هيئة علماء المسلمين في العراق

الحربُ.. وحصادُ الجنود...حسين الرشيد
الحربُ.. وحصادُ الجنود...حسين الرشيد الحربُ.. وحصادُ الجنود...حسين الرشيد

الحربُ.. وحصادُ الجنود...حسين الرشيد

الحربُ.. وحصادُ الجنود...حسين الرشيد منذ أن احتلت الولايات المتحدة الأمريكية بلادَ الرافدين بحججٍ أوهى من بيت العنكبوت، بان زيفُها بعد أسابيع وشهور من الغزو الظالم، وقواتها تواجه مقاومة شرسة وحملة شعبية منظمة، بشكلٍ فاجأ المجتمع الدولي جميعًا، بما فيها قوات الاحتلال!! إذ أسقطت المقاومة الباسلة هيبة أمريكا، ومرَّغت أنفها في التراب، واستنـزفت قواتها العسكرية، وأربكت اقتصادها وميزانيتها، وأنهت الحلم الإمبراطوري التوسعي الذي كان يراود الأمريكيين منذ أن انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بزعامة العالم.وإنَّ الحقيقة التي لا تقبل نقاشاً تتجسد في كلمةٍ مفادها: أنَّ الرياح جرت بما لم تشتهِ إدارة البيت الأبيض حينما قررت إشعال الحرب واحتلال العراق منذ خمسة أعوام..

