لا يستطيع أحدٌ أن يُنكر المكانة التي تحظى بها هيئة علماء المسلمين في العراق عند أبناء الرافدين ، أو يلغي الدورَ الريادي الذي تلعبه في إعاقة مشاريع الإحتلال وإفشال مخططاته ، أو يتجاهل الثقلَ الجماهيري ـ الذي يدعم مواقفها ويؤيد ثوابتها ـ من أقصى شمال العراق إلى أدنى جنوبه ، ولا يمكن لأحد نسيان بقية المواقف المشرفة التي لم تكن حكراً على القضية العراقية ، بل تعدّت إقليمياً ليبلغ صدى الهيئة مبلغاً لم يظفر به قبلها نظير..!
إن الذي يحاول ـ مجرد محاولة ـ إنكار ذلك وتجاهله أو نسيانه لا يعدو كونه واحداً من إثنين : إما متحامل حقود وحسود يقرأ الواقع ـ بتعمد ـ بالمقلوب ، أو نفعي انتهازي انخرط في مشاريع الإحتلال و(عمليته السياسية) سيئة الصيت ..!
لكن !!
أنّى للغمام أن يصمد أمام بزوغ الشمس وإشعاعها اللامع..؟؟
اليوم هيئة علماء المسلمين اقتربت من بلوغ نصف عقد من عمرها ، لكنّ أفعالها والمواقف كأنّها نتاج نصف قرن ،وذي حالة مثالية لم تكن إلا للهيئة لأنها تضم من الأعلام قِمماً تتضاءل أمامها عظائم المحن ،ويغدو عملاق الخطوب تجاهها قزماً لاحول له ولا قوة.
سِنِيُّ الهيئة الخمس كانت ملأى بالمكاره ـ كما هو شأن عامّة أبناء العراق ـ فقد تلقتْ من المصائب ألواناً ، ومن الملمّاتِ أشكالاً، سلّطها الإحتلال وأذنابه وعملاؤه وكل من له مصالح ومطامع ينفذها على حساب أبناء هذا البلد سواء بالفـعل أم بالقول : أغتيل من أعضاءها العشرات ، وزُجَّ في غياهب المعتقلات من أعضائها ومؤازريها المئات، صُودرتْ أموالها ،وأُتلِفتْ حاجياتها ،واحتُلَّ مقرُها ، بعد أن عيث به فساداً أربع مرات ،وأُسكِتَ صوت إذاعتها ، ضُيّق على صحيفتها ،وانبرت الأقلام الرخيصة والألسن المأجورة تـشوّه صورتها وتحاول النيل من قادتها ..وغير ذلك الكثير !!
وعلى رغم كل ما حصل ، كانت كفة صمود الهيئة ـ وما زالت ـ هي الراجحة ، فحين تقع الحوادث ، وتلتهب الأحداث تجد عند رجالاتها صموداً وثباتاً تبلورهما المواقف التي تبديها الهيئة والتي تنم عن حلم وفهم ، وتعالٍ على الجراح ، وصبر على الآلام ، وفوق ذلك كله الإصرار على المبدأ ، والتمسك بالثوابت ، دون أن يكون للضعف أو الخوف إلى أنفسهم سبيلا ً.
و فضلاً عن السنن الربانية في أسباب بلوغ النصر ووعد الله تعالى عباده به والتمكين ، حين نتأمل ما يجري على أرض العراق منذ أن بدأ المخطط الخبيث الذي اضطلع به الإحتلال وورط خلاله عدداً من السذج وأصحاب المطامع اللاهثين على حطام الدنيا وزينتها ،من خلال المشاريع المشبوهة ، والعمليات السياسية ، والحكومات المتوالية ، التي كلما جاء واحدة لعنت أختها ،ونقارن ذلك مع مشاهد وأحداث مماثلة حصلت على مر التاريخ ، نجد أن منهاج هيئة علماء المسلمين يمثل الركيزة الأساس في بلوغ النصر، وتحقيق الظفر ، ونيل الخلاص والفلاح .
والواقع يشهد بذلك ..
فمن أول بوادر النصر هو تصدع جدران الخصم وتباطؤه في تحقيق ما يطمع تحقيقه ، وانشقاق أحزابه واختلاف شركائه فيما بينهم ، كما عبرت عنه الهيئة: (انشقاقات وانقسامات، واتهامات متبادلة بالسعي المحموم لاقصاء المنافس كل ذلك يجري في اطار عملية سياسية أساسها خاطئ وبالنتيجة تكون نتائجها سلبية لا تلبي طموح الشعب العراقي... )( ) ، وهذا لم يكن متأتياً من فراغ ، بل من وجود قوة رادعة عملت على طول الأيام في إحداث هذه التصدعات ، وكانت سبباً في حصول تلك الإنشقاقات ، ولعل هيئة علماء المسلمين كانت رأس الحربة لهذه القوة الرادعة .
ولم يكن لهذه القوة أن تفعل هذا الفعل ، وتنجز ذلكم الإنجاز لولا تحليها بالصبر والصمود ، وتجاهل الجراح ، ورص الصف بوجه العاصفة ، وتميزها عن سواها بصواب الرؤية ودقة التشخيص ،تحركها ثوابت ومبادئ ، تبدو للعيان واضحة، ومبرمجة على أرض الواقع أفعالاً ترفع الرأس وتقوي العزيمة .
ومن هنا يمكن القول أنه وبرغم ما أصاب البلد من ضراء ، وفتت في عضده أحداث جِسام أحرقت الأخضر فيه واليابس ، إلا أن وجود قوى لها أثرها ميدانياً وفكرياً متمثلة بهيئة علماء المسلمين والقوى الأخرى الرافضة للإحتلال، يبعث على التفاؤل ، ويدعو إلى بث روح الأمل في أن النصر قادم ، والتحرير آتٍ ، سيما وقد توافر رجال ونساء علّموا الدنيا أن الصبر عند الشدائد ، والصمود بوجه الطوارق ، هو المفتاح الذي به سيدلف العراق باب الخلاص .
جهاد بشير
12صفر1428هـ
في العراق : هيئة علماء المسلمين ...صمود حتى النصر... جهاد بشير
