هيئة علماء المسلمين في العراق

القدس وأهلها -نبيل أبو جعفر
القدس وأهلها -نبيل أبو جعفر القدس وأهلها -نبيل أبو جعفر

القدس وأهلها -نبيل أبو جعفر

إذا استثنينا كيل المديح بالأطنان لأصحاب الجلالة والفخامة والسمّو من حكّامنا، وهو مديح نفاقي في معظم الأحوال، فإن أي إنسان أو جماد لم ينل من التغنّي والتمجيد ما نالته مدينة القدس تقديراً لها وتخليداً لاسمها. لم نسمع في سائر بلداننا بمجموعة من المؤسسات والجمعيات والصحف ودور النشر والثقافة.. الخ، تحمل اسم مكّة المكرّمة أو المدينة المنوّرة علي عظمة كلٍ منهما، ولم نسمع بالناصرة والخليل وغيرهما - رغم مكانتهما أيضاً، لكننا نُطالع كل يوم في شوارع الوطن وحتي خارجه، أسماء لمؤسسات وصحف ومكتبات ومطاعم، ولكمٍّ لا يُحصي من الجمعيات تحمل اسم القدس، حتي بتنا نري في الشارع العربي الواحد أحياناً أكثر من لافتة لمحال تتّجِرُ بالبقالة والحلويات واللحوم وما شابه تحمل اسم القدس أيضاً.
هذا التعلّق الشعبي بالمدينة المقدّسة يعكس خصوصية وضعها علي الدوام، خصوصاً منذ أن تمّ احتلال نصفها الغربي في العام 1948، وبعد أ، احتُلّت بأكملها في العام 1967 علي وجه أخصّ. لكن هذا التعلّق بقي في إطار العاطفة المنطلقة من إيمان ليس إلاّ. أي لم ترتفع نسبته إلي أكثر من حدود إطلاق الاسم لتصل إلي الفعل الداعم.
صحيح أنه ليس مطلوباً من أصحاب هذه المؤسسات والمحال أو الناشطين في الجمعيات، تحمّل عبء تحريرها قبل أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، وفي مقدمتهم سلطتنا الفلسطينية بالطبع. ولكن، ماذا عن دور الرسميّة العربية المتمسّكة حتي النخاع بمبادرة السلام - العربية أيضاً -؟ هل ما زالت القدس عروس عروبتنا ، بعد أن خمدت وتيرة الغضب الساطع آتٍ لصاحبها سعيد عقل، الذي خمد هو الآخر قبل أن يرتدّ علي العروبة وفلسطين، ويُحيّي الجيش الاسرائيلي الذي احتل بيروت في العام 1982 وخلّصها من الإرهاب ؟
حتماً لم تعد الأمور كما كانت في السابق، حتي بالعواطف والكلام لم تعد كما كانت. لقد بتنا نسمع يومياً ونحن في الغربة بأخوة من لحمنا ودمنا يغادرون، ونسمع بنوايا آخرين للهجرة. نسمع بعمليات تفريغ تجري ببطء منظم ومدروس وبسخاء في الدفع، إلي جانب الإستمرار بعمليات الاستيطان وسط لقاءات الأحضان والقبلات والابتسامات السخيّة بعد أن أصبح أهل القدس ومؤسساتها الوطنية، ومسؤولية دعم صمودها خارج اهتمام سلطتنا الفلسطينية، مراعاةً لشريكها المناكف في سلام الشجعان ، وخارج اهتمام الإحتلال لأسباب عدّة تدعوه إلي الضغط اليومي الفاعل بهدف تفريغها من أهلها.
مؤسسات تُقفل وأخري علي الطريق، ووسائل إعلام جادّة ما زالت تقاوم إرهاب الذين يعتبرون عاصمتنا عاصمتهم الأبدية ، ولا أحد يهتم أو يكترث لواجب الدعم ولو بحدوده الدنيا، وإن حصل - حسب معلوماتنا ونحن علي بعد آلاف الأميال - فلمؤسسات صورية ولدوافع وعلاقات شخصية ضيّقة، لا صلة لها بدعم القدس وصمودها إلاّ كستار للمنفعة ليس إلا!
لا بدّ من التذكير هنا أن مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الرباط علي اثر إحراق المسجد الأقصي اتخذ قراراً بإنشاء منظمة العالم الاسلامي ، وبعدها أُنشئت لجنة القدس وجمعيات أخري لا حصر لها تحمل نفس الاسم ، كمؤسسة القدس الدولية التي تضم شخصيات كبيرة من بينها رجال دين مشهورين مسلمين ومسيحيين ، ومع ذلك لم تخرج مساهمتهم عن حدود الدعم العاطفي في المناسبات والمؤتمرات ، أي نسمع طحنا ولا نري طحينا !
لقد سمعتُ من بعض أعضاء هيئة مؤسسة القدس أنهم يدعمون مؤسسات ، ويتكفّلون تربية أيتام ، ويشجعّون علي الثبات في الأرض ، وسألت من أعرف ولا أعرف عن ذلك لعلّي أقع علي اسم واحد فقط ممن شملتهم هذه المكرمات فلم أجد!
أُناشد هذه المؤسسة أن تَعْْوِر عيني وتطمئننا عن وجود ولو مستفيد واحد محق ، لئلا يكون في هذا الكلام تجنيا عليها ، كما أُناشد سلطتنا قبلها، ومن رئيسنا بالتحديد ، أن يطمئننا ولو بالتلميح الي أن اهل القدس ومؤسساتها في البال، ولم يأت سقوطهم من الذكر والذاكرة إلاّ لتحاشي التدخّل فيما يعتبره الطرف الآخر شأناً من شؤونه الداخلية!
أخيرا ً، إذا كانت قضية اخواننا الحجّاج الذين علقوا في ميناء نويبع، في منتصف الطريق، ولم يسمح لهم بالعودة إلي الوطن عبر الطريق التي خرجوا منها ، قد أثارت وسائل الاعلام لما تعكسه من حالة شاذّة في التعامل الإنساني ، فإن القدس وأهلها ينطبق عليهم وضع الحجّاج كل يوم لأنهم علقوا أيضاً في منتصف الطريق، دون أن يكون بإمكانهم العودة الحرّة إلي حضن الوطن الفلسطيني الأم ، وليس بإمكانهم استمرار البقاء بحريّة حيث هم عالقون في الميناء الأبدي للعدو!
لقد أصبحوا كوضع ذلك الذي وجد نفسه بلا أب شرعي ولا مرجعية قانونية معترف بها. في وجهه الاحتلال.. وخلفه التخلّي والإهمال .. فأين المفر؟

- القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق