((الاكراد يكتشفون مرة ثانية انهم ضحية للتوافقات الاقليمية مهما كان عمق علاقاتهم بالأميركيين))..
بعد ان تنفسوا الصعداء، واعتقدوا ان تحالفهم مع الأميركان لن يتعرض لأي عاصفة هوجاء، يشعر الأكراد اليوم بعمق بان علاقاتهم مع الأميركان تزداد سوءا يوما بعد يوم، وباتوا يشعرون ان الولايات المتحدة تفضل صديقتها القديمة - الجديدة عليهم.
والحق ان مسألة تأجيل تطبيع الأوضاع في كركوك والمعلومات الاستخباراتية التي قدمتها واشنطن لأنقرة، كلها مؤشرات بان العلاقة الأميركية تتقدم مع تركيا وتتراجع مع الأكراد مع ان الأكراد التزموا بالنصائح الأميركية التي كانت تطالب بتحسين وضعهم مع الجارة التركية، وأصر الأكراد (تبعا لتلك النصائح الاميركية واستجابة للمتطلبات الحياتية الطبيعية) ان تبقى العلاقات بينهم وبين جارتهم مفتوحة على آفاق ايجابية عبر تعزيز واحترام المصالح التركية في العراق واحترام إرادتها.
بيد ان الأتراك اعتبروا الخطوات التي يقوم الأكراد بها تجاههم بمثابة "مسح الجوخ"، وتخدم حزب العمال الكردستاني في مناطق أكراد تركيا من جهة، وتعزز موقع البرازني أكثر في أوساط "النقشبنديين" الموالين بالفطرة للبارازانيين في تركيا من جهة أخرى.
ولا نستغرب ان التجاذبات التي حصلت بين الأكراد وتركيا في المرحلة الاخيرة كانت عاملا مهما لتدهور العلاقات بين الأكراد والأميركان الذين خدعوهم لمرات عدة، وكانت أسوأ تلك الخدع في أواسط السبعينات معروفة بخدعة كيسنجر للبارازاني الأب.
والآن لم نعد نسمع من الأكراد وخصوصا المثقفين منهم (السياسيون يتجنبون هذا الحديث للمتطلبات الدبلوماسية والسياسية) ان تحالفهم مع الاميركان بات قويا، وهم يدركون حسن الإدراك ان علاقة أنقرة تتعزز مع واشنطن على حساب علاقة واشنطن باربيل "عاصمة أكراد العراق".
والحق ان غض الطرف الأميركي عما يجري مع الأكراد في محنتهم هذه ساعدت على استعادة واشنطن نفوذها في تركيا -التي فقدت بعد قرار البرلمان التركي بعدم السماح لعبور الجيش الأميركي من الأراضي التركية، وتاليا بمنعهم من فتح الجبهة الشمالية في العراق في شباط 2003.
وما ان اتخذ الأتراك هذا القرار حتى قام الأميركان بتهديد تركيا بقطع علاقاتهم معها، فقد صرح بعض المسؤولين الأميركان بان على الأتراك ان "ينسوا ان كردستان حديقتهم الخلفية" الأمر الذي دفع الأكراد الى تصديق الأميركان، واعتبروا ان مستوى علاقاتهم مع الاميركان صار أحسن، وظنوا ان الأميركان سيكونون الى جانبهم الى الأبد.
ما أشبه اليوم بالبارحة، فما جرى مع الأكراد في أواسط سبعينات القرن المنصرم - عندما وافق الأميركان على اتفاقية الجزائر بين العراقيين والايرانيين التي أتت بالأساس لدحر الثورة البارازانية - يجري اليوم أيضا.
فبعد زيارة اردوغان الاخيرة الى واشنطن وقبول الأميركان بشن حملات عسكرية على العمال الكردستاني في داخل الأراضي العراقية، لم تعد العلاقة الكردية الأميركية في أحسن الأحوال، ولعل رفض مسعود البرازاني مقابلة رايس وزيرة الخارجية الأميركية في أواسط الشهر المنصرم ما هو إلا حقيقة ساطعة مفادها ان العلاقات بين الأكراد والأميركان أصبحت على حافة الهاوية.
وزادت العلاقة سوءا عندما طلبت رايس تأجيل تطبيع الأوضاع في كركوك، وان حل مسألة كركوك سيجري عبر إيجاد التوافق والاتفاق بين جميع الأطراف على عكس ما يريده الأكراد عبر تنفيذ المواد الدستورية.
ثمة من يرى ان الموقف الأميركي المتناغم مع تركيا جعل المثقفين الكرد يشكون بالأداء السياسي لقادتهم، وساهم في الإساءة للعلاقة بين أكراد العراق والعمال الكردستاني، ولا نعرف بالضبط هل باستطاعة الأكراد عدم الاستجابة للمطالب التركية وتسليمها لـ"قطة كردية" لها ام لا.
والحق ان رئيس "إقليم كردستان العراق" مسعود البرازاني وجلال الطالباني يلامان الآن في الوسط الكردي، ومرد هذا اللوم الى أنهما لم يفعلا شيئا لأكراد تركيا في محنتهم هذه.
الدرس المستقى من العراق والصراع الكردي التركي بالنسبة للأكراد على الأقل، هو انهم لا يستطيعون فعل أي شيء من دون رضا أميركي.
والحق ان واشنطن - مثلما وضع كيسنجر البرازاني الأب في الإحراج أمام مناصريه - تضع مسعود البارازاني أمام إحراج أكبر أمام الشعب الكردي.
وحسب المنطق الكردي فليس سهلا ان يذهب التهديد الذي وجهه البارزاني لتركيا في إحدى حواراته التلفزيونية والذي قال حرفيا: "إذا تدخلت تركيا في شؤون العراق، فلنا الحق أيضا التدخل في شؤون الملايين الأكراد في تركيا".. ان يذهب هباء منثورا.
ولا نستغرب ان الكثيرين من المتابعين يقولون ان حديث البارازاني أمام تلفزيون "العربية" أصبح لا معنى له بعد القصف الجوي التركي المتكرر في داخل الأراضي الكردستانية.
وفي المواقع تدعي أنقرة أنها مواقع استراتيجية للحزب العمال الكردستاني، مع ان حزب العمال يدعي أنه ترك تلك المناطق وانهم يتمركزون الآن في مكان ما في داخل الأراضي التركية، شغوفون في إيجاد تكتيكات عسكرية جديدة لأنفسهم تحميهم من غضب الأتراك، وتفسح المجال أمامهم لتقرير التطور النهائي لمستقبلهم في ظل التطورات بين العراق وتركيا والاميركان التي أتت على غير مصلحتهم.
الأشهر الاخيرة كانت صعبة بالنسبة للأكراد، فبعد الحديث عن ان التحالف الشيعي - الكردي أصبح انهياره قاب قوسين أو أدنى، يزداد الحديث بشكل أقوى عن تدهور العلاقات بين الأكراد والأميركان.
والسؤال: هل عادت مقولة الأكراد "بأنهم أصدقاء الجبال" على السطح مرة أخرى؟
والسؤال الآخر: ترى الى متى ستقبل الأطراف (الخارجية والداخلية) ان يعتبروا الأكراد شركاءهم الطبيعيين؟
فاروق حجي مصطفى/ صحافي وكاتب سياسي كردي سوري
ميدل ايست اونلاين
خدعة كيسنجر للبارازاني بحلة جديدة.. عن تدهور العلاقات الأميركية الكردية.. فاروق حجي مصطفى
