بلغة الإحصاءات، غير السعيدة، ومن دون الاعتراف بأي مرجعية أو شرعية للمنجمين، نقرأ أرقاماً من آخر العام 2007، من دون إغفال الواقع الموحد الذي بات القاسم المشترك الكبير بين أطراف المنطقة، ولا يزال حتماً:
- في العراق قتل 568 شخصاً في آخر شهور 2007.
- في العاصمة الصومالية مقديشو قتل 6500 مدني خلال العام الماضي، فيما تجاوز الجرحى 8500، ونزح مليون ونصف مليون من سكان المدينة الضائعة في غابة سلاح.
- في آخر الاشتباكات بين «فتح» و «حماس» في غزة ليلة رأس السنة قتل سبعة فلسطينيين، وعلى مدى 2007 لم تتكبد إسرائيل سوى عملية انتحارية واحدة... وفي أول ايام العام الجديد قتل ثلاثون عراقياً بهجوم انتحاري على مجلس عزاء.
أداة القتل ناشطة، لا حرمة لأي شيء أو أي قدسية، بل ان الفلسطيني لم يعد لشدة وطأة مأساته، يسأل برصاص مَن يسقط نساء وأطفال وتهدم بيوت على رؤوسهم... برصاص فلسطيني وصواريخ فصائل أم بنار الإسرائيلي؟
القتل ديبلوماسية في المنطقة وسياسة، من العراق الى الصومال وفلسطين... أما شعارات الوحدة الوطنية التي كلما تكاثر دعاتها ابتعدت عن الواقع والأحلام، فهي هي من بغداد الى مقديشو وغزة ورام الله، بل حتى الى بيروت التائهة على خطوط التماس بين المطالب والشرعيات.
أليس كابوساً كافياً لإثارة الذعر، تعميم نماذج الدول «السائبة»، المستباحة شرعياتها ومؤسساتها ودساتيرها، المنتهكة بقواميس تبادل اللعنات لانتزاع التنازلات من الخصم – العدو «الوطني»، أي «عدو» الداخل المتهم بالعمالة للشيطان والتلاعب بالمصائر والاتجار بالوحدات الوطنية؟
أداة القتل ناشطة لتحريك الخرائط، ومأساة العربي انه بات يدرك ما يُخبّأ له، في الليالي الظلماء التي يتحول فيها الشقيق الى العدو الأول، العميل لجورج بوش أو لخصمه المفضل محمود احمدي نجاد... أو حتى لهوغو تشافيز، الى ان ينهض فيديل كاسترو من كبوته الصحية!
للعربي ان يحسد الإيراني الموعود بانتخابات هذه السنة، أقصى أسلحتها الشتائم التي يكرهها المرشد... أو الأميركي الذي يحصي الأيام الباقية قبل مغادرة بوش البيت الأبيض، أو حتى الشيشاني الذي بات يعرف حدود لعبة الأمم ومساحة القتل.
المنطقة موعودة اولاً بزيارة قريبة للرئيس الأميركي الذي بات اقصى «إنجازاته» مجرد رؤية للدولة الفلسطينية «القابلة للحياة»، فيما هو مقبل دائماً على تقديم كل ما يمكّن اسرائيل من تصفية حلم الدولة، وتشجيع ابناء فلسطين على تدمير ما بقي من قضيتها.
بوش لن يخدع أحداً، بالأحرى لم يعد قادراً على توزيع الوعود والأوسمة، بعدما ترك للتاريخ فصولاً دموية في العراق، لن يقوى الجمهوريون ولا الديموقراطيون على محوها من ذاكرة اميركا والعالم. ولكن كم قسط العراقيين من فعل البراءة؟
للمنطقة موعد ايضاً مع القمة العربية المقررة في دمشق. يفترض ان تكون مناسبة للتضامن ووقف الانهيارات والاستباحات شرطاً للإنقاذ. والأهم ان تكون القمة، إذا عقدت، فرصة لاستكشاف اسباب تمدد الدول «السائبة»... الزاحف بوتيرة انفجار بركاني. أما صفتها العربية، فتكفي لتذكر شعار قمة الرياض، ووظيفة مؤسسة الجامعة، والمصالح المشتركة التي كانت دائماً حافزاً لصد رياح الخارج.
لعل مقولة النقد الذاتي باتت موضة قديمة، على الأقل ألا يجدر التأمل بالنتائج المحتملة للإمعان في نهج الخصومات، والمكابرة بالشعارات، والمفاخرة بمنازلات عربية – عربية فيما قوى مجاورة تطوق المنطقة، تارة باسم التصدي لأحلام بوش، وأخرى بذريعة الغيرة على وحداتنا الوطنية، أو تعليمنا لغة القتل في فلسطين، كما تفعل إسرائيل، ليصبح كل عربي إرهابياً؟
كانت القضية الأم، منذ ولدت مؤسسة القمة العربية، فلسطين. معها اكتشف العرب رئة الحرية. اليوم يحتج الفلسطينيون في رام الله على ما يعتبرونه خنق «حماس» للكلمة والرأي في غزة.
مشكلة ضياع كلمة، أم هدر أرواح بأيدي اشقاء، وتعميم مساحات الأوطان السائبة، وتجهيل الفاعل؟
الحياة
المقالاات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
فلنحسد الأميركي والشيشاني- زهير قصيباتي
