هيئة علماء المسلمين في العراق

بوش في المنطقة: جولة غير تاريخية وحركة فارغة المضمون-محمود عوض
بوش في المنطقة: جولة غير تاريخية وحركة فارغة المضمون-محمود عوض بوش في المنطقة: جولة غير تاريخية وحركة فارغة المضمون-محمود عوض

بوش في المنطقة: جولة غير تاريخية وحركة فارغة المضمون-محمود عوض

معظم الرؤساء الأميركيين الذين يقتربون من نهاية ولايتهم الأخيرة في السلطة يلجأون إلى الاندماج في أحداث ورحلات خارجية هرباً من متاعب داخلية، خصوصا إذا كان الحزب المعارض يسيطر على الكونغرس. ومعظم الرؤساء أيضا يلجأون إلى الرحلات الخارجية وفي ذهنهم قبل كل شيء أن يخدمهم هذا النشاط الخارجي المفاجئ في تحسين صورتهم في الداخل. جورج بوش ليس استثناء من القاعدة. هو يواجه متاعب داخلية أهمها حالة الاقتصاد وشعبية هي الأدنى على الإطلاق منذ توليه السلطة قبل سبع سنوات، ومع تصاعد زخم الحملات الانتخابية التمهيدية استعدادا للانتخابات الفعلية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل فإن الرحلات الخارجية تصبح الوسيلة الأسهل لتذكير الناس بأنه ما يزال الرئيس. بالطبع هو الرئيس ويستمر متمتعا بسلطات كاملة في الشؤون الخارجية والدفاعية والأمنية، لكن يديه في الداخل تصبحان مقيدتين. ومع بدء الكونغرس إجازته الصيفية في تموز (يوليو) المقبل ستتوقف قدرة الرئيس على استصدار تشريعات مهمة في الداخل.

هل المسألة هي «ان الحركة بركة»؟ لكن الحركة هنا تكون فارغة المضمون إذا كانت هدفا بحد ذاتها. تماما كما قالت المصادر الأميركية إن الإنجاز الذي سيحققه بوش في الجزء الأول من جولته الراهنة هو استئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. لكن السلطة الفلسطينية مستمرة في التفاوض مع إسرائيل علنا وسرا منذ مؤتمر مدريد في 1991. وها نحن الآن بعد 17 سنة من التفاوض نتابع النتائج على الأرض. ربما يقول الرئيس بوش إنه أول رئيس أميركي يدعو إلى قيام دولة فلسطينية، لكن الدولة هنا مجرد عنوان مراوغ تماما، وحينما أطلق جورج بوش دعوته هذه للمرة الأولى في سنة 2002 أخذ المسؤولون الأميركيون يجوبون العواصم العربية ليقولوا: ها نحن فعلنا مالم يفعله أحد قبلنا والآن عليكم مكافأتنا. في البداية كانت المكافأة المطلوبة هي مسايرة الإدارة الأميركية في توجهها إلى غزو العراق. الآن يقول المسؤولون الأميركيون إن المكافأة يجب أن تكون هي الاحتشاد وراء أميركا في دعوتها إلى مواجهة إيران.

وإذا أخذنا بالصور التي يروجها الإعلام الأميركي والإسرائيلي حول العالم تكون الدولة الفلسطينية قامت فعلا، فهناك سلطة فلسطينية لها علم ونشيد، ورئيس لها محاط دائما بحراسة رؤساء دول، واجتماعات حميمية متوالية بينه وبين رئيس وزراء إسرائيل آخرها عشية زيارة بوش إلى المنطقة. كان مفترضا بحسب جورج بوش نفسه أن تقوم الدولة الفلسطينية في سنة 2005، لم يحصل ذلك. الآن يقول إنه يسعى إلى التوصل إليها قبل نهاية ولايته في كانون الثاني (يناير) المقبل، ليس بالضبط التوصل إلى قيام دولة فلسطينية ولكن على الاكثر ورقة تفاهم بين محمود عباس ورئيس وزراء إسرائيل عن صورة تلك الدولة. الصورة وليس الأصل. فالأصل سيتم ترحيله سنة بعد أخرى إلى أن تتفضل إسرائيل في النهاية بالسماح بقيام دولة فلسطينية لحسابها.

