إن محبة النبي – صلى الله عليه وسلم - من الإيمان، بل هي أصل من أصوله، ولن يجد حلاوة الإيمان إلا من كان الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما كما قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما،
وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النار"(1). وقد قال – صلى الله عليه وسلم - أيضاً: "أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله"(2)، وإذا كان بُغض الأنصار يُعدُّ - بنص كلام الرسول – صلى الله عليه وسلم --(3) من النفاق، فبغض الرسول – صلى الله عليه وسلم -أشد أنواع النفاق والكفر.
إن محبة النبي – صلى الله عليه وسلم -من مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله، وهذه الشهادة ركن من أركان الإسلام، لا يصح إسلام العبد إلا إذا كان يشهد بذلك، ولا بد في صحة هذه الشهادة من محبته – صلى الله عليه وسلم - محبة عظيمة فوق محبة النفس والمال والوالد والولد والناس أجمعين، كما قال – صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده والناس أجمعين"(4) ولما قال له عمر - رضي الله عنه -: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي؟! فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال عمر: فإنه الآن لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "الآن يا عمر" (5) أي: الآن فقط تم إيمانك.
ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر– صلى الله عليه وسلم - واجتناب ما نهى عنه وزجر، وتصديقه فيما أخبر، وأن لا يُعبَد الله إلا بما شرع.
وهي بمعنى النصح لنبينا – صلى الله عليه وسلم - الوارد في حديث تميم الداري أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة"، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"(6). فحصر النبي – صلى الله عليه وسلم - الدين كلّه في ذلك، وهو في الحقيقة يتضمن الدين كله. فالنصيحة لله - عز وجل - هي معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
والنصيحة لرسوله – صلى الله عليه وسلم - هي معنى شهادة أن محمداً رسول الله. وشرح ذلك يطول.
وهذه المحبة له – صلى الله عليه وسلم - أن تضبط بميزان الشرع المطهر الذي جاء به نبينا – صلى الله عليه وسلم -، فلا تصل هذه المحبة إلى عبادته – صلى الله عليه وسلم - أو إلى مساواتها بمحبة الله - عز وجل -، ولهذا قال الله - تعالى -: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله {البقرة: 165}.
فإذا كان من ساوى بين الله وبين غيره في المحبة يكون مشركاً كافراً فكيف بمن كان يحب غير الله أكثر من الله - سبحانه -؟!
ولهذا يقول المشركون الغاوون عندما يكبهم الله في النار يوم القيامة تالله إن كنا لفي ضلال مبين 97 {إذ نسويكم برب العالمين} {الشعراء: 97-98}.
وهذه المحبة تقتضي طاعته – صلى الله عليه وسلم - فلا يُعبد الله إلا بما شرع، ولا يعمل عملاً ليس عليه أمره – صلى الله عليه وسلم - ، بل لا يُحدث في أمره ما ليس منه، إذ لا يقبل العمل، ولا تقبل العبادة، إلا إذا كانت على وفق ما جاء به – صلى الله عليه وسلم - ، ولهذا يقول الله - عز وجل -:{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} 31 {آل عمران: 31} ويقول - سبحانه -: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} {النساء: 80} وقال - جل وعلا -: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} 7 {الحشر: 7}.
والرسول – صلى الله عليه وسلم - أمرنا باتباع سنته ونهانا عن الابتداع فقال – صلى الله عليه وسلم -: "..أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"(7)، وقال – صلى الله عليه وسلم - : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"(8) وقال أيضاً: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"(9) أي: مردود عليه غير مقبول منه.
فلا يقبل الله من الأعمال والأقوال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، وموافقاً لهدي سيد المرسلين نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم - كما قال - سبحانه - :{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} {الملك: 1-2}.ولم يقل ليبلوكم أيكم أكثر عملاً، بل قال: أيكم أحسن عملاً، وأحسن العمل ما كان خالصاً صواباً كما قال الفضيل بن عياض - رحمه الله -: فإذا كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل.
وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، والخالص ما كان لوجه الله - سبحانه -، والصواب ما كان موافقاً لما جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .
قال - جل وعلا -: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} {البينة: 5} وقال - تعالى -: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} {الزمر: 11} والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وفي ختام هذا المقال لابد من بيان بعض فضائله – صلى الله عليه وسلم - الموجبة لمحبته، فإنه – صلى الله عليه وسلم -رسول رب العالمين إلى الخلق أجمعين، كما قال - سبحانه -: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} 107 {الأنبياء: 107} وقال – صلى الله عليه وسلم - : "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: - وذكر منها: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"(10) وهو – صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والمرسلين كما قال - سبحانه - :{ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} {الأحزاب: 40} وهو – صلى الله عليه وسلم - : سيد الأولين والآخرين، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، بل هو أفضل أولي العزم الخمسة المذكورين في موضعين من كتاب الله - عز وجل - في سورتي الأحزاب والشورى وهم: (نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد) صلوات ربي وسلامه عليهم، ونبينا محمد – صلى الله عليه وسلم - هو كليم الرحمن وخليله؛ بل هو أفضل الكليمين والخليلين، وهو أول من ينشق عنه القبر، وهو أول من يجتاز الصراط، وهو أول من يستفتح باب الجنة، وهو صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، والشفاعة العظمى، وفضائله لا تعد ولا تحصى، كيف لا؟ وهو أفضل الخلق على الإطلاق، له الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة عند ربه - جل وعلا -، ففي الجنة درجة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله - عز وجل -، وهذا العبد ليس إلا هو – صلى الله عليه وسلم - .
جزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن اتبعه واهتدى بهداه إلى يوم الدين، اللهم آمين.
--------------------------------------------------
(1) البخاري (6790) مسلم (128).
(2) أخرجه الطبراني وصححه الألباني، صحيح الجامع (2539).
(3) كما قال {: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بُغض الأنصار" فمن باب أولى حب المهاجرين من الإيمان، وبغضهم من النفاق، فكيف من أبغض النبي – صلى الله عليه وسلم -؟! إن من أبغضه فهو رأس المنافقين.
(4) أخرجه البخاري (15) ومسلم (131) من حديث أنس.
(5) البخاري (6485).
(6) مسلم (159) وأحمد 5-71 واللفظ له.
(7) أحمد 5-109 والترمذي (2746) وأبو داود (4599) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(8) مسلم (4447) من حديث عائشة.
(9) صحيح ابن حبان (27).
(10) البخاري (333) ومسلم (1115) من حديث جابر بن عبد الله.
د. عايض بن فدغوش الحارثي
المختار الاسلامي
محبة النبي صلى الله عليه وسلم ... د. عايض الحارثي
