لقد جرت الولايات المتحدة الامريكية وانجلترا، العراق نحو كارثة كبيرة، حيث تعدى عدد القتلى فيه العدد في رواندا، ويتم نهب الاقتصاد، والشعب محروم من الخدمات الصحية منذ 1991، وأزمة اللاجئين تكبر، والاعلام يشارك الحملة الدعائية للحكومة، فضلا عن الاستعدادات الجارية من اجل حمام دم لايران.
وفي مقالات مختلفة في مجلة (Newstatesman) للكاتب والباحث الشهير جون بيلجر والكاتب في الغارديان، يتم لفت الانتباه الى ان " ليس هناك مسؤول يتكلم عن العراق وهو يشعر بالندم ولو قليلاً ازاء تقديم هذا البلد ضحية. وان احدا لم يتطرق الى المقال المعروف لدى الرأي العام باسم (القائمة المحظورة) التي تفيد دور انجلترا في هدم العراق".
وحسب جون بيلجر ان أكذوبة كبيرة برزت خلال قيام احد النواب البريطانيين في 25 اكتوبر المنصرم بالاستفسار عن عدد الخسائر المدنية في العراق، من رئيس الوزراء غوردون براون. فالرد الذي ادلى به (Kim Howells) مساعد وزير الخارجية البريطاني المسؤول عن شؤون الشرق الاوسط وقال "نحن واثقون من عدم وجود ارقام موثوقة بشأن الوفيات منذ مارس 2003" آذى ضمير الرأي العام. إذ ان الدراسة التي اجرتها في اكتوبر 2006 جامعة (Lancet John Hopkins) وجامعة المستنصرية في بغداد والتي اظهرت مقتل 655 ألف عراقي نتيجة الاحتلال، كانت تضع امام الانظار الحقائق بكل وضوح. عقبها شرعت شركة دراسات بريطانية (Opinion Research Business) بتقييم اشارت فيه الى ان عدد الوفيات قد بلغ 1.2 مليون. أي عدد القتلى الذي تسببت فيه كل من الولايات المتحدة الامريكية وانجلترا قد فاق كثيراً عدد القتلى في الابادة الجماعية لرواندا، وبهذا يكون العراق من اكبر المناطق في الابادة الجماعية خلال الفترة من نهاية القرن العشرين الى مطلع القرن الحادي والعشرين... وكل هذه الحقائق تقف هناك كدليل على مدى تضليل (بلير) للرأي العام والذي قال "بانهم سيحتلون العراق دون حمامات الدم وان العراقيين سيحتفلون بذلك".
ويدعي جون بيلجر سيد الدراسات الصحافية بان سبب عدم الاعلان عن الاستيلاء على العراق هو رغبة مشتركة للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الامريكية او الفاشية الجديدة والانظمة اليمينية الاسرائيلية المتطرفة. وحسب الكاتب ان كلا الجانبان كانا يرغبان تدمير العراق وتحويل الشرق الاوسط الى مستعمرة تخدم المشاريع الامريكية والاسرائيلية. وأول مسودة بهذا الشأن هو "دليل التخطيط الدفاعي" بتاريخ 1992،حيث يتضمن المخططات الامريكية للسيطرة على الشرق الاوسط عقب الحرب الباردة. ومن بين مؤلفيه تشيني، وولف ويلتز وكذلك باوول مهندسوا احتلال 2003. وعقب الاحتلال قام بريمر بتسليم اقتصاد العراق الى الشركات الامريكية. فالى جانب كون ذلك غير قانونياً، فقد تم منح الشركات الناهبة حق الحصانة. أما شريكة الجريمة حكومة بلير، فلم تعارض المسيرة إلا عندما بدأ يترائ لها ان الشركات البريطانية سيتم استبعادها عن هذا النهب المربح.
أما بالنسبة الى موضوع انتهاك صحة هذا الشعب... فحسب الكاتب وعلى سبيل المثال: يدعى " انه وبينما كان يموت في البصرة 3-4 أشخاص في كل شهر مصابين بالسرطان في البصرة، بلغ العدد الآن 30-35 مريضاً في الشهر الواحد. وحسب الدراسات ان 40-48% من السكان سيصابون بالسرطان". وحسب (Sponeck) مسؤول المساعدات الانسانية لدى الامم المتحدة في بغداد، ان النتيجة في العراق كانت "أشبه بالابادة" وان الشعب برمته تعرض الى الموت والانهيار في أُسسه الطبيعية والعقلية. فقد تلوث القسم الاكبر من جنوب العراق باليورانيوم وبالنفايات السامة المتبقية من المتفجرات الامريكية والبريطانية ومن ضمنها القذائف المحتوية على يورانيوم 238. وأفاد الاطباء بان نسبة الاصابة بمرض سرطان الدم لدى الاطفال قد بلغ أعلى المستويات بعد هيروشيما. ويكتب البروفيسور (Sikora) في مجلة (BMJ) وهو مدير برنامج السرطان في منظمة الصحة العالمية :" لقد تم باستمرار رفض طلبات جهاز العلاج الاشعائي والعلاج الكيماوي والمسكنات من قبل المستشارين الامريكيين والانجليز في لجنة التدابير للامم المتحدة". وكان (Howells) وزير التجارة عام 1999 قد منع تصدير لقاح الدفتري والكزاز والحمة الصفراء على انه "يمكن استخدامها في اسلحة الدمار الشامل". ولم يقم المحتلون الانجليز بأي اجراء منذ عام 2003 من اجل اعادة تأهيل مستشفيات العراق التي كانت تعتبر من أفضل مستشفيات المنطقة قبل عام 1991. وأعلنت مؤسسة العون (Oxfam) :" بان 43% من العراقيين يعيشون في فقر تام". وأرتفعت نسبة الاطفال المتغذين بشكل غير كافي الى 28%. وتظهر الوثيقة السرية تحت عنوان " ضعف العراق في تصفية المياه"، بانه يتم استهداف مقصود للمياه المعروضة لخدمة المدنيين. وفي النتيجة لا يمتلك غالبية الشعب لا لمياه الشرب ولا للصحة في بلد كانت خدماته الاساسية في فترة من الفترات على المستوى العالمي وبقدر الخدمات في بريطانيا. وحسب تصريح ادلى به مستشفى الاطفال في البصرة :" ان وفيات الاطفال في البصرة قد ازدادت بنسبة 30% مقارنة بعهد صدام".
وحسب الامم المتحدة ان 100 ألف عراقي يترك بلاده في كل عام. وحسب الباحث والصحافي جون بيلجر ان ازمة اللاجئين في العراق قد تعدت الازمة الموجودة في دارفور. فقد ترك حوالي نصف الاطباء وكذلك المهندسون والمدرسون البلاد. حيث تجري عملية تصفية لاكثر المجتمعات المثقفة في المنطقة. فبينما يضطر مايزيد على 4 ملايين إنسان في ترك محل اقامته، رفضت انجلترا خلال العام المنصرم طلب اغلبية ما يزيد على الالف عراقي راجعوا من اجل الذهاب اليها، وأعادت مهاجرين "هاربين" فاق عددهم المعادين من قبل كافة البلدان الاوروبية. فالعراقيون المتواجدون في انجلترا وعلى وجه العموم لا يمتلكون لا لحق العمل ولا للدعم، حيث يباتون في المتنزهات ويستيقظون فيها. وحسب منظمة العفو انها " تعمل على قتلهم جوعاً".
ويفيد بيلجر " يجري في الايام الاخيرة عكس الوضع في العراق، على ان حرب أهلية قائمة في البلاد وان قيام الولايات المتحدة الامريكية بزيادة جنودها يهدف مصالحة المحليين المتشابكين. ان هذه الوقاحة تقطع الانفاس. وان الاشتباكات المذهبية ما هي إلا نتيجة سياسة فرق تسد بلا شك". وحسب رأيه :" ان غالبية الناس لا يغيرون اخلاقهم واذهانهم بالشكل الذي يتلائم وأزدواجية قوة اللامبالاة ومفهوم الشر الاعلامي المسجل. فلو عرفوا لعانوا احزان الحياة والأسر والآمال والاحلام التي ابادها كل من بلير وبوش."
ان جون بليجر الذي يصف جميع هذه التطورات على انها "التغييرات المعاشة بفضل حكم بوش/بلير في شكل تفكير العالم المنصف"، يسترعي الانتباه الى اخطر مراحل التاريخ التي نعيشها ويقول " أياً كان مقترف الجريمة.. فهو مجرم"، ويختتم قوله بالتأكيد على "ضرورة محاكمة ثنائي بوش وبلير اللذان يستعدان لضرب ايران للسيطرة على بترولها متحججين بالاسلحة النووية الغير موجودة أصلاً، محاكمتهم كمجرمي حرب" ويناشد الكاتب " بان على المجتمع المدني ان يرفع صوته ازاء هذا البعد من الشقاوة التي لم يراها الشرق الاوسط في تاريخه الحديث".
وكالة الاخبار العراقية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
ليس هناك نادم من الجرائم في العراق-ممدوح الطائي
