الجحيم الأميركي الذي ألقي على \'عرب جبور\' جنوب بغداد يذكّر بمثيله الذي ألقي على فيتنام في مرحلة اليأس الاميركية من النصر.
لم يكن خبر قيام القاصفات الإستراتيجية الأميركية من نوع B1 القادرة على حمل رؤوس نووية، بقصف مناطق جنوب غرب بغداد في الأسبوع الماضي بالخبر الاعتيادي عند ذوي الاختصاص على الأقل.
فتلك الطائرات التي تلقي كل منها من انهيالات الموت الرهيب ما لا تستطيع عدة طائرات متعاضدة متساندة إلقاءه ناهيك عن مداها وحاجتها إلى ترتيبات خاصة للاستقبال والإيواء.. ما يجعل ضربتها أشد هولا وأفتك تدميرا.
والتفاصيل الابتدائية قالت: نفذت قاصفات سوقية من طراز B1ترافقها مقاتلات من طراز F16 وعدد من المروحيات قصفا لأربعين موقع في ثلاث مناطق ضمن "عرب جبور" جنوب غرب بغداد فجر الخميس 10/1/2008 ضمن مراحل عملية "فانتوم فونيكس"، وإن القصف استمر قرابة نصف ساعة، أفرغت فيه الطائرات المغيرة حوالي 20 طنا من أفتك أنواع القنابل والصواريخ.
فالقصف الجوي الاعتيادي (التعبوي) الذي يرافق قطعات الجيش يستخدم عندما يعجز الجيش عن اداء مهامه فيستعين بالإسناد الجوي التعبوي (وهو العمليات الجوية التي تنفذ بالتنسيق مع القوات البرية أو البحرية لتقديم المساعدة المباشرة للمعركة).
وان القصف الجوي المذكور (الإسناد الجوي التعبوي) الذي يلجأ إليه القائد الميداني في الحالات التي أشرنا إليها إنما هو مقرر في الخطط الهجومية أو الدفاعية، وهو بذلك يكون مستعدا لتنفيذ الواجب على وفق الخطة والتخصيص المقرر مسبقا بإشارة من القائد الجوي الذي لا يبعد كثيرا عن ميدان المعركة، وعندما تكون طائرات الإسناد التعبوي محلقة في سماء المعركة فإن بميسور القائد الميداني البري أن يوجهها لتنفيذ إسناده بواسطة وسيلة اتصال مباشرة بينه وبين الطيارين.
أما الاستعانة بالقصف الجوي الاستراتيجي، وهو من الإسناد الجوي العزيز جدا والمُكْلِف جدا ومحدود الاستعمال جدا، فهو أمر ليس سهلاً، وليس ميسوراً لأي قائد ميداني مهما علا عدد النجوم المطرزة على كتفيه أو بُنَيْقَة قميصه.
فمثل هذا القصف لا يطلبه قائد ميداني على الإطلاق، وليس ثمة قائد جوي يستطيع تلبية مثل تلك الطلبات.. ما يعني أن التخطيط له وتنفيذه يجريان بمستويات عليا ذات صبغة سياسية، وليست عسكرية فنية توافق على ما يقترحه قادة كبار بمبادرة منهم، أو بطلب من السياسيين الكبار لأمر مهم يتعلق بالشأن السياسي على الأغلب، وليس بالضرورة ذا دواع عسكرية.
فالمبررات التي سمعناها من شخص لا علاقة له بالتخطيط ولا بتنفيذ تلك الضربة، وهو الشيخ الذي يقود "صحوة جنوب بغداد" من أن القصف الأميركي الذي نفذته تلك الطائرات واستهدف بعض الأماكن في "عرب جبور"، وهي ضاحية تقع جنوب العاصمة، نجم عنه تدمير ما أسماه "الأحزمة الدفاعية للمتشددين" في تلك المناطق ما سمح للجنود الأميركيين بالتقدم إلى مناطق كانت محظورة عليهم منذ سنوات.
إذن فـ"المتشددون" وحسب تصريح هذا الرجل، نجحوا في منع الأميركان من الوصول إلى تلك المناطق طيلة سنوات.. لذا وبحسب رأي هذا الشيخ المدني الذي وجد نفسه بين عشية وضحاها قائدا ميدانيا، كان الأميركان الذين يبلغ تعدادهم في العراق أكثر من 130 ألف جندي مع ما يقارب هذا العدد من المرتزقة المأجورين إضافة إلى أضعاف مجموع الرقمين من شرطة وجيش عراقي، أي أكثر من مليون مقاتل تخدمهم أرقى تقنيات الموت والإبادة، مُنِعوا من بلوغ تلك المناطق التي يتحصن بها بضع عشرات من "المتشددين" كما يصفهم الشيخ الصحوي.
وهم على الأغلب الأعم بضع عشرات، بدليل أن كل ذلك القصف الاستراتيجي الرهيب لم يقتل منهم وحسب الإحصائيات الأميركية التي ذكرها الشيخ المذكور (إن وافقناه على ما جاء في تصريحاته)، غير 20 رجلا فقط لم يُسَمّ غير واحد من قتلاهم!
إن هذا الأمر المتمثل بحرمان القوات العسكرية الأميركية من حرية بلوغ مناطق واسعة من ضواحي العاصمة العراقية أمر جد خطير، ربما يكون لاستخدام تلك القاصفات ما يدلل عليه ويثبته..
فإن صح ذلك كله، والشيخ الصحوي أدرى بشعاب تلك الضاحية البغدادية كونه ابنها، فإن هذا كله يقودنا إلى حقيقة النمر الورقي الذي تمثله القوات الأميركية العاجزة عن اختراق أحزمة دفاعية يدافع عنها عشرات من "الإرهابيين" حسب التوصيف الأميركي، و"المتشددين" حسب توصيف هذا الشيخ، فتلك القوات تجد قوتها وجبروتها في الإبادة وارتكاب أبشع جرائم الحرب.
إنها تُرْعِب النساء والأطفال بالمداهمات الليلية المروعة، وتجيد اغتصاب الصبايا وقتلهن وإحراق جثثهن مع جثث ذويهن، وهي ماهرة في ممارسة أبشع أنواع التعذيب والقهر والإذلال ضد المعتقلين حتى ولو كانوا أبرياء ألقي القبض عليهم من سواء الطريق.
وهي تمارس مداهمة الجوامع وقتل الشيوخ والجرحى اللائذين بمحاريبها المقدسة، وتفتح النار على السيارات المارة في الشوارع فتقتل المدنيين الآمنين بلا داع ولا مبرر.. ولكنها عاجزة عن اختراق "أحزمة دفاعية" يدافع عنها بضع عشرات من المقاتلين الأعداء، كما يطلق عليهم أحيانا.
ولنا أن نتساءل: أين شجاعة "الرجال الأبطال" الذين يفخر بهم رئيس "الولايات المتحدة الأميركية" كونهم مقاتلين من أجل الحرية مشبعين بما أسماه هذا الرئيس "أيدلوجية الحرية".. طالما لم يستطيعوا طيلة سنوات اختراق موضع دفاعي لعدد قليل من المقاتلين لا يبعد عن مركز العاصمة العراقية غير كيلومترات قليلة؟
وبصرف النظر عما جرى في الضاحية البغدادية المستباحة، فإننا نجد أن هذا التطور الاستراتيجي الرهيب في تصدي القوات الأميركية لمن تصمهم بـ"الإرهاب"، أمرا غير مألوف في مكافحة "الحركات الثورية" عبر تاريخ الحروب، ربما حتى في المثال الفيتنامي الذي كانت فيه المقاومة على أشدها، وليس على قدر أداء بضعة عشرات من الأشخاص في "عرب جبور".. فإن معالجة بهذا الحجم الهائل لأهداف بهذا التواضع والصغر - إن ووجدت أهداف عسكرية تستحق المعالجة - يعني أن الأمر ليس معالجة أهداف حقيقية خصوصا وإن متكلماً آخر غير الشيخ الصحوي بيَّنَ أن معظم القتلى من الأطفال والنساء، وأن بيتا يضم أسرة مؤلفة من 10 أشخاص تكوَّمَ على من فيه.. كما هاجمت طائرات الاباتشي سيارات الحمل الصغيرة (البيك أب) التي كانت تحمل مواطنين باحثين عن النجاة هاربين من الجحيم الأميركي النازل من السماء.. وبلُغَةِ التوثيق - وهو ما لم يفعله الشيخ الصحوي - فإن من بين الأسر التي لم يخرج منها من يخبرنا بما حصل، أسرة أحمد حسن الجبوري وأسرة الصحفي طارق حمادي الجبوري، ولم يستطع منقذ من فاعلي الخير بلوغ مثاويهم تحت هدم بيوتهم. وإن الأهالي المصدومين عجزوا عن فعل شيء للجرحى الكثر، ولمن يسمع له أنين مجهول المصدر.