في سنة 2004 حصلت إسرائيل من الرئيس جورج بوش على وثيقة مكتوبة تقرر أن إسرائيل ليست مجبرة على الإنسحاب إلى حدود الرابع من يونيو 1967، ولا على تفكيك أو إخلاء مستوطناتها الكبرى في الضفة الغربية. هذا الموقف الأميركي المستجد كان غير مسبوق بالمرة وهو يعني عمليا موافقة أميركا على أن تتحلل إسرائيل من أية التزامات تفرضها عليها الشرعية الدولية. ويعني أيضا أن السياسة الأميركية المستجدة بدأت باستبعاد الأطراف الدولية من أي دور حتى تحتكر أميركا لنفسها الحل والربط. وبعد أن ضمنت ذلك لنفسها إذا بها تسلم هذا الاحتكار إلى إسرائيل، فنصبح أمام أغرب حالة في التاريخ وهي احتكار قوة احتلال لسلطة التقرير من جانب واحد لمضمون وحدود الدولة المجاورة. بينما مطالب الطرف الفلسطيني المفاوض مستمرة في التآكل من الإصرار على إنهاء الاحتلال إلى المطالبة بأن تسهم إسرائيل في تحسين الظروف المعيشية للشعب تحت الاحتلال.

وطوال سبع سنوات قضتها هذه الإدارة الأميركية في السلطة لم يحدث أن تعرضت الشعوب العربية لأذى وأضرار وتمزيق أكثر مما جرى. لقد تفوقت هذه الإدارة حتى على ما فعلته إدارة ليندون جونسون الذي قامت إسرائيل بغزوتها الكبرى في 1967 تحت رعايته وحمايته.

وبينما تعتبر السياسة الأميركية أن أكبر إنجازاتها التاريخية في المنطقة هي معاهدة كامب ديفيد بين إسرائيل وأنور السادات فإن القيود الفادحة نفسها التي قبلها السادات على السيادة المصرية في سيناء ما تزال مستمرة معنا منذ سنة 1979، وهكذا فإن ما بدا وضعا موقتا في 1979 أصبح وضعا دائما مستمرا وليس مسموحا لمصر مراجعته أو المطالبة بتعديله. وفي ظل المعاهدة نفسها أصبحت إسرائيل تعطي لنفسها حق الفيتو على السياسة المصرية، وتستخدم مهماز الكونغرس الأميركي في ظل الإدارة الحالية للمطالبة بتنازلات مصرية جديدة لحسابها. بالطبع تعتبر إسرائيل أن أكبر مكسبين إضافيين تحققا لها هما دخول مصر معها في اتفاقية «الكويز» وأيضا الحصول من مصر على التزام ببيع الغاز المصري لها بأسعار تفضيلية ولمدة 15 سنة. اتفاقية «الكويز» تلك استمرت مصر ترفضها لسنوات ثم قبلت بها فجأة تحت الوهم الأميركي المعلن في حينها بأن تلك الاتفاقية ستكون الطريق الأسرع لإبرام معاهد تجارة حرة مع أميركا.

ما حدث، كالعادة، هو أنه بعد أن ضمنت أميركا دخول مصر في قفص اتفاقية «الكويز»، فأصبحت ملتزمة حصة محددة من إسرائيل حتى يجري السماح بدخول المنسوجات المصرية إلى السوق الأميركي معفاة من الرسوم الجمركية، أصبحت مصر أبعد عن وليس أقرب إلى اتفاقية التجارة الحرة مع أميركا إلا إذا قدمت مصر لأميركا تنازلات فادحة أخرى مستجدة اقتصاديا وسياسيا.

ومنذ سنوات ومصر في جانبها من الحدود مع إسرائيل وقطاع غزة تعاني من عصابات لتهريب المخدرات إليها، بل حتى تهريب أسلحة، بينما مصر مستمرة في التقيد بالمعاهدة مع إسرائيل والتي لا تسمح لمصر في كل تلك الحدود الطويلة بوجود أمني يتجاوز 750 شرطيا مصريا لا يزيد تسليحهم عن التسليح المحدود للشرطة وتحت رقابة قوة متعددة الجنسية بقيادة أميركا مقيمة في سيناء ومصر هي التي تتحمل تكاليفها سنة بعد سنة. أما إذا أرادت مصر تعديل هذا الوضع الشاذ داخل حدودها فعليها أن تحصل أولا على موافقة إسرائيل وإلا تدهورت العلاقات المصرية مع أميركا.

شيء من هذا جرى أخيراً حينما وجهت إسرائيل شكواها إلى الإدارة الأميركية والكونغرس مدعية بوجود أنفاق سرية بين قطاع غزة ومصر يتم منها تهريب الأسلحة إلى الفلسطينيين وبالتالي لا بد من معاقبة مصر. هذا هو ما حدث فعلا حينما أصدر الكونغرس الأميركي في 26/12/2007 تشريعا يخصم مئة مليون دولار من المعونة السنوية الأميركية إلى مصر ما لم تشهد وزيرة الخارجية الأميركية خلال 45 يوما بتجاوب مصر مع طلبات إسرائيل.

هذا التطور لم يكن مفاجئا فالتخفيض الأميركي للمعونة إلى مصر موجود في الأفق منذ سنة 1998. وفي الشق الاقتصادي انخفضت تلك المعونة من 815 إلى 415 مليون دولار حاليا. وبعد التطور الأخير من الكونغرس قبلت مصر عرضا أميركيا بالحصول على معدات الكترونية أميركية تراقب بها مصر حدودها مع قطاع غزة وقيمتها 23 مليون دولار تخصم من المعونة الأميركية إلى مصر.

والخطيئة الكبرى من الأصل في تلك المعاهدة القائمة منذ سنة 1979 هي أنها جعلت إسرائيل طرفا ثالثا في العلاقة الثنائية بين مصر وأميركا وهو ما حذر منه مسؤولون مصريون كبار في حينه، لكن السادات كعادته ضرب برفضهم عرض الحائط. وضاعف من التجرؤ الإسرائيلي الأخير على مصر الاعتماد المصري على سفارة لها في واشنطن مشغولة بفكرة أن استضافة عدد من أعضاء الكونغرس في مصر يضمن أصواتهم. وفي يوم الأحد السابع من الشهر الجاري استقبل الرئيس المصري واحدا من هؤلاء اسمه ستيفين إسرائيل، عضو لجنة الاعتمادات في مجلس النواب لتستمر المقابلة ساعتين ونصف الساعة، وهي سابقة غير مألوفة، لمجرد أن يخرج النائب الأميركي قائلا إنه «لا سلام في المنطقة من دون مصر».

كلمات مثل هذه ربما نسمعها من الرئيس جورج بوش في ختام جولته في المنطقة بعد أن جعل مصر آخر محطاته مخصصا لزيارة شرم الشيخ ساعتين من الزمن، بما يجعل الزيارة مجرد إضافة شكلية إلى جولة لا لزوم لها أصلا غير أن يستعرض الرئيس الأميركي نفوذه في المنطقة والإلحاح بتلك الصورة على الداخل الأميركي تعويضا عن شعبيته المتدهورة هناك.

الحشد ضد إيران هو الهدف الأول المعلن، وربما الأساسي، من جولة جورج بوش الحالية. أما الهدف الثاني فهو دعم المفاوضات بين إيهود أولمرت ومحمود عباس، كلا الهدفين لا يجعلان من جولة بوش «زيارة تاريخية «إلى المنطقة كما ردد ذلك بعض إعلامنا. فلتعط إسرائيل ذلك التوصيف لجولة بوش، ولو لمجرد أنها المرة الأولى التي يقوم فيها جورج بوش بزيارة كرئيس إلى إسرائيل، أو لأنه سيعطي اسرائيل أسلحة متطورة ومجانية بثلاثين بليون دولار خلال السنوات العشر القادمة في نقلة مفاجئة تضمن لها تفوقا فوق تفوق على دول المنطقة كافة من دون أن تحتج دولة عربية واحدة، أو يعاقب مصر بخصم مئة مليون دولار لإرغامها على التكيف مع الطلبات الإسرائيلية الشاذة.

كانت المعونة الأميركية السنوية لمصر في ظاهرها مكافأة لها على معاهدتها مع إسرائيل، وفي باطنها بهدف السماح لأميركا بدس أنفها في كل شؤون الحياة المصرية وآخرها تخصيص ما تبقى من المعونة الاقتصادية لاطراف داخلية في مصر بعيدا عن أي إشراف أو مراقبة أو مشاركة من الحكومة المصرية ذاتها.

لإسرائيل مصلحة مؤكدة في اعتبارها جولة جورج بوش في المنطقة «زيارة تاريخية». إنما السؤال الباقي هو: ماهي مصلحة العرب في ذلك؟


- الحياة
المقالات المختارة لا تنعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق