بعد أن استعر لهيب ثورة العشرين التي كانت بحق ثورة شعبية جسدت أرقى صور التلاحم الجماهيري حينذاك اضطر الاحتلال البريطاني للرضوخ, فوافق على أن تكون الإدارة السياسية للعراق بأيدي أبنائه ,فتشكلت حكومة وطنية من الطيف العراقي لكنها لم تخرج عن دائرة التأثير البريطاني و مع ذلك حققت انجازات كبيرة كان أهمها تأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1921..
فكان فوج موسى الكاظم النواة الأولى لجيش سيصنع تاريخا مشرقا في سجل المواقف الخالدة فراح ينمو و يعزز قدراته البشرية و التسليحية و يسعى إلى الانعتاق من دائرة السيطرة البريطانية على الرغم من القيود التي فرضتها بريطانيا على حجمه و تسليحه،لكن الإرادة الوطنية المخلصة لقادته تمكنت من إعداده بشكل مكنه من قول كلمة الفصل عام 1941 بثورة مجيدة قادها العقداء الأربعة صلاح الدين الصباغ و يونس السبعاوي و كامل شبيب و فهمي سعيد الذين اعدموا بتأثير بريطاني بعد أن أجهضت الثورة و لم تحقق أهدافها الكبيرة و في مقدمتها طرد الاحتلال لكنها على الصعيد المعنوي عززت ثقة العراقيين بأنفسهم و فتحت الباب واسعا أمام محاولات التحرر و الاستقلال ..عام 1948 كشف النقاب عن اكبر مؤامرة على تاريخ الأمة بإعلان الكيان الصهيوني دولة في قلب الوطن العربي و توج و عد بلفور بالتطبيق فضرب ذلك الحدث الذي سمي بالنكبة الوجدان العربي في الصميم، فما كان من الجيش العراقي إلا أن هب نحو معارك المصير فسجل فيها أروع صور الاستبسال فامتزجت دماء شهدائه بتراب فلسطين ليحفظه العصر شهادة خالدة على الدور المشرق، فكاد أن يجعل حلم تحرير حقيقة لولا تواطؤ بعض الأنظمة العربية التي كانت تدين بالولاء لبريطانيا.. الحؤول دون تحقيق حلم التحرير شكل محطة لترتيب الأولويات في مهام الجيش فأدرك أن هناك خطوات يجب ابتاعها كضرورة حتمية لبلوغ الأهداف السامية .. ففي صبيحة 14 تموز 1958 فجر الجيش العراقي ثورة غيرت مجرى الأحداث في تاريخ العراق الحديث و أنهت حقبة مظلمة من التبعية للقوى الكبرى .. عام 1967 اندلعت منازلة جديدة بين العرب و الكيان الصهيوني و كعادته لم يتخلف جيش العراق عن دوره التاريخي فأعطى للأرض العربية زهرة رجاله الذين تركوا قبورهم في الناصرة و الجولان و القنيطرة للسائلين عن الكرام دليلا.. ثم شعر أن مشوار التصحيح مازال طويلا و عليه أن يخطوه إلى نهايته فكانت ثورة 17-30 تموز 1968 التي حسمت ملف حكومة ضعيفة شكلت جزءا كبيرا في طابور الفشل العربي الذي أنتج نكسة حزيران.. ثم ماتنفك المنازلة أن تستعر من جديد عام 1973 فلم تترك المسؤولية التاريخية للجيش العراقي أي خيار إلا المشاركة فسارت دباباته 100كم على سرفها لتدرك دمشق من السقوط . و جبهات القتال السورية و الأردنية و المصرية ليس بوسعها إلا إن تجل الدور البطولي للجيش العراقي في تلك الحرب.. لم تمض سوى سبع سنين فبدأت صفحة أخرى من سجل التآمر على مصير العرب فتصدى فيها جيش العراق للأطماع الفارسية المغطاة بلباس مذهبي و نزعات طائفية فخرج منتصرا من حرب أكلت من الزمن ثماني سنين.. فتنبه الأعداء لخطورة هذا الجيش على المشاريع الصهيونية فاتخذت الدوائر الغربية قرارها الحاسم بضرورة تدميره .. فدفعت حكام الكويت عام 1990 ليكونوا رأس الرمح في المؤامرة لاستدراجه إلى معركة غير متكافئة في التوقيت و القدرات.. لكن زعماء الاستكبار الدولي رأوا أن تلك الحرب الظالمة لم تجهز على مقومات بنائه و قدرات نهوضه من جديد فاتبعوا أساليب لا تقل مكرا و خبثا عن الحرب فسدوا كل المنافذ المحتملة لإعادة بنائه بحصار بغيظ اهلك الزرع و الضرع .. و على الرغم من ذلك لم تهدأ نفوسهم, فطالما أن المنظومة السياسية التي تقوده متمسكة بذات الثوابت, فان هذا الجيش سيبقى خطرا لا بد من القضاء عليه.. فعادوا إلى تجارب إسلافهم مستفيدين من تاريخ التعاون الفارسي اليهودي في اسقاط بابل فكانت المنازلة الحاسمة عام 2003 التي أسقطت كل الاقنعة فحرص حكام الكويت على ان تمر الجيوش القادمة لإسقاط بابل عبر بواباتهم ليتخلصوا من عقدة اسمها العراق .. فجاء قرار حل الجيش العراقي في باكورة قرارات الاحتلال الأمريكي ليعزز ما ذهبنا إليه من قناعة بأن تدمير الجيش العراقي هو الهدف الإستراتيجي للمشاريع الصهيونية و الفارسية.فبقاؤه كمؤسسة موحدة يشكل خطرا قائما فربما ينقلب في أي لحظة على محور العدوان فيغير موازين المعادلة .. لكن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر.. فوجد المتآمرون على تاريخ العراق انفسهم في مستنقع ضحل.. ( البقاء فيه مكلف و الخروج منه غير ممكن)..
وكالة الاخبار العراقية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
الجيش العراقي تاريخ مشرق و مواقف خالدة -محمد نصيف
