هيئة علماء المسلمين في العراق

القرون الأطلسية والصخرة الأفغانية.. نبيل شبيب
القرون الأطلسية والصخرة الأفغانية.. نبيل شبيب القرون الأطلسية والصخرة الأفغانية.. نبيل شبيب

القرون الأطلسية والصخرة الأفغانية.. نبيل شبيب

لم يَعُد الأمر قابلا للتمويه فقد بدأت أركان حلف شمال الأطلسي تتزعزع دون أن تظهر على أرض أفغانستان معالم نهاية \"مشرفة عسكريا\" للحلف الأكبر في التاريخ العالمي، والأشد تسلحا، والمنفرد بنفسه بعد غياب حلف وارسو الشيوعي باستعراض قوته العسكرية في جولاته الحربية على المسرح العالمي. وإذ شجعت موسكو واشنطن قبل سبع سنوات على أن تبدأ مغامرتها العسكرية في أفغانستان، والتي جرت الحلف إليها لاحقا، فلم يعد مستبعدا أن الدولة التي كانت هزيمتها في أفغانستان أيام الاتحاد السوفييتي بداية أولى لتفككها وانهيار الحلف الشرقي الذي تزعمته، كانت تتوقع أن تُدمي صخور أفغانستان القرون الأمريكية والأطلسية أيضا، فلم يكن تأييدها لحرب الدولة الغريمة على حدود نفوذها الجنوبية إذن صادرا عن الرغبة في الانتقام من أفغانستان فحسب أو عن الرغبة في التضامن مع واشنطن تحت عنوان الحرب ضد الإرهاب، قدر ما كان من قبيل التوريط في تلك الحرب بالدرجة الأولى.

معالم التصدع الأطلسي

كندا الحليفة المرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية المجاورة ارتباطا وثيقا، تهدد بسحب قواتها العسكرية من أفغانستان علنا، قبل انتهاء المدة المقررة لبقائها والقابلة للتجديد.

ألمانيا التي رددت في عهد المستشار السابق شرودر التضامن "المطلق" مع الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان بذريعة "الإرهاب" والرفض "المطلق" للمشاركة في حرب احتلال العراق، بدا في عهد المستشارة ميركل أنها ستضاعف مشاركتها العسكرية وفق الرغبات الأمريكية، وإذا بها تصل الآن إلى الرفض بلهجة قاطعة أن تستجيب لطلبها الرسمي الجديد الملح أن ترسل قوات عسكرية إلى الجنوب الأفغاني الملتهب، بينما تزداد الأصوات المطالبة داخل ألمانيا بالكشف عن حقيقة حجم التعاون الحالي في العمليات الجارية تحت القيادة الأمريكية إلى جانب المشاركة في شمال أفغانستان تحت القيادة الأطلسية.

إيطاليا التي سبق أن دخل رئيس وزرائها برودي في معركة سياسية مع خصومه داخل حزبه وخارجه بسبب إصراره على الاستمرار في المشاركة العسكرية في أفغانستان بعد الانسحاب العسكري من العراق، سقط من رئاسة الحكومة ولا أحد يستطيع التنبؤ بما سيكون عليه الدور الإيطالي في أفغانستان بعد انتخابات إيطالية جديدة.

بريطانيا التي تلملم جراحها الداخلية وجراحها العسكرية في العراق، التي خلفها بلير لبراون، لا تستطيع أو لا تريد أن يكون لها دور عسكري أكبر في أفغانستان وقد أصبحت قواتها مستهدفة مع القوات الأمريكية أكثر من سواها من ضربات مَن تعترف المصادر الرسمية الأمريكية والأطلسية أنهم استعادوا قوتهم وتنظيم صفوفهم وتضاعفت عملياتهم العسكرية إلى درجة قضت على البقية الباقية من الحديث عن "حصيلة" ما سبق الإعلان عنه بصدد حملة أطلسية واسعة النطاق قبل شهور معدودة.

وفرنسا التي انتشرت التوقعات بأنها مع وصول ساركوزي إلى السلطة ستأخذ الموقع البريطاني في التحالف مع الأمريكيين، لم تستجب حتى الآن لمطالب واشنطن أن تضاعف مشاركتها العسكرية في أفغانستان، وربما تريد المساومة مع الأمريكيين على ذلك بعد أن ظهر أن التحالف الجديد مقترن بتنافس أو صراع جديد على النفوذ، كما ظهر من الأنشطة الفرنسية إلى جانب الأمريكية على الأرض الإفريقية وفي منطقة الخليج.

لهذا لم يعد في الإمكان وصف رسالة وزير الدفاع الأمريكي جيتس إلى أقرانه من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، بأنها رسالة "تأنيب.. ومطالبة"، قدر ما يمكن وصفها بأنها رسالة استغاثة، رغم اللهجة الحادة التي استخدمها، لا سيما في حملته الشديدة على ألمانيا، التي جوبهت بالرفض - بلهجة حادة أيضا - من جانب أحزاب الحكومة والمعارضة، وفي الاستطلاعات على المستوى الشعبي.

لم تقوض جماعات المجاهدين حلف وارسو أثناء الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، ولكن لا يوجد خلاف بين المؤرخين العسكريين أنها استطاعت - رغم انقسامها على نفسها آنذاك - أن تدق المسمار الأول في نعشه، ولن يقوض مقاتلو طالبان ومن يساندهم من منظمات المقاومة - بغض النظر عن القاعدة - حلف شمال الأطلسي الآن، ولكن الثابت أن ما تشهده أفغانستان الآن لا يمثل بوادر هزيمة أطلسية فقط، بل بلغ مستوى الهزيمة بالفعل، عندما نقارن بين قوى الجبهات في الحرب الدائرة وحصيلة المجابهة، وبين ما كان عليه الحلف وما أعلنه من أهداف قبل سبع سنوات، وما أصبح عليه الآن وما بقي من أهداف، أكبرُها القول بضرورة تجنب هزيمة عسكرية مفضوحة.

تبدل الخريطة الآسيوية

في مقدمة النتائج التي بدأت بالظهور إقليميا ودوليا بسبب العجز العسكري الأطلسي رغم ما نشره من دمار وما سببه من ضحايا في صفوف المدنيين تخصيصا، أن خريطة التحالفات السياسية والعسكرية في المنطقة الآسيوية بدأت تتبدل تبدلا جذريا بما يتعارض مع الصيغ التي انتشرت عقب الحرب الباردة بشأن زعامة انفرادية أمريكية وأداة أطلسية ضاربة ونهاية التاريخ بانتشار الرأسمالية وانسياح ديمقراطية خاضعة لمصالح ما يسمى "الليبرالية الجديدة" أو العولمة والأمركة، فجميع ذلك يتبخر على أرض الواقع الآسيوي أولا، عبر تقارب يتنامى في اتجاه التحالف بين القوى الأكبر عسكريا، وفي مقدمتها روسيا والصين والهند، ومع استعادة مجموعة "نمور آسيا" بعض عافيتها التي تعرضت لهزة عنيفة عبر أسواق المضاربات كادت تقضي عليها ماليا في حينه.

ومن النتائج أيضا أن باكستان الدولة التي جعلها مشرف طوعا أو كرها قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة لخوض حرب بوش الابن والمحافظين الجدد، تحولت هي إلى دولة الفوضى المطلقة، دستوريا وسياسيا وحزبيا وأمنيا، إلى درجة جعلت منها نموذجا مرعبا لكل دولة أخرى في المنطقة الإسلامية - حتى الخليج على الأقل - يطرح علنا وبصورة مشهودة معاصرة ما يمكن أن يصبح عليه حالها - وإن اختلفت الظروف والصور التطبيقية - إذا مارست نهجا كنهج مشرف في التعامل التبعي التنفيذي مع الحروب الأمريكية.

ولا حاجة إلى أكثر من التنويه بالعلاقة الوثيقة بين ما آلت إليه الحرب الأمريكية في أفغانستان - وليس في العراق فقط - وبين العجز الغربي عن التصرف بشكل فعال تجاه إيران، التي كانت أحد الأهداف الرئيسية لواشنطن في حقبة الحروب الأمريكية الجديدة، وما تزال إيران تمضي قدما على طريق تنفيذ برنامجها النووي رغم جهود الحصار الأمريكي الغربي، وتضيف إلى ذلك باب المشاركة في غزو الفضاء إلى جانب الدول الست التي احتكرت تقنياته حتى الآن.

ومن النتائج على مستوى العلاقات عبر الأطلسي، أن الاتحاد الأوروبي الذي سار بحذر شديد في طريق تكوين قوة عسكرية مستقلة عن الحلف لنفسه، سيضاعف تحركه في هذا الاتجاه، وسيزيد من درجة استقلاله في صناعة قراره السياسي والأمني على المستوى الدولي.

لقد وصل حلف شمال الأطلسي إلى مرحلة التصدع الداخلي، وهذا بفعل تحركه في أفغانستان بالذات، وهي التي اختارها - ربما لغلبة الظن أنها هدف سهل المنال عسكريا - لتكون الساحة الأولى لتطبيق ما سبق أن قرره عام 1999م لتوسيع مهامه العسكرية لتغطي "الكرة الأرضية" بدلا من الاقتصار على مهمة الدفاع المباشر عن مجاله الجغرافي، وكان قراره ذاك في أعقاب ما حققه في منطقة البلقان القريبة، في الحرب ضد صربيا بسبب كوسوفو، فبدا أن النجاح العسكري هناك مقدمة للنجاح العسكري في أي مكان آخر من العالم، وهو ما لم يتحقق في أفغانستان، وذاك ما يمكن وصفه بالهزيمة العسكرية والسياسية، وإن بقي الحلف قائما.

استمرار استهداف المنطقة العربية

سيشهد حلف شمال الأطلسي جهودا حثيثة لإطالة عمره، فليس من مصلحة جناحه الأوروبي أن يغيب عن الساحة الدولية في الوقت الحاضر، وليس ذلك من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وإن تبدل نهجها السياسي العالمي عبر انتخابات جديدة تنهي دور المحافظين الجدد.

ولئن فقدت واشنطن زمام القيادة الأطلسية واقعيا في أفغانستان، فمن الواضح أنها لا تزال مسيطرة على الساحة الدولية، بمعنى القوى الدولية في مجلس الأمن الدولي، في معظم ما يرتبط بالمنطقة العربية، لا سيما قضية فلسطين وفي منطقة الخليج.

وهنا يمكن أن تشهد المنطقة بعض جولات التنافس والصراع على النفوذ، وتكون فرنسا وروسيا من أطراف التنافس والصراع، ولكن الثابت أن الخلافات الداخلية الأمريكية بصدد السياسات الخارجية والعسكرية ذات العلاقة بأفغانستان وحتى إيران، لا وجود لها بصدد تلك السياسات تجاه الدول العربية عموما وفي قضية فلسطين تخصيصا، وهو ما يؤكد استمرار السعي لتحقيق أهداف الهيمنة المطلقة إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية.

حتى العراق الذي تحولت حرب الاحتلال فيه إلى عنوان رئيسي في معركة الانتخابات الأمريكية الجارية، تقف حدود الخلافات بصدده عند الأسلوب أكثر من الهدف، مع وجود حرص مشترك على أن تكون لحرب الاحتلال حصيلتها السياسية والمالية والاقتصادية بما يضمن استمرار وجود نفوذ أمريكي مهيمن، وإن تحقق الانسحاب العسكري اضطرارا في نهاية المطاف، مع الإبقاء على قواعد عسكرية.

هذا مما يفسر سعي الرئيس الأمريكي بوش الابن من أجل تحقيق إنجازات ما قبل انتهاء فترة ولايته، وهو ما يدعمه الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، كما يدعمه الحزب الديمقراطي أيضا، سواء فيما يتعلق بربط العراق بالنفوذ الأمريكي عبر اتفاقيات طويلة الأمد يجري التفاوض المكثف عليها، بين قوة الاحتلال الأجنبي، وركائز الاحتلال في العراق نفسه، أو بالنسبة إلى قضية فلسطين والرغبة في التوصل إلى اتفاق حول ما يسمى بحل الدولتين مع "تطبيع" شامل للدول العربية، بأي ثمن.

وهنا -وليس في إيران- لا يُستبعد خوض مغامرة عسكرية جديدة، رغم الهزائم والنكسات في الساحتين اللبنانية والفلسطينية، بل قد تكون هي بالذات من أسباب ترجيح التهور في خوض مغامرة جديدة أوسع نطاقا مما سبق، لخلط الأوراق من جديد، قبل أن يبلغ التقارب العربي الإيراني مدى أوسع من تبادل المجاملات السياسية والدبلوماسية، وقبل أن يخرج لبنان من أزمته الداخلية، وقبل أن تستعيد العلاقات العربية، لا سيما مع سوريا، بعض التنسيق الذي فقدته منذ فترة طويلة.

والمغامرة التي ينبغي التحذير من الاكتفاء بانتظار وقوعها يمكن أن تستهدف قطاع غزة وسوريا، وأن يكون الهدف الرئيسي من ورائها خنق المقاومة على المستويين الشعبي والرسمي.

ويعني التحذير من الانتظار هنا ضرورة تعجيل الخطوات السياسية المشار إليها للتقارب والتنسيق، ناهيك عن الخروج النهائي من سياسات المحاور، والعمل المشترك لإنهاء حصار قطاع غزة، والسعي المكثف لفرض الحوار الفلسطيني الفلسطيني، وجميع ذلك يمكن أن يضاعف نسبة المخاطر في الحسابات العسكرية العدوانية، الأمريكية و"الإسرائيلية"، سواء أدت إلى الامتناع عن ارتكاب عدوان عسكري جديد، أو أدت إلى وصول الخسائر المترتبة عليه إلى درجة تسمح باستمرار التقارب والتنسيق رغم وقوعه المحتمل.

-----------------
نبيل شبيب/ كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

أضف تعليق