فتلك التوقعات الوردية التي كان يتوقعها مُسَعِّرُو الحرب بأنَّ العراقيين سوف يستقبلون جنود الاحتلال (التحرير) بالورود قد تبددت، وأصبحت من سخريات الماضي والحاضر!! ليقع هؤلاء الجنود الهلكى في مستنقع العراق الذي سقطوا فيه – طواعية وكرهًا– وهم لا يعرفون الخروج منه، إلا وهم على نعوش الموت الذي لا يكاد يفارق فكر وخيال أي جندي من أولئك الجنود.وأريد اليوم أن أتطرق إلى قضيتين مهمتين جديرتين بالطرح والإيضاح.. ولعل الكلام عن أولاهما يأتي نتيجة لتلك المقدمات التي ذكرتها قبل قليل؛ إذ يعيش جنود الاحتلال أسوأ أيام حياتهم في العراق نتيجة المقاومة الباسلة.. وهناك قصص كثيرة ومثيرة، تجسدت فيها اعترافات بعض هؤلاء الجنود، الذين يجدون موعدهم مع الموت الذي أصبح لازمًا من لوازم تفكيرهم وخيالهم.. وأجد نفسي مضطرًّا لاختيار إحدى تلك القصص؛ حتى يطلع عليها القارئ الكريم. قرأت على أحد المواقع الإلكترونية في قصة واقعية تُذَكِّر بقصة فيلم ((البحث عن الجندي رايان)).. ويتحدث مضمونها بأنَّ قوات الاحتلال الأمريكي في العراق أعادت الجندي جاسون هوبارد إلى موطنه ((أمريكا))، بعد مقتل شقيقيه جوناثان وغارد، في الحرب المتواصلة على العراق.وكان جاسون هوبارد بانتظار جثمان شقيقه جوناثان (21عامًا)، الذي وصل إلى مطار ((فريسنو)) الدولي بولاية كاليفورنيا بأمريكا، والذي حمله أفراد حرس الشرف في الجيش، ملفوفًا بالعلم الأمريكي وعليه قبعته العسكرية.والمفارقة هنا أن جوناثان لقي حتفه قبل 30 يومًا فقط من الموعد المقرر لعودته إلى أرض الوطن (أمريكا)، وكان كلّ ظنه أنه سيرجع منتصرًا، رافعًا راية الغزو بين أهله ومستقبليه، إلا أنَّ القدر شاء إلا أن يجد حتفه على الأرض التي دنَّسها هو ومن معه من مرتزقة الاحتلال، وقبلهم الإدارة الأمريكية.. ليكون القتيل الثاني من عائلة واحدة أرسلت ثلاثة من أبنائها للحرب في العراق.وهذه ليست المأساة الوحيدة التي تصيب عائلة هوبارد، فقد فُجِعَ الوالدان (جيف وبيغي) بمقتل ابنهما (غارد)، الذي لقي حتفه في العراق أيضًا، في العام 2004م، بعبوة ناسفة كانت مزروعة على جانب الطريق أصابت دوريته.. وقد شكَّلت مفاجأة كبرى، جعلت والد القتيل يقول: «إنه لا يمكن لأب أن يكون مستعدّاً لفجيعة أخرى»!!وبعد ستة أشهر من مقتل (غارد) في عام 2004م، قرر الشقيقان الآخران (جوناثان) و(جاسون) التطوع في الجيش والخدمة معًا، لتكريم ذكرى شقيقهما والسير على خطواته -على حد زعمهما-.إلا أن (جوناثان) قضى قتيلاً في 22 أغسطس/آب الماضي، مع 13 جنديًّا آخرين من جنود الاحتلال، في تحطم مروحيته من طراز (بلاك هوك)، أثناء عودتهم من مهمة استطلاعية في جنوب كركوك.أما (جاسون)، الذي يخدم في الفصيلة نفسها مع شقيقه، فقد كان في مروحية أخرى، كما أنه كان ضمن الجنود الذين تم تكليفهم بتأمين موقع تحطم المروحية، ولم يكن يعرف أنها التي كانت تُقِلّ شقيقه، إلا عند وصوله إلى الموقع.ويستذكر (جاسون) تلك اللحظة قائلاً: «لقد كان علينا أن ننقل أكثر عدد ممكن من الجنود إلى خارج المروحية المحطمة»، مضيفًا «لكنني لم أتمكن من المشاركة في ذلك، فقد عرفت أن جوناثان كان داخلها، وحاولت عدة مرات أن أستجمع قواي، إلا أنني لم أستطع».وقد دفن (جوناثان) إلى جانب شقيقه غارد في مقبرة (كلوفيس) العسكرية في كاليفورنيا، التي خصصها الأمريكيون لدفن جثامين قتلاهم في العراق.وطبقًا لسياسة وزارة الدفاع الأمريكية، التي لا تسمح للابن الوحيد بخوض الحرب حفاظًا على حياته، لن يعاد (جاسون) إلى العراق، بل سيرجع وزوجته وابنه إلى قاعدته في هاواي.  وأما الأمر الثاني الذي أريد التركيز عليه، فهو أن وتيرة المقاومة لا تزال تحافظ على انسيابيتها ونسقها العام، الذي ابتدأت عليه؛ خلافًا لتلك الدعاوى الفارغة التي يتبناها المثبِّطون والمرجفون، في أنَّ المقاومة تشهد تراجعًا في عدد العمليات ونوعيتها.. ولعلَّ أقرب مثالٍ على صحة ما أقول مما يقع أمام عيني الآن، هي تلك الأنباء التي تتحدث عن مقتل وإصابة أحد عشر جنديًّا من جنود أمريكا في يوم واحد فقط، وفي محافظتين من محافظات شمال العراق فقط، وفق ما أعلنته المصادر الأمريكية، التي لا يتردد أي متابع في الشك في مصداقيتها وصحتها.. ففي يوم الأربعاء 10/كانون الثاني 2008م أعلن جيش الاحتلال الأمريكي مقتل تسعة من جنوده وإصابة ثلاثة آخرين في محافظتي ديالى وصلاح الدين.. ليرتفع بذلك عدد قتلى جنود الاحتلال خلال العشرة أيام الأولى من بداية عام 2008م إلى سبعة عشر قتيلاً، في وقتٍ أعلن فيه جيش الاحتلال أنَّ عام 2007م المنصرم كان أكثر الأعوام دموية على قوات الغزو الأمريكية منذ احتلال العراق عام 2003م.وللتوضيح، فقد شهد النصف الأول من عام 2007م مزيدًا من قتلى الاحتلال؛ إذ قتل (83) جنديًّا في شهر يناير/ كانون الثاني، و(81) قتيلاً في فبراير/ شباط، و(81) قتيلاً في شهر مارس/ آذار، و(104) قتلى في أبريل / نيسان، و(126) قتيلاً في شهر مايو/ آيار، الذي اعتُبر ثالث أسوأ شهر تعيشه قوات الاحتلال منذ الغزو، وسقط (101) قتيل في شهر يونيو/ حزيران، فضلاً عن مصرع (889) جنديًّا أمريكيًّا في النصف الثاني من ذلك العام.ومما يجب بيانه في هذا الصدد، أنَّ بعض الأشخاص والجهات المأجورة والمشبوهة تحاول جاهدة -في إطار تمويلٍ ودعمٍ أمريكيٍّ وحكومي- التقليل من الكمّ الهائل من عمليات المقاومة التي تقوم بها الفصائل الجهادية في العراق، وتحاول تلك الجهات بكل ما أُوتيت من خبثٍ ومكر تحويل تلك الانتصارات الكبيرة إلى هزائم وفشل ذريع لمشروع الجهاد في العراق، في إطار تبني نظرية أمريكية خبيثة، في وقتٍ أُصيب فيه ساسة الغرب عمومًا وأمريكا خصوصًا بالذهول نتيجة المقاومة والصمود، وما ترتب على مقاومة قوات الغزو من نتائج كارثية تحملها الاحتلال وأذنابه طوال خمس سنين، بعد أن عجزت القوة العسكرية الأمريكية والغربية عن تحقيق الانتصار أمام مجموعات المقاومة الجهادية في أرض العراق.. وقد حققت المقاومة بصمودها وجهادها وتضحيةِ وثباتِ أبنائها ما لم تحققه جيوش نظامية في مواجهة قوات الغزو الأمريكي.. وإنَّ ما فرضته المقاومة على الأرض يمثل انكسارًا وهزيمة للعسكرية الأمريكية، بما لا يمكن لأي عاقل وحصيف إنكاره أو تجاهله. 
                                            * * *
إنَّ ما يحدثُ يوميًّا في العراق يؤكد لكل عاقل من عقلاء الكون بأنَّ الحرب في العراق لن تكون من صالح أمريكا، وأنَّ النصر الذي ينشدون لن يتحقق ما دام هناك منافحين ومدافعين، لن يترضوا أن تدنس أرضهم، أو تنهب خيراتهم، أو تخرب مؤسساتهم، أو تنتهك أعراضهم، أو أن يقتل أبناؤهم وشبابهم.. حتى أصبح من لوازم العقل الصحيح الإدراك جيدًا بأنَّ الخاسر في هذه الحرب المشتعلة هما الشعبان الأمريكي والعراقي على حد سواء.. ومن يقول بخلاف ذلك –من ساسة أمريكا– فإنه يلهث وراء سراب، لم ولا ولن يتحقق في أرض بلاد الرافدين، وصدق الله القائل: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].

أضف تعليق