في ظلّ مسلسل القتل والتدمير الذي لم يتوقف، ها هو الظلام والجوع والموت يطارد غزّة؛ بسبب انقطاع الكهرباء والإمدادات الضرورية لاستمرار الحياة، ففي الحالة الأولى تكفلت صواريخ الأباتشي والـ\"إف16\" بقتل الرجال والنساء والأطفال، أما الآن فيتكفل الحصار بقتل المرضى وتكريس المعاناة بمختلف أشكالها.
في الحالة الأولى لم نتوقع من الأنظمة العربية أن ترسل جيوشها ولا طائراتها لتدافع عن قطاع غزة، فهي أعجز من أن تفعل ذلك، لكن الموقف في الحالة الثانية يبدو مختلفًا إلى حدّ كبير لا سيما بالنسبة للشقيقة الكبرى التي كان القطاع تابعًا لها قبل أن يقع فريسة للاحتلال.
لا حاجة للكثير من الكلام المنمّق، فنحن لا نحمِّل المسؤولية للصهاينة الذين يحاربون عدوَّهم بعد أن رفض الاستكانة لشروطهم كما استكان الآخرون، ولا تقع على المجتمع الدولي المنافق الذي تعودنا انحيازه للاحتلال الصهيوني، بل نحمّلها لمصر التي ينبغي أن تتحرك سريعًا لفك الحصار وفتح المعابر، وبعد ذلك تتحول المسؤولية إلى الدول العربية الغنية التي يمكنها أن تعيل قطاع غزة بالكامل من فائض عائدات النفط.
نعم، المسؤولية الأولى تقع على الشقيقة الكبرى، فلو فتحت المعابر، وسمحت بإدخال الإمدادات لما قصّر الآخرون، وإذا قصّرت الأنظمة فالشعوب العظيمة لن تقصّر؛ فهي التي تشعر بالقهر جراء ما يجري من دون أن يكون بوسعها أن تفعل الكثير.
مع ذلك، وإزاء هذه المأساة سيكون على العلماء والقوى الشعبية أن تتحرك على نحو استثنائي من أجل التعبير عن رفضها لما يجري، وهنا لن تكون البيانات وحدها كافية إذ لا بدّ من حراك شعبي في الشوارع يفضح الأنظمة وعجزها. كما ينبغي على الدول العربية التي تحتضن سفارات أو ممثلين لقوات الاحتلال أن تغلقها سريعًا، مع أن وجودها ليس مبررًا من الأصل في ظلّ المواقف الصهيونية العدوانية تجاه الأمة.
في مصر لن يحتاج الشعب المصري العظيم أن يقول له أحد: ما الذي عليه أن يفعله من أجل فكّ الحصار عن إخوته في القطاع؟ فقد كان على الدوام رائد الفعل الجماهيري في نصرة قضايا الأمة، ونتوقع منه الكثير في مواجهة هذه المهزلة.
من جانب آخر لم يَعُد مقبولاً أن يكون موقف السلطة الفلسطينية ورئيسها على هذا النحو، مجرد مناشدات وتصريحات لا سيما أنها متهمة بتعزيز الحصار والتحريض عليه وإن لم تكن ترغب في وصوله إلى هذا المستوى المُحْرِج.
على الرئيس الفلسطيني أن يذهب إلى قطاع غزة، وهو لن يجد بالتأكيد متفجرات بانتظاره، بل سيجد شعبه هناك، وسيكون ذلك فاتحة لحوار وطني من دون شروط، فقد آن أن تنتهي هذه القطيعة بين الإخوة، وهذا الاقتتال على سلطةٍ صنعت لمصلحة الاحتلال.
السلطة ليست بريئة من دماء قطاع غزة، وعلى رئيس وزرائها سلام فياض أن يكفّ عن إطلاق التصريحات التي تخدم العدو مثل إصراره على أن حماس مسؤولة عن الحصار بسبب إطلاق الصواريخ، بينما يقدم "واجب العزاء للإسرائيليين" بمقتل اثنين من جنودهم في الخليل قبل أسابيع!!
نعلم أن الوضع الفلسطيني يعيش مرحلة بائسة، ليس ما يجري في القطاع سوى واحد من عناوينها، بينما يتركز عنوانها الأهم في إطلاق رحلة مفاوضات عبثية من دون أية أدوات ضغط على قاعدة خريطة الطريق ووعد بوش لشارون الذي أضيفت إليه حكاية "الدولة اليهودية"، وعلى إيقاع تصاعد الاستيطان والاجتياحات والاغتيالات، لكن حصار القتل والتجويع في غزة يشكل أولوية الأولويات هذه الأيام.
خلاصة القول هي أن الصمت على ما يجري جريمة، فكيف حال المشاركة فيه أو التواطؤ معه؟!
السبيل الأردنية
غزة تستغيث!.. ياسر الزعاترة
