هيئة علماء المسلمين في العراق

\" go..go..go..go.. \" من العراق- فهمي الفهداوي
\" go..go..go..go.. \" من العراق- فهمي الفهداوي \

\" go..go..go..go.. \" من العراق- فهمي الفهداوي

مثلما لا مكان لهم في العراق ، أولئك المتوحشون ، جنود الاحتلال الأمريكي ، فإنّهم أيضا لا مكان لهم بشكل آمن ونظيف في المخيلة العراقية ، ولا في الذاكرة الوطنية ، ولا حتى في أحلام العراقيين بصورة عامة . فقد حكى لي صديق ثقة ، بكل ما يؤكد ، من أنَّ المحتلين الغزاة في العراق ، قد تجاوزوا في تدهورهم الأخلاقي ، وفي بشاعة تهورهم السلوكي ، وتصرفاتهم العسكرية ، كلَّ جيوش الاستعمار والعدوان وجرائم الحروب والأفعال المشينة ، التي شهدها العالم قديما وحديثا ...!
إذ يتحدث هذا الصديق الثقة ، وهو من مُعلّمي الأجيال المحترمين : بأنَّه قفل عائداً إلى بيته في منطقة الرصافة ، بعيد الظهيرة ، في أثناء خروجه من المدرسة ، بعد أن شعر بنوبة برد وتعب مفاجئ ، إذْ كان من المفروض عليه أن يلتحق بعائلته ، التي كانت قد سبقته في الزيارة إلى بيت أخيه الأصغر ، الكائن في منطقة الكرخ .
فدخل إلى بيته الصامت ، وهو يشعر بتزايد حالة البرد في عظامه ، وبسرعة غير عادية اندس في فراشه غاطاً في نوم عميق ، وغاص وهو يضع رأسه المبيض على الوسادة ، في حلم شائك الأحداث ...! بدايته تنطلق من مشهد الأجواء المضطربة ، وأصوات الطائرات الهيليوكوبتر ، لا تنفكُّ عن مواصلةضجيجها الحائم ، فوق المنطقة السكنية ، صعوداً إلى الأعالي ، وهبوطاً منها فوق البيوت ، وبالذات فوق بيته ، أي بيت صديقي المُعلّم ، فضلاً عن أصوات العجلات وناقلات الجند ، التي تسمَّرت على طول الشارع .
وفجأة انتشرت أصوات الجنود الغزاة المترجلين بصراخات متشابكة وشائكة نوعمّا ، وهم يتهافتون ، ليقتلعوا باب البيت الخارجي لصديقي المُعلّم ، الذي لم يصمد أمام جبروتهم طويلاً ، حتى عمدوا بدخولهم إلى محاصرة أركان البيت ومختلف جهاته ، وانهمك بعضهم يزحزح برميل النفط المتبقي عن مكانه ، عند حافة الحديقة الجانبية للبيت ، وتركه بعد برهة قصيرة والنفط ينّساح من الفوهة فوق أرض الحديقة .
وبالوقت الذي انشغل مجموعة جنود آخرين بتحطيم زجاج باب المطبخ وتحطيم واجهة الحديد التي يشكل نصفه الأسفل ، نجح أكثر من أربعة جنود آخرين ، في تدمير المدخل الرئيسي المصنوع من الخشب الصاج ، المؤدي إلى عمق البيت وغرفه الموجودة ، لتبدأ معركة الجنود الغزاة مع الصحون والزجاجيات والثريا الوحيدة القديمة والحاسوب الجديد ، ومع الكتب والأرائك والكراسي وأثاث الضيوف والأدوية والأطعمة المحفوظة في الثلاجة والمجمدة ، ومع الملابس المرتبة ضمن رفوف الخزانات والملابس المتكومة عند الغسالة ، وبقية الأشياء المتروكة في الغرفة العليا عند سطح البيت ...!
وعقب تحول البيت إلى عولمة مدهشة للفوضى ، يقول صديقي المُعلّم :
- ففد تجمَّعَ ما يقرب من عشرين جندياً عند قامتي في غرفة نومي ، وأحاطوا بسريري مطبقين عليَّ الاتجاهات ، وهم يتضاحكون ويتساخرون ، وحاولت مدَّ يدي باحثاً عن نظارتي ، كي أبصر ما يدور حولي ، فلم أفلح بالعثور عليها ، وتناهى إلى سمعي طقطقة إطاراتها وتحطم زجاجها ، تحت حذاء جندي أسود ضخم الجثة ، يشبه دبًّاً بشع التفاصيل ، وجاهدتُ في إغماض عيني عنوةً ، فلم أقوَ ، ورأيتهم ينحنون دفعةً واحدةً ، حاملين سريري نحو الأعلى ، وأنا مُمَّدد عليه ، وبلحظة مجنونة أطلقوهُ حرَّاً في الهواء ، لكي أسقط والسرير باتجاه أرضية الغرفة ، محدثا صدمةً مدويّةً ...! لحظتها استيقظت من حلمي المزعج ، ومن غفوتي الفاشلة ، وأنا أسمع بقايا صوت ناعم وحادّ ، أخذ يتورى مع جلبة الأقدام الدابكة : "go..go..go..go..go..go..go.. " ، لأجد نفسي فوق سرير تخلَّعت أرجله ، وانحرف الفراش عنه ، وثمة ألم عميق يشوب مفاصلي وعظامي ، ووجدتني أمام غرفة ، قامت قيامتها من شدَّة تبعّثر موجوداتها .
ويستطرد هذا المعلم الثقة في متابعة الحدث قائلا بصوت متقطع :
- نهضت متجاوزا عن معاناتي في استشعار الألم ، وعن إخفاقي في العثور على نظارتي في مكانها ، ووقفت مرتبكاً ، وتحسست بأنَّ نظارتي تخفي شظاياها بين أصابع قدميَ بقسوة ، ورحت أخطو ، دون شعور مفترض بالوجع والجراحات ، كان المطبخ جائعاً ، وبابه مصروعاً من خاصرته ، وغرفة الضيوف فقدت وقارها المتواضع ، والمدخل الخشبي تهشمت ألواحه وانّحنت أقفاله ، بشكل غريب ، وأدركت في هذه الأثناء ، بأنَّ قدميَ تشخبان دماً دافئاً وغزيراً ، وتخطوان دون توقّف ، فوق شظايا الزجاج المكسور ، حتى وقفت عند أرض الحديقة ، التي امتصت آخر دمعات النفط ، وأذهلني اختفاء باب بيتي الرئيسي عن الوجود ، وأنا أدرك نهاية مغادرة المحتلين عن الشارع والحي والمنطقة ...!
لقد وجدت صعوبة ما ، وأنا أسعى لكي أُخلّص صديقي المُعلّم من حالة الحزن ، التي امتزجت بصوته وشعوره ، وهو يروي لي ، بكل ما حدث له ولبيته عبر حلمه أو عبر علمه ، أو عبر كليهما معاً ، وشعرت بالراحة حقاً ، عندما واصل حديثه بنبرة واثقة ومفرحة :
- تصور .. فقبل ثلاثة أيام ، دخل علينا في المدرسة ، جنود غزاة من بطن الهمرات ، التي سدَّت بوابة المدخل الواسع ، حاملين معهم هدايا رأس السنة ، المرسلة من عائلاتهم في أمريكا ، إلى أبنائنا العراقيين - تلاميذ مدرستنا ، صوراً سياحية ، وأقلاماً للكتابة وقرطاسية وشموعاً وشرائط ملونة وبعض الشكولاته ...! شعرت بسعادة غامرة ، وأنا أراقب عن كثب ، كيف كان التلاميذ يمتنعون عن قبول الهدايا ، وكيف انهال بعضهم بالتكسير والتحطيم والسحق بالأحذية لتلك الهدايا وسط ساحة المدرسة ...! ثم انتابتني حرارة عظيمة بالاطمئنان ، وأنا أرى أولئك الجنود ، ينسحبون من المدرسة بغاية الانكسار ، وتذكرت كلمة : " go..go..go..go..go..go..go.. " ، وهتفت بها فجأة ، وصار التلاميذ معي يردّدونها باتجاه الهمرات المبتعدة عن بوابة المدرسة ...!
لم يكتفِ صديقي المعلّم الجميل هذا ، بما سرد لي من الحوادث ، بل أكد لي بإطلاق : بأنَّ الجنود العشرين الذين داهموا بيته ، هم أنفسهم الجنود الذين جاءوا بالهدايا البائسة ، التي سحقها التلاميذ في المدرسة ، وإنَّه سعيد للغاية بصوت التلاميذ ، وهم يقولون للجنود الغزاة : " go..go..go..go..go..go..go.. "

وكالة الاخبار العراقية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق