مع مطلع عام 2008 يقترب العراقيون من عام آخر من الاحتلال الغاشم الذي حل على بغداد قبل خمس سنوات، وقد حدثت أمور مأساوية كثيرة منها القصف العشوائي للمدن والقرى والهجوم على المنازل وانتهاك حرمة الأسر العراقية تحت ذريعة البحث عن المتمردين وممارسة سياسة التهجير.
وفي هذا الشأن هاجر الآلاف من المواطنين سواء إلى خارج العراق أو نزحوا إلى مناطق داخل العراق بحثا عن الأمن والأمان الذي يستحيل أن يتحقق في دولة تخضع تحت الاحتلال والمحتل الأجنبي يعاني الخوف من كل شيء حتى من المقربين إليه ومن هم على شاكلته من المنظمات الطائفية والشخصيات الانتهازية التي جاءت بعد سقوط النظام ومنحت الجنسية العراقية تمويها للأعمال المنوطة بهم من قبل أسيادهم أعوان المحتلين.
المحتل الأمريكي وجد بقواته ومعداته البشرية والعسكرية على أرض العراق.. روع الأسر العراقية.. زج بالشباب إلى غياهب السجون في أبوغريب وغيرها ومارس عليهم أبشع أنواع التعذيب والعدوانين النفسي والجسدي والانتهاكات الجنسية خلافا لكل الأعراف الدولية ومبادئ حقوق الإنسان وتذكر الإحصائيات أن عدد المعتقلين يزيد على 40 ألف شخص. وفي متابعة لما جرى في العراق الشقيق وعلى عجالة لقد عمل الاحتلال الأمريكي البريطاني على تنصيب ثلاث حكومات: الأولى كانت برئاسة الدكتور إياد علاوي وهو بعثي سابق ومن كوادر الاتحاد الوطني لطلبة العراق حتى عام 1974 ولكنه انضم إلى المعارضة العراقية في نهاية السبعينيات لخلافه مع نهج النظام المتشدد متخذا من العاصمة البريطانية مقرا لعمله ومهامه الجديدة وحصل على مرامه من الدعمين المالي والمعنوي من بريطانيا، وفي احد اللقاءات التلفزيونية مع علاوي ذكر أن النظام السابق حاول الاتصال به والتمهيد لعودته إلا أنه لم يقبل بمبدأ المقايضة وذلك حسب زعمه، ولم يعد إلى العراق إلا بعد سقوط النظام في أبريل 2003 وهو الآن يتزعم (تيار الوفاق الوطني). ثم خلفه في رئاسة الوزارة الدكتور إبراهيم الجعفري زعيم حزب الدعوة الإسلامي الذي كان طالبا بجامعة بغداد وتعرض للاعتقال والسجن من قبل النظام السابق لكونه عضوا ناشطا في حزب الدعوة الإسلامي المرتبط بإيران ثم فر هاربا عام 1978 إلى إيران وبقي فيها طويلا للتنسيق مع حزب الدعوة والمنظمات الأخرى المعارضة للنظام التي اتخذت من طهران ولندن أماكن لتحركاتها ضد سياسات نظام صدام حسين. وقد عمل الجعفري على تعطل وصول رئيس وزراء آخر بعده مدة وصلت إلى ثلاثة شهور حيث كان يبدو عليه ولعه بالجاه والسلطة.. ولكم ان تتصوروا أن شخصا مطاردا تعرض للاعتقال أو غادر وطنه لخوفه من نقمة النظام الحاكم، وتدور الأيام والسنون فيعود إلى وطنه بعد ان اشترك هو وغيره في التهيئة للهجوم الأجنبي عليه في مؤامرة نسجت خيوطها مع الأجنبي الذي كان ينتظر الفرصة لتنفيذ مشروعه التوسعي في المنطقة. وتقول تقارير صحفية نشرت في جريدة (الحياة) في السابع من أغسطس 2006 أن الجعفري شكل جناحا في حزب الدعوة أطلق عليه (تجمع الإصلاح الوطني) تمهيدا لإعادة انتخابه بأن يكون رئيسا قادما للوزراء على اعتبار أنه أنسب شخصية في حزب الدعوة. والحقيقة تقال ان كلا من رئيسي الوزراء علاوي والجعفري حينما غادرا منصة (رئاسة الوزراء) خلفا وراءهما 1837 مسئولا متهما بالفساد ومطلوبا للقضاء عدا الفاسدين الجدد الذين نصبهم المالكي رئيس الوزراء الثالث ووفر لهم تغطيات قانونية لحمايتهم إلا ان للظالم يوما قادما والمالكي اعرف بذلك.. والسؤال: أين تذهب أموال الشعب العراقي؟ واسمحوا لي أن أورد لكم شيئا بسيطا عن هذا الملف وذلك حسبما أصدره تقرير صادر عن «هيئة النزاهة العراقية« حيث أعلن وجود 17 ألف اسم وهمي يتلقون رواتب شهرية من مؤسسات الدولة، كما اتهم علي راضي الراضي رئيس لجنة النزاهة باختفاء ملفات ذات صلة بالفساد واختلاس الأموال وشراء العقارات وغيرها. فما شهده العراق في مارس وأبريل 2003 وسقوط نظامه يعود إلى أسباب كثيرة منها وجود مخطط صهيوني أمريكي للمنطقة لإعادة تشكيلها ضمن خريطة الشرق الأوسط الجديدة وضمن سياسة جر الدول العربية للاعتراف بإسرائيل وضمن الاستراتيجية الأمريكية في السيطرة على منابع النفط وضمان تدفقه إلى (الماكينة) الغربية لأن النفط هو عصب الحياة، بالإضافة إلى وجود جرح عميق نخر عظام السلطات التنفيذية في النظام السابق فسقط قبل سقوط تماثيله المنصوبة في ساحات بغداد والمدن العراقية الأخرى.. هذه التماثيل توهم الزائر كأنه لا يوجد في العراق مفكر وقائد وحكيم وسياسي وأديب سوى صدام حسين مع العلم أن العراق يزخر بالعلماء والمفكرين والسياسيين والأدباء والشعراء وهم فخر للعراق والأمة العربية جمعاء ولكن الذي جرى في جمهورية الخوف شيء غريب ورهيب حيث غيبت هذه الأصوات فلا صوت يعلو على صوت صدام حسين. هذا الوضع اضعف اللحمة العراقية في الدفاع المستميت عن أرض العراق فسقطت بغداد بعد صمود وبطولة لا يمكن نكرانهما إلا ان السؤال: كم من الوقت كانت تستطيع أن تصمد وهدير الطائرات الحربية مدو في سمائها؟ وكم تستطيع ان تصمد والصواريخ تنهال عليها صباحا ومساء خلال ثلاثة أسابيع متواصلة دكت البنية التحتية للعاصمة وضواحيها وغيرها من المدن في المحافظات العراقية الأخرى؟ فمن كان المسئول عن كل ما جرى؟ سؤال ستظل ملامحه واضحة تشوبها أسرار غامضة دفنت مع جثة صدام حسين بعد إعدامه في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 2006 حيث ودع العالم سنة بإعدام رئيس دولة عربية، ويا للمصادفة ودع العالم عام 2007 باغتيال بي نظير بوتو بنت الزعيم الباكستاني ذو الفقار علي بوتو وكأنما استهوى العالم الوداع بإعدام رئيس دولة أو رئيس وزراء.
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
قراءة في الوضع العراقي.. حكومات الفساد-مكي حسن
