ادخال الوقود وبعض شحنات المواد الغذائية او الدواء الى قطاع غزة ليس حلاً للمشكلة، لأن \"اسرائيل\" يمكن ان تغلق المعابر وتشدد الحصار في الاسبوع القادم، وتعيد الكرة مرة اخرى وفي اي وقت.
والحل المؤقت هو رفع الحصار نهائيا عن غزة وبقية الاراضى الفلسطينية، اما الحل الدائم فهو انهاء الاحتلال ليس على طريقة الرئيس الامريكى بوش الذي ينتهج سياسة تجعل من انهاء الاحتلال مسألة مستحيلة، كما يطبق سياسة تجعل اقامة دولة فلسطينية من رابع المستحيلات.
والحرب "الاسرائيلية" – الامريكية ضد غزة تحتاج الى ردود، اولها انهاء الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني فوراً وتشكيل قيادة موحدة للمقاومة ووضع استراتيجية فلسطينية – عربية جديدة في مواجهة المجتمع الدولي المتواطئ مع حرب الابادة ضد الشعب الفلسطيني، والبحث عن طريق آخر غير المفاوضات مع أولمرت والهرولة وراء سراب دولة موعودة.
حرصت صحيفة هآرتس "الاسرائيلية" في مقال افتتاحي باسم اسرة التحرير على تذكير قرائها بكلمة التأبين التي قالها رئيس الاركان "الإسرائيلي" موشي ديان قبل خمسين عاما بمناسبة مصرع احد "الاسرائيليين" في مستعمرة ناحل عوز.. قال ديان: ما لنا نشكو من كراهيتهم الشديدة لنا – يقصد الفلسطينيين – إنهم يعيشون منذ ثماني سنوات في مخيمات للاجئين في غزة، وأمام عيونهم.. نقوم نحن بجعل الارض والقرى التي عاشوا فيها هم وآباؤهم ملكاً لأنفسنا.
كان ذلك في عام 1958، ولم تكن قد مضت سوى ثماني سنوات على مخيمات اللاجئين في غزة، الآن تنقضي خمسون سنة على وجود هذه المخيمات، ونستطيع ان نتصور الى أي مدى يبلغ الآن حجم وعمق هذه الكراهية.
وتعترف صحيفة هآرتس بأن غزة صارت اكثر فقرا، وانه منذ ثلاثين سنة استوطن "الاسرائيليون" في مناطق واسعة داخل القطاع، واقاموا فيها منازل وقاعات و"صوبات" زراعية، الامر الذي ادى الى تفاقم اليأس بين سكان مخيمات اللاجئين.
قفزة نوعية
ما يحدث الآن هو قفزة نوعية في التصعيد العسكري "الاسرائيلي"، وكما يقول المعلق الفلسطيني سميح شبيب فانه لا شيء يوحي او يدل على ما يشهده قطاع غزة من نزيف دموي وسياسي واقتصادي واجتماعي سيتوقف.. فـ"اسرائيل" الآن تتصرف وهي مطلقة اليد: تقوم باغلاق المعابر وتضييق الخناق على منافذ القطاع، وتمنع المواد الغذائية والادوية والوقود، وترفع وتيرة الاجتياحات والاغتيالات، وتحرم السكان من كل مقومات الحياة.
وقد تفاخر رئيس جهاز مخابرات الامن الداخلي "الاسرائيلي" "الشاباك" يوفال ديسكين بقتل 810 فلسطينيين خلال عامي 2006 و2007.
غير ان آفي ديختر – وزير الامن الداخلي ورئيس "الشاباك" السابق - اعتبر ان هذا العدد غير كاف! فالرقم لا يمثل – في تقديره – سوى 5 % من مجموع من اسماهم بـ"المخربين" او "الارهابيين" في قطاع غزة!
وكما هو معلوم فان "اسرائيل" تستخدم في حربها ضد قطاع غزة والضفة الغربية كل الاساليب الاجرامية، فهي تقتل رجال المقاومة كما تقتل المدنيين من الاطفال والنساء والشيوخ، وفي الوقت نفسه فان "اسرائيل" تضع مليونا واربعمائة الف فلسطيني في قطاع غزة داخل سجن كبير، وتفرض عليهم عقابا جماعيا يشمل الحرمان من الطعام والدواء والعلاج والكهرباء والمياه، وحتى كتابة هذه السطور توفي 75 فلسطينيا بسبب نقص وسائل العلاج داخل غزة.
والعقاب الجماعي.. اسلوب استخدمه الألمان النازيون الهتلريون أثناء الحرب العالمية الثانية. وهكذا أصبح جميع سكان غزة "مخربين" و"ارهابيين"!
الأطفال "الإرهابيون"!!
وقد أصدرت منظمة بتسليم "الاسرائيلية" لحقوق الانسان بيانا تتساءل فيه: هل ماريا عوكل ابنة الخمس سنوات مخربة وارهابية؟ وهل الأطفال الذين قتلتهم قوات الاحتلال وعددهم 152 طفلاً و48 دون الرابعة عشرة من الارهابيين؟.
واضاف بيان المنظمة "الاسرائيلية": هل تشمل قائمة يوفال ديسكين اسماء الطفلة آية الاسطل ابنة الثماني سنوات، ومهند أمين ابن الست سنوات، ويحيى ابو سلامة ابن التسع سنوات وأخاه نصر الله ابن الخمس سنوات؟ وهل تضم قائمة ديسكين أسماء ميساء ومرام وسعد ومحمود العتامنة.. وكلهم لم تتجاوز أعمارهم التسعة شهور؟ وهل يعتبر ديسكين ان هديل ريبان ابنة السابعة ومحمود وسارة ابو رغال ابناء الثمانية "ارهابيين" ودمهم مباح؟..
وكم عدد الأطفال الذين يجب قتلهم حتى يرتوي آفي ديختر المتعطش للدم.. وحتى يعتبر أن عدد القتلى.. كاف؟!
وتستخدم "اسرائيل" طائرات اف – 16 الامريكية الصنع لقصف الاحياء السكنية المكتظة التي تتكدس بيوتها وتتلاصق، ويعيش فيها البشر فوق بعضهم البعض في أكثر الاماكن كثافة سكانية في العالم بحيث يعجز حتى أمهر الطيارين عن تحديد هدفه بدقة، ولكن لماذا التدقيق؟
ان الطيار سوف يتلقى التهنئة من رئيس الوزراء "الاسرائيلي" ايهود أولمرت في كل الاحوال ما دام قد قتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين! فهذا هو الانجاز المطلوب! فالمقتول لا بد ان يكون "ارهابيا"! واذا لم يكن "ارهابيا" اليوم فسوف يصبح كذلك غداً عندما يتجاوز مرحلة الطفولة! واذا كانت المقتولة امرأة، فهذا افضل حتى لا تلد في يوم من الايام ولداً يمكن ان يصبح "ارهابيا"!! والبيت المهدم يندرج في اطار الانجازات؛ لأنه يصلح لكي يكون مأوى للـ"ارهابيين" في اي وقت من الاوقات!
الضحية.. "إرهابي"، والقاتل السفاح متحضر وديمقراطي! والمجازر الامريكية في العراق وافغانستان، والمجازر "الاسرائيلية" في لبنان، ليست "ارهابا"، وانما هي من اجل حقوق الانسان!
ودولة الاحتلال ليست "ارهابية"، وانما هي تقف في الصف الاول دفاعا عن الحرية والمدنية والسلام والامن! ثم انها "تدافع عن نفسها" في مواجهة طائرات ومدرعات وأساطيل الفلسطينيين.
بلا رحمة
لقد أصبحت كلمة "الارهاب" لا تنطبق على وجه الخصوص سوى على العربي.. ضحية "الارهاب"، والآن يتعهد أولمرت بأن هذه الحرب لن تتوقف، بل سوف تستمر بلا رحمة، وبلا تسوية، وبلا تنازلات، انها حرب "اسرائيلية" تحت غطاء امريكي ووسط عجز عربي يصل الى حد الشلل.
وليس صحيحا ان الحرب "الاسرائيلية" ضد غزة موجهة الى سكان القطاع فقط، بل الى مجموع الشعب الفلسطيني، وليس صحيحاً ان هذه الحرب موجهة ضد حركة حماس فقط، وانما ضد السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح وسائر الفصائل الفلسطينية، المطلوب هو اضعاف الجميع والقضاء على جيل كامل من القيادات الفدائية والميدانية الفلسطينية.
وليس صحيحا انه بالنسبة لـ"اسرائيل" هناك متشددون، وهناك معتدلون في الطرف الفلسطيني، والحقيقة ان كل الفلسطينيين اعداء غير معترف لهم بأرض او حقوق.. والدليل على ذلك ان "اسرائيل" لم تقدم شيئا لياسر عرفات او محمود عباس قبل ان تستولي حركة حماس على قطاع غزة.
ورغم ان كلاً من الرئيس الامريكي بوش واولمرت كانا يرددان كذبا أنهما يريدان دعم محمود عباس في مواجهة المتشددين الفلسطينيين فانهما لم يقدما اي شيء لعباس، بل على العكس يعملان على تقويض مركزه ومكانته، واظهاره في صورة العاجز عن تحقيق اي مكسب للشعب الفلسطيني حتى في مجال الافراج عن الأسرى او حتى تقليص عدد حواجز الطرق التي تستهدف اذلال الفلسطينيين.
الثمن الباهظ
وهنا يجب ان يكون واضحا ان وقف العمليات الفدائية من الجانب الفلسطيني وتجريد منظمات المقاومة من السلاح لن يدفع "اسرائيل" وامريكا الى تلبية اماني الشعب الفلسطيني، وانما الى المزيد من التعنت والتشدد والاصرار على رفض التسوية السياسية العادلة.
ويتصور البعض ان الضعف الفلسطيني يمكن ان يكون وسيلة مشجعة للحلف الامريكي – "الاسرائيلي" للتساهل والمرونة في المفاوضات، ولكن هذا ايضا غير صحيح. فها هو الشعب الفلسطيني يدفع ثمنا باهظا من حياته اليومية ومن حقوقه التاريخية، كما ان مواطني قطاع غزة يعيشون في جحيم حقيقي، مع ذلك لا تبدو في الافق اية بارقة امل للتسوية الموعودة.
الكارثة الإنسانية
كما اوضحنا من قبل فان حكومة "اسرائيل" لا تقف الى جانب طرف فلسطيني ضد طرف فلسطيني آخر، وكل ما تريده هذه الحكومة الآن هو ان تطيل عمرها وتواصل الاستيطان والتهويد واستكمال الجدار العازل وتعطيل المفاوضات واحباط اية خطط اقتصادية وأمنية تنفذها حكومة الدكتور سلام فياض وتعميم الفوضى.
الآلاف من العمال في غزة لا يجدون عملاً، والآلاف من المصانع توقفت، والخراب الذي حل بالاقتصاد في قطاع غزة لم يعد من الممكن علاجه، لا وجود للمواد الخام اللازمة لتشغيل المصانع، وانهار القطاع الصناعي، وفقد مائة الف فلسطيني وظائفهم في الشهور الستة الاخيرة.
غزة تموت جوعاً ومرضاً ودماراً بيئياً. معظم مواطنيها يعيشون تحت خط الفقر، ولا تقتصر المأساة على انعدام فرص العمل وحتى الذين يعملون لا يجدون رواتبهم بسبب الحصار المالي، انها كارثة انسانية. والمعروف ان (حرمان اشخاص من الطعام او الدواء بغرض اهلاك جزء منهم) يعد وفقا للنظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية من جرائم الابادة.
المزايدة على المتطرفين
حكومة أولمرت تريد المزايدة على كل المتطرفين من داخلها وخارجها عن طريق توجيه أقسى الضربات وأبشع العقوبات ضد الفلسطينيين. ذلك انه بعد انسحاب حزب "اسرائيل بيتنا" بزعامة افيجدور ليبرمان، فان اولمرت يخشى انسحاب حزب شاس للأسباب نفسها التي اعلنها حزب "اسرائيل بيتنا"، كما ان كتلة المتقاعدين - التي تحظى بستة مقاعد – تهدد بالانسحاب – في شهر اذار/ مارس القادم، وخلال ايام سيجري الاعلان عن نتائج تقرير لجنة فينوجراد الذي يشكل خطراً على استمرار اولمرت في الحكم بسبب فشله في الحرب ضد لبنان.
وهذه الاوضاع الداخلية في "اسرائيل" لا تسمح باتخاذ اي خطوة نحو مفاوضات جادة او تسوية حقيقية، ثم ان الفلسطينيين لا يملكون الآن اوراق قوة حقيقية الى جانب انهم منقسمون على انفسهم.. والعرب لاهون او يحرصون كل الحرص على ارضاء الولايات المتحدة، وقد ترتب على ذلك ان الفلسطينيين لم يحصلوا على شيء في مقابل كل التنازلات التي قدموها، وان المطلوب منهم الآن – اذا كانوا يتشبثون بالتوصل الى تسوية – هو التنازل عن القدس ونصف الضفة الغربية وحق العودة والسيادة والاستقلال والحد الادنى من مقومات دولة حقيقية.
وما تسعى اليه "اسرائيل" الآن هو اقناع المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة بأن احوالهم واوضاعهم في ظل الاحتلال "الاسرائيلى" المباشر افضل بكثير من احوالهم الآن في ظل حركة حماس.
التهدئة مرفوضة
ويتناسى الكثيرون – حتى من العرب – ان اطلاق صواريخ القسام جاء ردا على اغتيال قيادات فلسطينية ومداهمات واجتياحات لمخيمات داخل قطاع غزة وعربدة للجيش "الاسرائيلي" في اجواء القطاع.
كذلك يتناسى الكثيرون ان حماس ابدت رغبتها في التوقف عن اطلاق هذه الصواريخ التي لم تقتل من "الاسرائيليين" اكثر من خمسة اشخاص حتى الآن، والتزمت بذلك لفترة غير قصيرة من الوقت عقب الانقلاب الذي نفذته في غزة بدافع تثبيت الواقع الذي فرضته في القطاع، ولكن الاجتياحات والاغتيالات "الاسرائيلية" لم تتوقف.
ولسنا في حاجة الى التذكير بان "اسرائيل" لم تلتزم بما سبق ان اعلنه الفلسطينيون في السابق عن تهدئة، ولم تلتزم باتفاقيات التهدئة، وترفض مثل هذا الالتزام، كما لو كان اطلاق الصواريخ يحقق رغبة "اسرائيلية" يجب استغلالها لتحقيق اهداف معينة!
وقد اكدت مصادر "اسرائيلية" مؤخراً ان حركة حماس تسعى لوقف اطلاق النار، بل ان حاييم رامون نائب رئيس الحكومة "الاسرائيلية" اعلن هذا المسعى في تصريح للاذاعة العسكرية "الاسرائيلية"، ولم تهتم "اسرائيل" حتى بالرد على هذا المسعى او مناقشته.
وترددت انباء – في الوقت نفسه – تشير الى ان "اسرائيل" تستعد للمزيد من التصعيد عن طريق اغتيال قادة حركة حماس والتدمير الكامل لكل ما تبقى من البنية التحتية الفلسطينية في قطاع غزة!
الرد الصحيح.. ما العمل الآن؟
المسؤولية تقتضي الشروع في خطوات فورية لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية وانهاء الانقسام الحالي والابتعاد عن روح التفرد، ويمكن ان تكون وثيقة الاسرى التي صاغتها قيادات الاسرى الفلسطينيين في السجون "الاسرائيلية" الممثلة لكل القوى الفلسطينية هي اساس هذه الوحدة.
واقوى رد على الحرب "الاسرائيلية" الجارية الآن ضد الفلسطينيين هو انهاء الوضع الشاذ في قطاع غزة والتلاحم الفلسطيني والالتفاف حول رئيس السلطة الفلسطينية، والفلسطينيون ليسوا في حاجة الى حكومة وهمية بلا سلطة حيث ان الذي يملك السلطة الحقيقية هو الاحتلال، ولكنهم في حاجة الى قيادة موحدة للمقاومة وبضع مؤسسات ترعى الحياة المعيشية اليومية للشعب الفلسطيني.
وفي هذه الظروف التي تقف فيها الولايات المتحدة موقف الداعم الرئيسي لجرائم الحرب "الاسرائيلية" وابتلاع الاراضي الفلسطينية ينبغي ان ندرك ان الفلسطينيين – وحدهم – لا يتحملون، بعد معاناة ستين سنة، ان يواصلوا مسيرة الصمود بدون مساندة عربية اجماعية.
ودعنا من الحديث عن خريطة الطريق او اللجنة الرباعية او ما يسمى بالدور الأوروبي، فذلك كله لا يقدم ولا يؤخر، ان الدخول في مفاوضات في ظل الاستيطان "الاسرائيلى" المستمر وحرب الابادة الحالية ضد الفلسطينيين يعني التفريط الكامل في القضايا الجوهرية للشعب الفلسطينى والقبول بأي شيء يعرضه محور واشنطن – تل ابيب. وايهام الفلسطينيين والعرب بان التسوية آتية وبأن الدولة الفلسطينية تلوح في الافق عبث وخداع للآخرين وللنفس.
الفلسطينيون – ومعهم العرب – في حاجة الى استراتيجية جديدة تضعهم في مواجهة حقيقية وحاسمة مع المجتمع الدولي اذا كانت هناك جدية في التحرك من اجل انتزاع الاراضي المغتصبة والحقوق المسلوبة.
العرب اونلاين
كم عدد الأطفال المطلوب قتلهم في غزة؟.. نبيل زكي
