كون مجالس الصحوة ورجالها وقادتها أصبحت جزءاً من المشهد العراقي الأمني والسياسي، فإنها أصبحت لاعباً رئيسياً فيما يمكن تسميته ب(لعبة تقاسم الغنائم) فالشيء الذي أكدته الاحداث في العراق أن الاحزاب السياسية التي تشكلت بعد احتلال العراق وحتى الاحزاب القديمة وما فرضته من مليشيات قد اتجهت إلى ما يمكن تسميته بالمتاجرة السياسية والأمنية.
ففي ظل تدفق الهبات المالية وسيطرة الاحزاب المشاركة في العملية السياسية على وزارات معينة جعلها تضع يدها على موازنات تلك الوزارات، وهذا ما أوجد صراعاً وتنافساً بين الأحزاب وخاصة الشيعية، فقد أدى سيطرة حزب الثورة الإسلامية برئاسة عبدالعزيز الحكيم على وزارة النفط، إلى غضب وانشقاق حزب الفضيلة وخروجه من التحالف الشيعي، ويرى حزب الفضيلة الذي اكثر أعضائه وقادته من محافظة البصرة أكثر المناطق العراقية إنتاجاً للنفط، ولذا فإنهم حسب رأيهم الأحق بتولي صناعة وشؤون النفط، إلا أن جماعة الحكيم ضموا وزارة النفط إلى الداخلية والمالية ليسيطروا من خلال هذه الوزارات على مصادر المال فمن خلال السيطرة على إنتاج وصناعة النفط وخاصة في الجنوب أمكنهم كما توضح تقارير صحفية وبترولية عديدة من بيع كميات وتهريب شحنات للنفط تذهب حصيلتها للحزب، وبسيطرة الحزب على وزارة المالية فإن قوائم التوظيف التي تقدمها وزارة الداخلية لتعيين محازيب حزب الحكيم في الأجهزة الأمنية، إذ تشير قوائم وزارة الداخلية أن أعضاء المليشيات الشيعية وخاصة منظمة بدر يتسلمون رواتب بوصفهم موظفين بوزارة الداخلية، أيضاً هناك تشكيلات مدنية تابعة للحزب تتسلم رواتبها من وزارة المالية، وتذكر المعلومات أن حزب الحكيم يعد الآن أغنى الاحزاب في المنطقة حيث يدير محفظة من الأموال في العديد من البنوك الإيرانية والعراقية والبريطانية وحتى الأمريكية مودعة بأسماء قادة الحزب ويديرها ابن عبدالعزيز الحكيم عمار.
هناك أيضاً حزب الدعوة الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء نوري المالكي الحالي وإبراهيم الجعفري رئيس الوزراء السابق، فهو الآخر تكسب من خلال رئاسة الحكومة وحصل وزراؤه على أموال باهظة بعضها حول لخزينة الحزب وبعضها استفاد منه الوزراء وأقاربهم وعوائلهم، وقد كشفت هيئة مكافحة الفساد العراقية (هيئة النزاهة) العديد من التجاوزات والحصول على الاموال العامة مما أوجد شرخاً في علاقة رئيس وأعضاء الهيئة مع حكومة المالكي، مما اضطر معه رئيس الهيئة إلى الهروب إلى أمريكا حيث لا يزال ما يسمى برئيس لجنة النزاهة هناك.
أيضاً لم تكن عمليات التكسب السياسي مقصورة على وزراء الاحزاب الشيعية فحتى وزراء من السنة العرب قد انضموا إلى (عملية الهبش) والتكسب فقام وزير الكهرباء السابق بالحصول على حصته من الكعكة، كما اتهم وزراء الثقافة والدفاع والداخلية السابقين في وزارة إياد علاوي بالحصول على أموال وان كانت لحساباتهم الشخصية.
هذا التلوث والفساد المالي لم ينج منه أحد حتى طال نواب الشعب أعضاء مجلس النواب الذين يحصلون على الاموال نتيجة مشاركتهم في صفقات وتسهيل العقود، أو تخصيص اموال كبيرة لحراسهم حيث يحصل كل نائب على قرابة ربع مليون دولار رواتب الحراسة..؟!
في هذه الأجواء ظهرت مجالس الصحوة التي لم تخرج عن نهج التكسب المالي واقتطاع حصة من الكعكة العراقية، وبما أن هذه الحصة ستقلص حصص الآخرين فإن التنافس سيكون على أشده بين المستفيدين من السنة والشيعة معاً، فقد أخذت تظهر مجالس صحوة في أحياء شيعية قادتها من الشيعة الذين ليس لهم ارتباط بالاحزاب الشيعية القائمة، وهؤلاء القادة من الضباط السابقين في الجيش العراقي وبعضهم ممن كانوا منتمين لحزب البعث، وهو ما رفع درجة التخوف لدى المالكي الذي حذر من اختراق الصحوة من البعثيين بالذات.
الجزيرة السعودية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
عراق 2008- جاسر عبدالعزيز الجاسر
