خبر شديد الإيجاز، لكنه مفخخ بتضليل كبير: قضت المحكمة الجنائية المركزيّة في العراق بسجن مدير عام دائرة الوقاية والشفافية السابق في هيئة النزاهة 15 عاماً لتزويره شهادة جامعية له، وكانت الهيئة أحالته إلى المحكمة “ضمن استراتيجيتها المعلنة في كشف المفسدين والمزوّرين في مؤسسات الدولة العراقية”.
أول القول إن الحكم باهظ، وثانيه أن من الطريف أن يكون موظف رفيع في هيئة معنيّة بالنزاهة مزوّرا، وإن ليس منسيّاً أن الرئيس السابق للهيئة العراقية المذكورة اتهم بالفساد ويقيم في واشنطن حالياً. ويكاد المرء يتعاطف مع ذلك الموظف الذي عوقب بسنوات سجن كثيرة على مجرد تزوير شهادة جامعية، ذلك أن أرطال الفساد والارتشاء والاختلاس في العراق تستعصي على الحصر، ومن يقترفونها يعصون على العدّ، وبينهم وزراء ومسؤولون ينعمون بالحماية ووسائل الخروج من العراق، ووقائع وفيرة تجعل نكتة “الاستراتيجية المعلنة” لهيئة النزاهة صعبة البلع.
لم يخترع برهم صالح البارود الخميس الماضي، وهو يقول في مؤتمر في بغداد إن الفساد الإداري الذي تواجهه الحكومة العراقية التي هو نائب رئيسها هو التحدّي الأكبر والخطير الذي يهدد الجميع. وكانت سمجة إشارتُه إلى أن هذا الفساد يُنذر بضياع ما تحقق في بلاده منذ ،2003 فالعراق الذي استجدّ بعد العام المذكور يحظى بالمرتبة الثانية بين الدول الأكثر فسادا في العالم (بعد هاييتي)، بحسب أحدث تقارير “منظمة الشفافية والنزاهة العالمية”. أما التقارير الأمريكية فوصف أحدُها مشكلة الفساد بأنها “متوطّنة ومنهجية” في العراق، وذكر أحدثها في يوليو/ تموز الماضي أن سوء الإدارة والفساد مستشر بشكل وبائي، ويمثل “خطراً لا يقلّ عن التمرد المسلّح”، وأعلمنا آخر أن وزارة النفط أكثر الوزارات فساداً. والعجيب في أمر برهم أنه يحمّل “المجتمع الدولي” مسؤولية استشراء الفساد المالي في بلاده، والأعجب أنه راح يصوّب على الأمم المتحدة بسبب “فضائح النفط مقابل الغذاء” في زمن النظام السابق، ويُطالب بكشف واضح لكيفية إدارة أموال العراق في الفترة الماضية.
يحتاج أي قارئ عجول لمواجيز تقارير أمريكية وعراقية ودولية عن الذي يجري في العراق بهمّة ونشاط من فساد أسود، ونهب مريع، وتفشٍّ مهول للرشاوى وتغوّل للاختلاس وشيوع للارتزاق والسرقات المنظمة وبؤس في المراقبة، يحتاج إلى أعصاب خاصّة حين يستمع إلى برهم وهو يمارس الحول المفضوح. بإيجاز: ضاعت 18 مليار دولار من المال العام في أربع سنوات، تم ضبط 3 آلاف حالة فساد تورّط فيها وزراء ومسؤولون كبار، فُقدت 8،6 مليون دولار في عمليات مقاولات. تبخرت 8 مليارات دولار في أثناء إدارة بول بريمر، 8،8 مليار دولار لم يُعرف مصيرها بعد تسليمها للوزارات العراقية، 169 شكوى في قضايا فساد في وزارة الدفاع العراقية أحيلت 8 منها للقضاء ودين اثنان فقط. قد تكفي هذه الوقائع بين أخرى عديدة للتعاطف مع مزوّر شهادة جامعية ليشتغل مديراً عاماً ل”دائرة الوقاية والشفافية في هيئة النزاهة في العراق”.
- الشرق الاوسط
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
يحدث في العراق-معن البياري
