هيئة علماء المسلمين في العراق

كل هذا يجري ونحن لابثون في الخيبة-عبد الحليم قنديل
كل هذا يجري ونحن لابثون في الخيبة-عبد الحليم قنديل كل هذا يجري ونحن لابثون في الخيبة-عبد الحليم قنديل

كل هذا يجري ونحن لابثون في الخيبة-عبد الحليم قنديل

المفارقة الكبري هي أننا ـ كعرب ـ تخلفنا، وانتهينا إلي الخيبة، وحيث تقدم الآخرون بالضبط. المفارقة الكبري هي أننا صرنا غرباء عن العالم وفيه، رغم أننا ـ بالجغرافيا ـ في قلبه، ورغم أننا ـ بالتاريخ الجاري ـ في مركز حوادثه العنيفة الدامية.
المفارقة الكبري هي أننا خرجنا من سباق الدنيا، وربما في ذات اللحظة التي تحول فيها تاريخ العالم إلي معني يقترب باتساع من جغرافيا العالم، فلم يشهد تاريخ العالم الحديث سنوات أعظم في دراما التطور من الثلاثين سنة الأخيرة بالذات، نفس الثلاثين سنة التي تدحرج فيها العرب علي المنحدر إلي هاوية، وبدا أنهم انتهوا إلي ثقب أسود يشبه حكاية بدء الخلق وربما نهايته.
نعم، الثلاثون سنة الأخيرة هي الأكثر ثورية، ورغم إغراء مقولات رائجة أثقلت نفوسنا، وغامت بخيالنا، وكفت منا حدود البصر والبصيرة، كأن يقال لك ـ مثلا ـ أن تداعي الاستقطاب علي القمة الدولية حرمنا من اتصال التطور، وأن التهدئة الأمريكية ـ السوفيتية التي بدأت أوائل السبعينيات، ثم تحولت إلي خلاء كامل مع انهيارات موسكو السوفيتية أوائل التسعينيات، وتفرد القطب الأمريكي الأوحد بمصائر العالم، أن كل هذه التطورات هي التي جعلتنا يتامي، وانتهت بنا إلي القاع، وإلي وضع الفريسة، ولم يترك لنا من خيار سوي أن نلوذ بكنف أمريكا، ونلعق أقدامها، وتماما كما جري للآخرين.
وليس أكثر خطأ ـ أضف الخطر ـ من هذه النظرة، ثم أنها كاذبة في أصل التكوين، ومحض أوهام تبرر ولا تفسر، ولايقوم مثالا عليها سوانا، وكأننا لسنا بشرا كالبشر، ولاأمة كالأمم، وكأننا من دنيا غير الدنيا، بينما نحن في قلبها ،لا تنقصنا موارد، ولا ثقافة تليق، ولاجغرافيا تحكم، ولاتاريخ حديث ـ ليس قديما ولا وسيطا ـ يثبت لنا أهلية وحق في التطور وتقرير مصائر العالم.
في بدء التاريخ الحديث كانت أوروبا، وكان الغرب، كانت دواعي النهضة، وكان العام 1492 حاسما، ففيه سقطت غرناطة، وجري إكتشاف الأمريكتين، ثم كان طريق السيطرة الأوربية إلي الشرق الأقصي بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح، وبدا الغرب كأنه العالم، أوقل: أن العالم بدا كأنه الغرب والباقي ، الغرب هو الثورة الصناعية، الغرب هو مدينة النور، الغرب هو نظريات السياسة والاقتصاد، ومناهج الأدب والفن، والفلسفات، ومركز الإلهام، وقوة الاستعمار الزاحفة بأسلحة العصر الناري ، يدمر ويبيد ويسيطر، ويذيب الثقافات والقوميات.
وكنا نحن ـ كغيرنا ـ في المحنة، انتهت الإمبراطورية العثمانية إلي الضعف الأخير بعد هزيمتها علي أبواب فيينا سنة 1763، وأرغم السلطان عبد الحميد الأول علي توقيع معاهدة كوشوك في إبريل 1774، وعبثا حاول سلاطين الآستانة استعادة الروح بإدخال المطبعة، لكن نتاج المطبعة ذاته كان تكريسا لدواعي التخلف والشعوذة، وزحفت طلائع الإستعمار علي القلب العربي ، بالحملة الفرنسية عام 1798، ثم بحملات البريطانيين ،ثم بالإجهاض الأوروبي ـ العثماني لنهضة محمد علي، ثم بسباق بريطانيا وفرنسا في الزحف علي المشرق والمغرب العربي ، ثم يتوقيع اتفاق سايكس ـ بيكو عقب الحرب العالمية الأولي، ونهاية خرائط العرب إلي التجزئة المتصلة.
ولم تخل الصورة ـ مع عموم الظلام ـ من ظواهر تحدي الغرب ، حركات مقاومة، وحركات تجديد ونهوض، وثورات شعوب، كانت الشعلة تضئ وتنطفئ، وإلي أن جري تطور أضعف قوة الغرب، فقد اندلعت الحربان الغربيتان ـ لا العالميتان ـ الأولي والثانية، وكانت النتيجة: إضعاف الغرب بالصدام الدامي ، ثم ظهر الوزن الروسي (السوفييتي ) متحديا ظاهرا عقب الحرب الثانية بالذات، وهو ما سمح لحركات تحدي الغرب ـ حركات التحرير الوطني ـ بانتصارات بالجملة، فقد كانت أوروبا الإستعمارية منهكة، وأمريكا الإستعمارية تتقدم إلي قلب العالم، وبعد أن كانت لها السيطرة لقرن سبق علي حديقتها الخلفية في أمريكا اللاتينية، بدأت تتطلع لشد العالم كله إلي ركابها.
ومع هذه التطورات والانشقاقات جميعا، كانت موجة تحدي الغرب تحقق النصر تلو النصر، وكان تاريخ العالم الجديد يكتب عندنا بالذات، فقد كانت معركة السويس ـ 1956 ـ هي التي قطعت ذيل الأسد البريطاني وأنهت الإمبراطورية الفرنسية، وبدأ عالم جديد في التقدم إلي المسرح، وتفاعلت أشواق شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتعاظم وزن حركة عدم الإنحياز والحياد الإيجابي ورفض الأحلاف، وكان عبد الناصر ـ كقطب عربي ـ مع شواين لاي وتيتو ونهرو وكاسترو هم أئمة العصر، ولم تكن الظاهرة مجرد رغبة في تحدي الغرب بدواعي استقلال العلم والنشيد، بل انطوت علي تجارب تنمية وتصنيع متصل، أخذت عن الغرب وقاومته في اللحظة نفسها، وكان بلد عربي كمصر ينمو ويتقدم بمعدلات مثيرة، ورغم توالي حروب هزمت فيها وانتصرت، كانت مصر ـ في معدلات التنمية والتصنيع والاختراق التكنولوجي ـ رأسا برأس مع كوريا الجنوبية، وإلي ما بعد حرب أكتوبر 1973، ولاتبدو التفاصيل مهمة وهي كثيرة، المهم : أننا كنا ـ كغيرنا ـ ضحية لإستعمار وتوحش الغرب، ثم أننا كنا في قلب موجة تحدي الغرب حين زحفت، وحين بدأت تطورات الدنيا تنتقل من زمن تحدي الغرب إلي موسم تحدي الغرب ، خرجنا من السباق، وانتهينا إلي مجرد ضحية مجددة للغرب... تحت القيادة الأمريكية هذه المرة.
ثم كانت دراما الثلاثين سنة الأخيرة، عند الآخرين وليس عندنا، بدت هذه السنوات هي الأعظم ثورية علي مدي الخمسة قرون، فقد مالت قوة الغرب فيها إلي تناقص، وصعدت قوة الشرق والجنوب، كان امتياز الغرب الأعظم في تفوقه المادي والتقني ، كان امتياز الغرب الأعظم هو تفوقه الساحق بقوة الاقتصاد والسلاح، وكانت فوائض القيمة المجلوبة بالنهب الاستعماري الواسع توسع في شوارع الغرب، وتضئ مدنه بالبريق الخلاب، وإلي حد بدا معه الغرب كأنه عجل أبيس المصنوع من ذهب مصهور، وبدت معه عبادة الغرب كأنها حلت بديلا لعبادة الله ،ثم بدا الغرب ـ في الثلاثين سنة الأخيرة ـ كأنه يهزم بسلاحه هو بالذات، فقد انتقلت قوة التقدم المادي والتقني باتجاه الشرق.
كانت اليابان قد سبقت بثورة الميجي في القرن التاسع عشر، ثم بإعادة البناء بعد خراب الحرب العالمية الثانية، لكن التحول الشرقي لم يقف عند حدود اليابان، وصعدت ظاهرة نمور آسيا، كوريا الجنوبية واصلت طريقها، وفي زمن تداعي الاستقطاب الثنائي بالذات، ظهرت معجزات ماليزيا وأندونيسيا، وتواصل التطور بالاقتصاد والسلاح في الهند، وبالسلاح في باكستان، ثم كانت معجزة الصين الكبري، حققت الصين في ثلاثين سنة ما حققه الغرب في خمسة قرون، حققت أعلي معدلات تنمية متصلة (بمتوسط 13% سنويا) في تاريخ العالم الحديث، ومع تحول بندول التقدم المادي والتقني إلي الشرق، انتقل بندول الإلهام إلي الشرق أيضا، تراجعت إغراءات وأسماء آدم سميث وكينز وروزفلت وتشرشل وإيرهارد، ولم يعد الغرب ينجب فلاسفة ولا آباء إلهام فكري ، وحلت أساطير دينج هسباوبنج ومهاتير محمد ولي كوان بو، وصارت مدن كشنغهاي وكوالالمبور وطوكيو وسول أكثر نظافة ونظاما وبريقا، وأغني بناطحات السحاب من مدن كنيويورك وباريس ولندن، وبدت القيم الآسيوية وثقافات الشرق القديم كأنها تسترد اعتبارها، وتؤكد تفوقها علي قيم الغرب التنافسية العدمية إلي مالانهاية.
وفي الغرب الأقصي كانت الظاهرة ذاتها تطرد، ولم تتوقف سيرة أمريكا اللاتينية عند موت جيفارا كآخر خبر في الراديوهات، ولاعند إنقلاب شركة النحاس والمخابرات المركزية علي الرئيس الاشتراكي سلفادور الليندي المغدور في شيلي ، بل جرت تطورات اقتصاد وتصنيع وسياسة هائلة، وبدت البرزيل والأرجنتين وشيلي كقوي اقتصاد صاعدة بامتياز إلي حلبة التنافس الدولي ، وتداعت السيطرة الأمريكية علي بيتها الخلفي الأصلي ، وظهر اليسار مجددا ـ وبقوة ـ في دول حوض الكاريبي والمكسيك، وبدت عواصم أمريكا اللاتينية في اللون الأحمر، فقد جددت ثورة الاقتصاد والتكنولوجيا عافية هذه المجتمعات، ودخلت في قلب تطورات العالم، وفي مدن الإلهام والأحلام، رغم أنها ـ بالجغرافيا ـ عند الطرف القصي ، وفي قلب العالم وعند حدود العرب بالذات، بدت ظاهرة تجاوز الغرب علي إطرادها، روسيا (نصف الشرقية ـ نصف الغربية) تستعيد نفوذها مع بوتين بعد خراب يلتسين وأيامه، انحسر نفوذها غربا وزاد إلي الشرق، وبدت معاهدة شنغهاي كأنها الحلف الوارث لحلف وارسو، وبدت قوي الجوار العربي (إيران وتركيا) علي اتصال أعظم بدراما العالم المتغير، إيران الخميني التي تحدت أمريكا تنتصر بثورة التصنيع وبالمشروع النووي ، وتركيا التي التحقت مبكرا بحلف الأطلنطي ، وانتهت لحنين إلي شرقها الإسلامي، تركيا العائدة من غيبوبة تحقق ـ مع حزب ذي ميل إسلامي ديمقراطي ـ نهضتها الكبري، وصارت القوة الخامسة عشرة في موازين اقتصاد العالم.
باختصار، تبدو تطورات العالم في غير صالح الغرب، وفي غير صالح أمريكا بالذات، وفي غير صالح خطة مد القرن الأمريكي لقرن آخر، فقد بدت أمريكا ـ عقب انهيارات موسكو ـ كأنها القوة المرغوبة المرهوبة في آن، بدت مرغوبة كأرض الأحلام، وبدت مرهوبة كأكبر أرمادا عسكرية في التاريخ، وصحيح أن أمريكا لم تفقد امتياز الاقتصاد والسلاح إلي الآن، وتحاول ـ ببلطجة السلاح ـ مد عمر القوة الطاغية، لكنها ـ بمعايير القوة الصلبة ـ إلي تراجع محسوس.
عقب الحرب العالمية الثانية كان اقتصاد أمريكا نصف اقتصاد العالم، وكانت أمريكا في وضع احتكار الرعب الذري ، وتراجع اقتصاد أمريكا ـ الآن ـ إلي ربع اقتصاد العالم، بينما انتشرت خرائط الرعب الذري ـ أو إمكانية تصنيعه ـ إلي ثلاثين دولة وأكثر. والمعني: أنه ليس بمقدور أمريكا ـ موضوعيا ـ أن تقرر مصائر العالم وإن أرادت، ولا أن تصبح قطبا وحيدا، فقط بمقدور أمريكا ـ ربما بفضل ديناميكية الهجرة أساسا ـ أن تنتهي إلي قطب بين أقطاب، وبمقدور الغرب أن ينتهي لثقافة بين ثقافات، لا إلي الثقافة الأعظم كما كان الأمر يجري في خمسة قرون مضت، فالصين وحدها ـ بعدد السكان ـ ضعف الغرب كله، والصين وحدها ـ بمعايير قوة السلاح والاقتصاد ـ ربما تصبح القطب الأول في عشرين سنة، لو واصلت وتائر النمو الراهن، وهو ما يوحي بعالم جديد يتجاوز الغرب بالجملة، وترجح فيه موازين الشرق والجنوب، وينتهي الغرب إلي قطعة من العالم بأقدار الجغرافيا، وليس إلي رأس للعالم ودينامو دوار لحركته الفوارة.
كل هذا يجري في الدنيا الواسعة من حولنا، بينما نحن في الخيبة!

- القدس العربي
المقاللات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق