حكومةُ المستقبل!!....حسين الرشيد
يبدو أننا أمام حلقة جديدة من حلقات ((مسلسل الحكومات المتعاقبة في ظل الاحتلال)) إذ يتحدث السياسيون في العراق اليوم ويكثر حديثهم عن صفقة جديدة لتقاسم المناصب والنفوذ تشكيل حكومة جديدة، تختلف وجهات نظرهم حول الشخصية التي يرأسها، وطبيعة تشكيلها، وحجمها الذي ستستقر عليه!!
وتؤكد بعض المصادر المطلعة أنَّ مباحثات مكثفة ستبدأ لتشكيل حكومة مصغرة يصفونها بـ((حكومة التكنوقراط)) ربما يصل عدد وزرائها إلى خمسة وعشرين وزيراً..
وإذا كانت التوقعات ترجح رئاسة نوري المالكي لهذه الحكومة؛ فإنه من الأهمية بمكان قراءة ذلك الخلاف الدائر بين المكونات السياسية الشيعية، وتحديداً بين المجلس الذي يرأسه عبد العزيز الحكيم، وبين حزب الدعوة.. إذ يتهم المجلس نوري المالكي بالإخلال ببعض الإتفاقات التي أُبرمت مع المجلس ومنظمة بدر، وأنه قد خاب أملهم من نتائج التعامل مع حزب الدعوة الذي يتزعمه نوري المالكي خلفاً للجعفري.. ولذا فإنهم يطرحون عادل عبد المهدي بديلاً للمالكي، الذي يعتقدون أنه الأكفأ والأجدر والأقدر على قيادة المرحلة!!!، بالإضافة إلى قبوله من قبل كل الفرقاء السياسيين -حسب قولهم-!!
ولعلَّ المؤاخذات التي يسجلها قياديو حزب الدعوة على المالكي تتلخص بالآتي:
(1) تهاون المالكي إزاء قضية اللامركزية وإنشاء الأقاليم
(2) عدم إعطاء الدستور -الذي هو مكلف بالعمل به والحفاظ عليه- حقه
(3) تهميش الآخرين والإنفراد بالسلطة والقرار، أو إشراكهم بالشكل
لقد جاءت دعوة تشكيل حكومة جديدة في ظل الاختناق والعزلة التي تشهدها حكومة المالكي بعد انسحاب وغياب نصف وزرائها، ولم يبقَ لها من اسم ((الوحدة الوطنية)) الذي ترفعه إلا العنوان الذي غابت عنه الحقيقة منذ البداية..
وتتحدث المصادر عن توجيه المالكي رسالة إلى رؤساء الكتل السياسية تتحدث عن نيته تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة، نتج عنه حراك سياسي لإنقاذ العملية السياسية التي تعاني من أمراض مزمنة لا ترضى فراقها بسبب الأخطاء الجسيمة التي بنيت عليها من المحاصصة الطائفية، والتقوي بالمحتل، والإستئثار بالسلطة، وعدم الإكتراث بالآخرين، وعزلها عن محيطها العربي والإسلامي، والتقرب من بعض الدول الإقليمية ذات المشاريع التوسعية.
إنَّ الضبابية التي يعيشها العراق هذه الأيام تضع ألف علامة استفهام حول إمكانية تكوين تلك الحكومة، في ظل الخلاف الشديد بين عدد من السياسيين الذين يزعمون أنهم يمثلون بعض المكونات العراقية، فالجدل لا يزال قائماً بين الأكراد وعدد كبير من أعضاء البرلمان الحالي حول حصة إقليم كردستان من موازنة العراق لعام 2008 التي ينصُّ البرلمانيون على أنها تتراوح بين 12 – 13% من الموازنة، بينما يطالب الكرد بـ 17% .. وما سبقه من مشكلة إبرام الإقليم لعقود النفط مع بعض الشركات الأجنبية، وما لاقته تلك الخطوة من استياء واستنكار شديدين، نتج عنه قرار الشهرستاني اعتبارها عقوداً لاغية وغير شرعية.. وكذا ما يلف موقف جبهة التوافق من غموض وتناقض شديد بين قيادييها وأعضائها، في وقت يتحدث فيه بعضهم عن عدم نية الجبهة العودة إلى حكومة المالكي؛ لعدم تنفيذ مطالبها، في الوقت الذي تنقل بعض وسائل الإعلام تصريحاً ونفياً عن الدكتور عدنان الدليمي أنَّ جبهة التوافق قررت العودة للحكومة عقب تلقيها ضمانات من حكومة المالكي بتحقيق مطالبها، التي تتمثل في إطلاق سراح المعتقلين العراقيين من سجون الحكومة والاحتلال، وإعادة التوازن بين الكتل في المواقع القيادية بالدولة، فضلاً عن تخفيف إجراءات قانون اجتثاث البعث!! ويصعب التكهن في نتائج الخلاف الذي طرأ مؤخراً بين الحزب الإسلامي وقياديي مجالس الإنقاذ والإسناد في محافظة الأنبار، وما رافقه من تراشق إعلامي مثير للجدل.. وكذا ما تعرض له شيوخ بعض عشائر الأنبار، الذين كانوا يجتمعون في الجادرية الذي استهدفته سيارتان مفخختان إصابة بعضهم بجروح..
إنَّ مطالبة بعض ما يسمى ((مجالس الإنقاذ والإسناد)) بحقائب وزارية تضع المالكي في موقفين محرجين أحلاهما مر، فالمالكي الذي يريد مكافئة تلك المجالس على جهودهم التي بذلوها في محاربة القاعدة، يقف أمامها ضرورة إرضاء المشتركين في العملية السياسية الذين يسعون اليوم إلى الرجوع إلى حكومة المالكي!!
إنَّ الأوضاع السياسية في العراق، والجدل الدائر بين الكتل السياسية، وخلافات السياسيين الذين يسعى كل واحد منهم الحصول على امتيازات وفوائد، وتشبثهم بعروش الوزارات، تعصفُ بالأبرياء من أبناء هذا الشعب المحروم الذي ما ذاق طعم الراحة والأمن والعيش الرغيد منذ أن وطأت أقدام الغزاة ثرى هذا البلد الجريح.. فالجثث تلقى في الشوارع كل يوم، وعمليات الاغتيال والاعتقال والاختطاف لا تزال تشكل الهاجس الأكبر في حياة أبناء الرافدين..
إنَّ على السياسيين الذين يحكمون العراق بقوة المحتل اليوم أن يعلموا أنَّ تشكيل حكومات قديمة أو جديدة لا يمكن أن تنقذ العراق، ولا تسهم في تغيير وتبديل الوضع المأساوي الذي يشهده البلد منذ سنين.. وأنَّ العراق لن يستقر ولن يهدأ بال أبنائه الغيارى إلا بخروج المحتلين والاقتصاص من العملاء الذين باعوا البلد وخيراته وثرواته للغزاة المغتصبين.. ولن يدوم ظلم الظالمين.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها
حكومةُ المستقبل!!....حسين الرشيد
