هيئة علماء المسلمين في العراق

فلسفة المستنقع، وضياع الخيارات.. علي الصراف*
فلسفة المستنقع، وضياع الخيارات.. علي الصراف* فلسفة المستنقع، وضياع الخيارات.. علي الصراف*

فلسفة المستنقع، وضياع الخيارات.. علي الصراف*

باستثناء بعض نزاعات تقف الدول الاستعمارية وراء تأجيجها أصلا، تبدو الغالبية العظمى من الدول الأفريقية في وضع مستقر نسبيا. الدول الرئيسية في القارة شرعت منذ بعض الوقت في برامج إصلاحات اقتصادية وسياسية واجتماعية تؤهلها للنظر الى المستقبل بثقة أكبر. هناك الكثير من المشكلات طبعا. ولكن هناك مقدار معقول من الاستقرار يسمح بتأمل الخيارات والمفاضلات بين الإستراتيجيات التي يمكن الأخذ بها لاستئناف مسيرة التنمية المُعطّلة. هذا الوضع يعنى ان العديد من دول القارة الأفريقية ثم القارة بمجملها تقف أمام مفترق طرق. وهو مفترق خيارات ومفاضلات أكثر منه أي شيء آخر.

ولا أحد يعرف أفضل من نخب هذه الدول نفسها ما هي الخيارات الأنسب، ولكنها بالتأكيد لا تحتاج الى قوة عسكرية من الخارج لتقول لها ماذا يجب أن تختار أو تفعل. فبوجود قوى عسكرية أجنيبة لـ"تقديم المشورة" و"المساعدات" و"المعونات" المزعومة لن تعود هناك "خيارات". وستجد الدول المعنية نفسها أمام وضع لا تستطيع معه أن تتحكم بأي شيء. فـ"المساعدات" لا تُقدم مجانا، والولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، والشركات الاحتكارية الكبرى لا توزع أرباحها على الفقراء قربى الى الله أو سعيا للدخول الى الجنة.

المسألة مسألة استغلال ومصالح وهيمنة و..."فتح أسواق"، لا أكثر ولا أقل. وعندما تشرع الولايات المتحدة بجعل تدخلاتها و... "أعمالها الخيرية" تنطلق من قواعد عسكرية ثابتة في القارة، فهذا يعنى انها تختار مسالك القوة لإملاء تلك المصالح.

نعم، توجد الكثير من النزاعات والاضطرابات في القارة. وهناك أيضا الكثير من مشكلات الفقر والمرض والحرمان، ولكن هناك مؤسسات إقليمية أفريقية عديدة يمكنها ان تلعب دورا في معالجة هذه المشكلات. وحيث تنمو الثروات في بعض أجزاء القارة، فان الاستثمارات بمقدار معقول من التعاون والشراكة الدولية يمكن ان تفتح طرقا كثيرة لمواجهة هذه المشكلات وفقا لأفضل مصالح المعنيين بها، و... وفقا لخياراتهم الخاصة أيضا.

القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا ""أفريكوم"" ليست مشروعا للاحتلال والهيمنة فحسب، ولكنها مشروع لصنع مستنقع او بالأحرى مجموعة مستنقعات أيضا. ومن خلال هذه المستنقعات سوف تسمح الولايات المتحدة لنفسها بالتدخل المسلح هنا وهناك، وتدبير انقلابات، وتمويل مليشيات، وتزوير انتخابات، وتحريك أحزاب ومنظمات، وإنشاء مجالس حكم، والتفريق بين الطوائف والجماعات الأهلية، وصنع كوارث إنسانية، تتيح للبنتاغون ان يقدم نفسه على انه "الأم تيريزا".

ولا يحتاج المرء الى عبقرية استثنائية ليعرف ان وجود هذه المستنقعات سيكون ضروريا لجعل بقاء القواعد العسكرية الامريكية يبدو مفيدا. وكلما زادت تلك المستنقعات عفونة، كلما أصبح بقاء تلك القواعد مطلبا للمليشيات و"الزعماء" المستفيدين منها.

هل هذا السيناريو غريب؟
هل ندلكم أين توجد نسخته الأخرى؟
هل من الضروري القول ماذا كان يعني وجود الغزاة بالنسبة لملايين الضحايا الذين يتم قصفهم حتى اليوم بالطائرات وتدمير منازلهم بالمتفجرات وقتل أبنائهم على الهوية واغتصاب نسائهم وتمزيق مجتمعهم ونهب المليارات من الثروات التي لا حارس لها ولا عدّاد؟

هل من الضروري القول ان الولايات المتحدة تحولت بفضل الفلسفة الإمبريالية للمحافظين الجدد الى قوة لا تعيش إلا في مستنقع، ولا تنمو اقتصادياتها إلا على النهب والدمار، ولا تتحقق هيمنتها إلا بارتكاب جرائم الحرب؟

"الجمعية الخيرية" التي تريد الولايات المتحدة وضع مقر لها في أفريقيا ستكون مصدرا للكثير من المآسي والآلام، ولكنها مع ذلك ستكون مصدرا لصنع المزيد من القلاقل والاضطرابات.

الوجود العسكري وسياسات العنف والقوة سوف تكون مصدرا للرفض. والرفض سيكون دافعا للقمع. والقمع سيكون محرضا على المقاومة. والمقاومة ستدفع الغزاة الى المزيد من الضرب والعقاب.. وهكذا.

ومثلما تجتذب القاذورات الذباب فان الوجود العسكري الأمريكي في القارة الأفريقية سوف يجتذب الإرهاب الذي يزعم هذا الوجود انه جاء ليحاربه.

ويخطئ من يظن ان الإرهاب يضر بالولايات المتحدة. انها تحتاجه بشدة؛ لأنه جزء من المستنقع الذي يتيح لها ان تُملي مصالحها بالقوة، كما انه سيكون ضروريا لتشويه صورة أية مقاومة وطنية تقاتل من اجل استعادة السيادة والاستقلال.

بسعيها لاقامة قواعد عسكرية في أفريقيا، سوف تصنع الولايات المتحدة مستنقعات للقهر والقسر والوحشية، وتترك ضفافها زلقة بما يكفي لكي يغرق فيها مَنْ يغرق.

ولكن الأمر الذي سيكون الأكثر إثارة لمشاعر الأسى هو ان الدول الرئيسية في القارة ثم القارة بمجملها عندما كانت تقف على مفترق طرق لتختار، وجدت نفسها عاجزة عن المفاضلة بين الخيارات. وسيكون أمامها طريق واحد فقط: الإذعان لمطالب الغزاة، وقبول "مساعداتهم" "أي تدخلاتهم، أعمال نهبهم ورشاواهم".

لكي لا تكون هناك مقاومة ولا مآسي ولا إرهاب، امنعوهم من المجيء أصلا، ولا تمنحوهم أية تسهيلات. اطردوهم.. لعنة الله عليهم وعلى فلسفة المستنقع التي عليها يعيشون.

-----------------
* مستشار تحرير "العرب الأسبوعي"


العرب اونلاين

أضف تعليق