في واحدة من شطحات الرئيس بوش الكثيرة ، وخلافا ً لمعهوده السياسي واضطلاعه المعروف ، ضمن عقلية حسم الأمور عن طريق الغزو وهيمنة القوة الغاشمة ، على مقدرات الأوطان والشعوب الأخرى ، فقد أقرَّ هذا الرئيس بأحقية مقاومة الاحتلال ، وعدَّها فعلاً طبيعياً من أبناء الشعب المقاوم إزاء المحتلين الغزاة .
وإنْ كان مثل هذا الإقرار لا يعدو عن كونه تماشياً مع متطلبات التسويق الإعلامي لعقلنة السلوك السياسي ، فهو ومن جانب مهم ، يُمثل تأكيداً وإصراراً عدوانياً صارخاً ، على تفعيل الخيارات العسكرية ، وتأكيد المسعى غير الأخلاقي في استخدام وسائل الحرب المحظورة والفتاكة ، كالسلاح الفسفوري والكيمياوي والنابالم ، خاصة في إطار دوامة المعارك الطاحنة ، التي عاشتها قوات الاحتلال الأمريكي في ( فلوجة ) العراق .
فلا شيء يمنع الغازي عندما يقوم بغزوه المفترى ، من الحرص على إحراز كسب جولة بطريقة مخزية ، تتخطى كل المعايير الملتزم بها في حالات الحرب والمعارك ، وهذا ما دأبت عليه عقلية الغزو الأمريكي في احتلال العراق ، وبالتالي يصبح كلام الرئيس بوش عن أحقية المقاومة ، كلاماً مُنصبَّاً في مضامين التوجيه السياسي ، لجنودة المرتبكين من خفايا المقاومة العراقية ومصائدها المعدَّة للمواجهة .
لقد نسي الرئيس بوش أو تناسى عن عمدٍ واضح ، بأنَّ أباطيل الاحتلال ، لا يمكن أن تنطلي حتى على ذهنية مناصريه الخاطئين ، الذين مضوا متساقطين واحدا تلو آخر ، تحت أغطية المسميات الظاهرية والتحزب الغربي ، بالشكل الذي يمكن من خلاله تسويق أكذوبة كون الاحتلال تحريراً ، أو أحبولة كون الذئب الغادر حملاً وديعاً ، لأنَّ القيم المادية المبثوثة ضمن حالات الخطأ الإستراتيجي الغربي ، دائماً تصبح وبالاً على المستندين إليها ، حينما تصطدم علنا ً أو في الإيحاءات المخفية ، بمنظومة القيم الأخلاقية والروحية ، طبقا لقاعدة : " بأنَّ لكل فعل ردَّ فعل " .
إنَّ مجرد الاعتراف أو حنى عدم الاعتراف بوجود الاحتلال ، يعني ضمنياً بأحقية المقاومة ، سواء صرح بها الجانب المقابل مُتبنّي عقلية الاحتلال أو لم يصرح بها ، اعترف بأحقيتها أو لم يعترف ، ومهما كانت ذريعة الاحتلال وتسمية حالته المتحققة ، فإنَّها تبقى ذريعة مموهة متضادة ، مع سلوكيات الدور النظيف في السياسة واتخاذ القرارات ، بل ومتعاكسة تماماً ، مع الحالة الطبيعة أو الاعتيادية المتمثلة بالحصانة السابقة قبل حصول خرق الاحتلال .
وإذا كان العراق المحتل يعيش خريف أيامه السود ، دون جدال ، وبعيداً عن أكاذيب بوش ، والبروبوكاندا الوهمية الموظفة ،حول هذه الحقيقة المرّة ، التي جعلته عراقاً ليس عراقاً ،ً ووطناً ليس وطناً ، بل كائن مخنوق من جميع جهاته ، الجغرافية والسياسية والاجتماعية والنفسية ، فإنَّ العراقيين المقاومين ، الذين واجهوا بكل صدورهم المكشوفة ، أنواعاً معروفة وغير معروفة من مآسي القتل والتدمير والجراح والتهجير والتقسيم والفساد والمصاعب والبلاء ، ظلوا بحاجة ماسَّة إلى بوصلة التنبيهات ، التي تشعرهم في كل لحظة ، بأنَّهم أمام حالة غزو فعلي ، وسطو عسكري مسلح ، حادث في حياتهم اليومية ، مع سبق الإصرار والترصد من قبل الجيش الأمريكي .
وهذا الغزو أو السطو ، لا يمكن له أنْ ينتهي ، ما لم يتم الإقرار بادئ ذي بدء ، بأنَّه احتلال تحقق بالنار والأساطيل والبساطيل والصواريخ والطائرات والدبابات والهمرات ، وبموجب ذلك السلوك الواضح من العدوان ، جرى أخذ البلاد عنوةً من أهلها ، وليس مقبولاً عند العراقيين قبل غيرهم من العرب والمسلمين وبقية شعوب العالم ، بل من الوهم عليهم أن يُقال : بأنَّ غزو العراق واحتلاله ، كان ضربة حظ ، أصابت العراقيين بعطور الديموقراطية والمستقبل الموعود بالازدهار والحرية ...!
فمن العيب ، ومن السقوط بكل معنى الكلام ، تجاهل حقيقة المقتل اللاأخلاقي ، الذي تعرض له العراق فوق الحزام وتحته ...! فمن تهديم الدولة وموت المؤسسية ، إلى تخريب المنظمات العامة وتشتيت الهوية الوطنية ، بين الطائفية والقومية والجماعوية والميليشيات والمناطقية والعشائرية والمحليات والمحميات ، بوصفها أقطاباً متماحكة ، متوقع لها الدخول في قفص التحارب والتنابذ والتناطح في أية لحظة ، تحت يافطات ومسميات الأحزاب والتيارات والتجمعات والتحالفات ، التي ثبت وسيثبت بشكل أكثر مستقبلا ، بأنَّها أبعد ما تكون عن قيمة الوطن المتعافي المستقل ، وعن معالم الوطنية المحصنة ، وعن الحرص على بناء المواطن الفاعل .
فلقد بقي العراق يئن تحت سياسات الاحتلال الأمريكي ، منذ ما يقرب من الستين شهراً ، وبقي العراقيون المشروع الدائم ، لكل خسارة واردة ومحتملة ، طالتهم بالفساد والخراب والضياع ، والعراقيون اليوم لا يضطلعون على كلمة سواء ، توحّد شعثهم وتلمَّ شملهم في مقاومة تماسكية شاملة ، تخرجهم من دائرة الاحتلال ، وتدفع جيوش الغزاة ، لكي يعودوا إلى قارتهم وراء البحار ، منكسرين مخذولين بائسين ، وتغريم الظالم المعتدي سيئات أفعاله وجرائمه وأكاذيبه في العراق .
وفرصة العام الجديد 2008 ، هي الفرصة التاريخية الحاسمة في تفعيل المقولة الشهيرة : " أكون أو لا أكون .؟ أمام العراق والعراقيين ، ولا ينبغي جعلها فرصة مرسومة بإرادة الغزاة ولا تمثيلية رديئة لممثلين فاقدين في دواخلهم مسؤولية التحرر الوطني ، ولا تدلل سيرتهم الذاتية المجبولة بالفشل والانتهازية والعمالة ، إلاّ على كونهم ذوي الشهوة والخيانة وبيع البلاد ، لأنَّ ذلك سوف لا يقيم وزنا لذكر الشعب المقاوم ، ولا للوطن المقاوم ، وسيجعل من بلاد الرافدين ، حكاية تاريخية عن حضور قديم ، غائب في لحظة الصواب والحقيقة عن حيويته في مستقبل الأيام .
فالعام الحالي الجديد 2008 وهذا يومه الأول قد دخل الغمار ، غمار الحرب والنار في معركة احتلال العراق ، ليحرص العراقيون على جعله عاماً خالصاً من أجل العراق ، عاماً تاريخياً لاستعادة الذات والخصوصية من المحتلين السارقين والمتطفلين والطارئين والفاسدين والغرباء ، ليكن عام العراق ، مقاومةً ورفضاً حقيقياً للباطل ، وإثباتاً يقينياً لخسارة المعتدين ، وليس عاماً تمثيلياً لبوش وتقليعاته البائسة ، ولا لأمريكا الغازية بإدارة الحزب الديموقراطي القادم .
فليس سوى العراق ... فانتبهوا أيها العراقيون ...!
وليس سوى العراقيين ... فانتبهوا أيها الناس ...!
وكالة الاخبار العراقية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
انتبهوا أيها العراقيون .. إنَّه عام العراق- د . فهمي الفهداوي