فالقصف الاستراتيجي يجعلنا نبحث عن دواع وتبريرات غير ما يقال أن ثمة عشرات من "الإرهابيين" يتموضعون خلف أحزمة دفاعية عصية على الآلة العسكرية الأميركية.. فما هو هذا الغير الذي ربما هو الدوافع الحقيقية للقصف الاستراتيجي؟.. نحن نرى أنه أحد أو كل الدواعي التالية:
1- إن الإدارة الأميركية حولت العراق إلى ميدان تدريب عملي واقعي لعناصر القوات المسلحة الاميركية خصوصا الطيارين المرشحين للعمل في الأسراب الإستراتيجية. وإن أولئك الطيارين الذين يحتاجون إلى ميادين رمي متنوعة التضاريس ويفضل أن تكون فيها أهداف متحركة سيجدون في العراق عموماً - وبغداد تحديداً - مكاناً رائعاً ومثالياً وممتعاً للتحليق والقصف ما يبلغهم درجة الإتقان، وهو ما يتمناه أي قائد عسكري تناط به مهمة تدريب مستجدين.
2- يصلُح العراق بالصفة الآنفة لأن يكون ميدانا لفحص وتجريب آخر أسلحة الموت التي تنتجها المصانع الاميركية بحجة وجود عناصر معادية تنضوي تحت راية الإرهاب الذي جندت أميركا كل جهودها وامكانياتها من أجل محاربته والانتصار عليه، لذا لا نستبعد أن تكون ثمة أصناف من القنابل بحاجة إلى تجريب ليصار إلى اعتمادها ضمن ترسانة الموت الاميركية، وها هو الميدان المهيأ للأميركان، لأن يجربوا فيه كل ما يخطر على بالهم من أسلحة حتى ولو كانت أسلحة دمار شامل بحرية تامة لا يعترضهم فيه أحد على الإطلاق.
3- أميركا في مقدمة مصدري وسائل القتل في العالم.. وكانت الصفقات الخليجية الأخيرة سببا في إنعاش الوسط الصناعي العسكري الأميركي والاقتصاد الأميركي على العموم.. ومن بين فقرات تلك الصفقات أنواع متعددة من القنابل الذكية.. لذا فإن عرض أفلام عن مدى تأثير القنابل الأخيرة التي جرى إلقاؤها على ضواحي بغداد، ستكون دعاية مجانية وواقعية وواسعة الانتشار إذ إن كل وسائل الإعلام تناقلتها على أنها خبر سياسي، ما يدخل في مضمار خدمة الإعلام الصناعي العسكري الأميركي وخاصة في مجال الترويج لمنتجاتها، وليس ضروريا أن نُذَكِّرَ بالقاعدة الإعلانية الذهبية التي تقول "إن أفضل أنواع الإعلان التجاري هو الذي يعلن عن البضاعة بشكل غير مباشر"، وها هي كل الفضائيات تنقل خبرا سياسيا موثقا، يصب في خدمة الإعلان عن صناعات الموت الاميركية.
ميدل ايست اونلاين
القصف الاستراتيجي الأميركي لبغداد.. حسن عبيد عيسى
