذه الجغرافية المشوهة للتعذيب ترافق اعتقادا بأن الولايات المتحدة تستخدم تعذيبا خفيفاً أو بأنها يجب أن تستخدم القليل من التعذيب كيلا تقف مكتوفة الأيدي وبالتالي تفشل في البقاء في عالم مليء بالأشرار".

لا بل أن بعض الناس عبُّروا له عن قلقهم من أن كتابة هذا الكتاب سيُعَرّض حياته للخطر. وهو يرى في ذلك انعكاساً للعنف الرسمي ضد السجناء على المجتمع المدني الأميركي ما خلق تأثيراً سلبياً.

ثم يعود لمناقشة واقع إحدى المجندات الأميركيات من بطلات التعذيب في أبو غريب ثم يفترض أن ثمة من يسأل بمشاعر عميقة "ما الذي يجعل الشخص قادرا على القيام بمثل هذه الأشياء؟".

الوجه النظيف المبتسم "الجندية مفعمة بالحيوية تشير بإبهامها للأعلى فوق جثة سجين مليئة بالكدمات" يصرخ طالباً التحليل النفسي ثم يتساءل في مكان آخر عن السبب الذي جعل التعذيب يُولَد من جديد بعد أن رُفض لأنه همجي وعديم الفائدة قبل قرنين، ثم لماذا تقوم الأمم المتحضرة بخلق سياسات ومؤسسات تعزز التعذيب؟

إنه يقف عند تصريح نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني الذي يقول فيه "يجب علينا أن نعمل أيضا في الجانب المظلم نوعا ما".

أليس في ذلك ما يكفي لفهم طبيعة تفكير النخبة التي تقود البلد الأعظم في العالم والمفعمة بالكراهية للآخرين والتي تريد أن تفرض حب بلدها على شعوب الأرض ولو بالقوة؟



حسن عبيد عيسى

ميدل ايست اونلاين

أضف تعليق