رصدت جمعيتان أمريكيتان تصريحات الرئيس الأمريكي وطاقم إدارته وبياناتهم عن مبررات الحرب على العراق منذ 11/9/2001 وحتى بداية غزوه، فتبين لهما ان عدد تلك التصريحات والبيانات الكاذبة قد بلغ 935 تصريحا وبيانا.
لا شك في أنه رقم كبير وضخم جدا، لكنه ليس مستغربا من إدارة احترفت مهنة الكذب والتآمر على الجنس البشري، فلعلها من خلال تلك الأكاذيب تسوغ منظومة أفعالها الإجرامية فتقنع بها الرأي العام العالمي.
لقد ابتليت أمتنا العربية من بين الأمم بالأكاذيب والمؤامرات العالمية حتى راحت ضحيتها، فقد بدأ عصرنا الحديث بأكذوبة دول التحالف على العرب حينما نكثوا بتعهداتهم التي قطعوها للشريف الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى بالتمكين لإقامة الدولة العربية الواحدة بعد استقلالهم عن "الاستعمار التركي العثماني"، ليتبين أن سايكس وبيكو كانا في الظلام يتربصان الشر والسوء بوحدة هذه الأمة حينما مزقا بقلم رصاص خريطتها الموحدة لتتحول فيما بعد إلى مجموعة كبيرة من المناطق والدول التي تقاسمها الاستعمار الفرنسي البريطاني، لتصبح فيما بعد الفرقة هي رائدة التنسيق بين تلك الأجزاء، والضعف هو محصلة عملها المشترك.
كما تسلل الاستعمار التقليدي القائم على الاحتلال العسكري المباشر إلى منطقتنا العربية تحت أكذوبة إعمار منطقتنا لإنقاذها من براثن الفقر والجهل والمرض، وذلك تحت مسوغ أن الاستعمار مشتق من الإعمار والبناء كي يكون مستساغا ومقبولا، ليتبين للأمة أن نتائج هذا الإعمار المزيف كانت مزيدا من الضعف والجهل والفقر الذي أدى بدوره إلى زرع الكيان الصهيوني الكريه في قلب امتنا، لتكون مهمته إيجاد حالة مستدامة من العبث والتخريب والإنهاك الشامل في أوصالها.
فمنطقتنا العربية بموقعها الاستراتيجي وبمكانتها الدينية العظيمة ودورها الرائد في مسيرة الحضارة العالمية وثرواتها الطبيعية الهائلة وفي مقدمتها النفط والغاز إنما تمثل بمجملها هدفا استراتيجيا وصيدا سمينا وثمينا لقوى الاستكبار والاستعمار العالمي؛ لذا فهي من منظور تلك القوى وفي مقدمتها الصهيونية العالمية والتحالف الإنجلوأمريكي تستحق أن يدبج بحقها آلاف لا بل عشرات الآلاف من البيانات والتصريحات والمقولات الكاذبة والمزيفة والميكيافلية التي من شأنها تسهيل الهيمنة عليها.
المأساة لا تتمثل بمن يكذب علينا ويزيف لنا الحقائق، فذاك صادر عن عدو مكشوف، بل تتمثل بمن تنطلي عليهم من أبناء الأمة تلك الحزمة من الأكاذيب السياسية المزيفة، فيتقبلونها لا بل يتزمتون في الدفاع عنها وكأنها حقائق إلهية حينما يدعون ويرددون أنها جلبت لنا التحرير والديمقراطية وصناديق الاقتراع من اجل انتخاب النخبة والصفوة!! التي جاءت ممتطية على أكتاف دبابات الأعداء وأسنة صواريخهم وحد مؤامراتهم، ممن أصيبوا بداء وهوس الوصول إلى سدة الحكم بأية وسيلة كانت، وبأي ثمن سياسي فظيع مهما بلغ حتى لو كان الدوس على كرامة الأمة وتمزيق صفها، وعلى حساب أوطانهم وأشلاء شعوبهم ومستقبل أجيالهم؛ لذا تجدهم في مقدمة من يتبنون تلك الأكاذيب الكريهة التي مفادها أن العالم أصبح بعد غزو العراق واحتلاله أفضل مما كان عليه سابقا بغض النظر عما تسببت به وجلبته من عار ومآسٍ وكوارث فظيعة على الأمة.
وإذ يعتبر ان حبل الأكاذيب قصير، فلا بد أن يتكشف المزيد منها، ولا بد للأمة في قادم أيامها أن تتحرر من أكاذيب المعتدين ومن مؤامراتهم وغزوهم واحتلالهم، وفي مقدمته الاحتلال المركب الصفوي الإنجلوصهيوأمريكي، مثلما تحررت في سالف أيامها من غزو الروم والفرس والتتار والمغول والصليبيين ومن جاءوا بعدهم أو ساروا على دربهم.
جريدة الرأي الأردنية
935 كذبة ما قبل الغزو.. وما بعده أعظم.. بسام الكساسبة
