لا تزال قضية التعاون الأمني بين العراق المحتل والدولة التي احتلته بمشاركة قوى الشر العديدة مثار جدل واهتمام كبير بين الأوساط الرسمية والشعبية.
فالتعهد الأمريكي [الذي وقعه رئيس حكومة الاحتلال الرابعة نوري المالكي مع سيد البيت الأبيض جورج بوش مؤخراً في إطار ما سمي بـ((إعلان مبادئ من أجل علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية)) الذي تعهدت أمريكا بموجبه - فيما يتعلق بالجانب الأمني - بتقديم التأكيدات والضمانات والالتزامات الأمنية من أجل ردع أي عدوان أجنبي عليها ينتهك سيادة أو أراض أو مياه أو أجواء العراق.. بالإضافة إلى تدريب وتجهيز وإمداد وتسليح قوات الأمن "العراقية"، وذلك بما يمكنها من حماية العراق وشعبه، وإكمال بناء نظمه الإدارية وفقاً لما تطلبه الحكومة "العراقية"] يبدو أنه يواجه تصدعاً كبيراً بسبب كثير من التغيرات التي لا تفتأ تطرأ على الساحة الدولية عموماً والأمريكية خصوصاً لتساهم بشكل كبير في تغيير ونسيان وتجاهل كثير من الاتفاقيات والتعهدات التي تعد مهمة للغاية بسبب التطبيل والتزمير الذي رافقها آنذاك!!.
ولعلَّ ما طرأ من تصريح وزير الدفاع الأمريكي مؤخراً يعتبر ناسخاً لتلك الاتفاقية التي تعدّها الجهات الوطنية العراقية الرافضة للاحتلال تدخلاً سافراً في شؤون البلد ومستقبله، وأنها تهدف بشكل كبير إلى بيع البلد وثرواته الطبيعية التي حبا الله بها بلاد الرافدين..
يقول وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس أمام لجنة بمجلس النواب الأمريكي، والذي أشغلته - على ما يبدو - حروب الاعتداء على البلدان الآمنة وأنسته الاتفاقية التي وقعها سيده: ((إنَّ الولايات المتحدة لن تتعهد بالدفاع عن العراق، ولن تسعى لإقامة قواعد دائمة هناك...)) وفي الوقت الذي تناقش فيه الأوساط الأمريكية لتحديد طبيعة العلاقة بين العراق وأمريكا، يؤكد غيتس أن الاتفاق المتعلق بنشر القوات الذي يناقش حالياً لن يتضمن تعهداً أو التزاماً بالدفاع عن العراق.
فهل يعد هذا التصريح من مسؤول كبير في إدارة البيت الأبيض عابراً؟! أم انه شرارة طائرة من الحرب الشعواء التي تُسعر نيرانها في الأوساط الأمريكية بين الديمقراطيين والجمهوريين؟! ليصب هذا التصريح في صالح جهة معينة لترجيح كفتها في ميزان الانتخابات القادمة التي ستحدد مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية!!.
ولعل نقطة الخلاف الأولى بين الجمهوريين والديمقراطيين في هذه النقطة تحديداً تأتي من خوف الديمقراطيين من أن تستخدم إدارة بوش الاتفاق طويل الأمد بين العراق وأمريكا ليكون ملزماً للرؤساء الأمريكيين في المستقبل.. في الوقت الذي صرَّح فيه بعضهم بضرورة موافقة مجلس الشيوخ على أي اتفاق يتضمن التزاما أو تعهدا بالدفاع عن العراق!!.
ولعل المتابعين يتذكرون تلك المساعي التي بدأها الساعون للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي لهم لانتخابات الرئاسة الأميركية وحلفائهم في الكونغرس عندما شنوا حملة شرسة في الأيام التي رافقت توقيع الاتفاق على خطة البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاقية أمنية طويلة الأمد مع الحكومة "العراقية".
واعتُبرت السيناتور هيلاري كلينتون من أبرز الديمقراطيين المنتقدين للخطة، وأنها اغتنمت أحدث مناظرتين انتخابيتين للحزب الديمقراطي لشن هجوم على الرئيس بوش وجهوده التي قالت إنها تسعى إلى ربط الولايات المتحدة وخلفه في منصب الرئاسة بسياسته الفاشلة في العراق.
ومن هنا قرأنا بوضوح تساؤل السيناتور جوزيف بايدن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي عن كيفية الالتزام بوجود عسكري في العراق الذي وصفه بأنه دولة لا يوجد سبيل فيها لقياس ما إذا كانت ستنعم بحكومة تستطيع القيام بمهامها أم لا!! لتسفر تلك الانتقادات عن رسالة خطية بعث بها بادين إلى الرئيس بوش قال فيها: إن الاتفاقية ستورط الولايات المتحدة في حرب أهلية إلى ما لا نهاية.
إننا لا نستطيع أن نفسر التصريح الجديد لوزير الدفاع الأمريكي إلا بالحلقة الجديدة التي تأتي في سياق التسويق الأمريكي للفوز بالانتخابات والاستواء على عرش البيت الأبيض من قبل الأطراف التي تعمل جاهدة على تحقيق النصر المزعوم في أفغانستان والعراق، في تصور يبدو بعيد المنال بعد أن عجزت العسكرية الأمريكية عن تحقيق النصر في ظل تصاعد كبير للمقاومة في تلك البلدان التي يسعى أهلها للتحرر والاستقلال.
إنَّ الرهانات التي يراهن عليها المحتلون وأتباعهم باتت ضعيفة المنال، وصارت أشبه بالحلم الذي لن يتحقق بعون الله تعالى، ولن ينتظر من الشعوب المقهورة والمحتلة إلا مواصلة التضحية والمقاومة للوصول إلى التحرر والاستقلال.
الهيئة نت
حرب الانتخابات.. ونسيان الماضي القريب.. حسين الرشيد
