تحرص حكومة المالكي علي التغني بحالة التحسن الامني في العراق وانخفاض عمليات الهجوم التي تستهدف القوات الامريكية وعناصر اجهزة الامن والحرس الوطني العراقيين. وتعتبر هذا التحسن من ابرز انجازاتها، ولكن واقع الامر مغاير لذلك تماما.
ومن المفارقة ان الادارة الامريكية تخرج علينا باحصاءات تؤكد ما يردده السيد المالكي وافراد حكومته، وتصف العام المنصرم بانه الاقل دموية بالمقارنة مع الاعوام السابقة.
ولا يستطيع احد ان يشكك بدقة هذه الاحصاءات، فالعام الماضي كان اقل دموية فعلا، ولكن الحقيقة التي يتناساها الجميع، ان العراق، وبعد خمس سنوات من التحرير من المفترض ان يكون مزدهرا ومستقرا، ويخلو من اي اعمال قتل او عنف، ويمثل نموذجا في الديمقراطية واحترام حقوق الانسان في محيطه الشرق اوسطي.
ففي ظل وجود مئة وسبعين الف جندي امريكي وثلاثين الفا من القوات المتعددة الجنسيات، علاوة علي ربع مليون عنصر امن وحرس وطني، من المفترض ان يكون العراق اكثر امنا، وحكومته مسيطرة علي الاوضاع بالكامل، وحركة اعادة الاعمار قد بدأت تعطي ثمارها رخاء ووظائف وتحسين الخدمات ومستويات المعيشة للعراقيين جميعا.
حكومة المالكي تفتقد الشرعية ليس بسبب فشلها في تحقيق وعودها بالامن والرخاء، وانما لان معظم الكتل السياسية الداعمة لها لم تعد تساندها، وسحبت جميع وزرائها منها، اي انها بقيت حكومة بالاسم فقط، ولعدم وجود بديل مقبول يتولي المسؤولية في حال اقدم المحتل الامريكي علي حلها.
الهجمات انخفضت لان القيادة العسكرية الامريكية يئست من هذه الحكومة، ومن اي محاولة لاصلاحها، وسلمت بعجزها في المجالات الامنية علي وجه الخصوص، وقررت ان تتصرف بمعزل عنها، ومن هنا عملت علي اللجوء الى العشائرية، وتشكيل ما يسمي بقوات الصحوة لخلق ميليشيات موازية تضم بعض عناصر الجيش المحلول، وبعض منتسبي اجهزة الامن السابقة لكي تتصدي لتنظيم القاعدة .
بمعني آخر نجحت القيادة العسكرية الامريكية بجعل السنة يقتلون السنة، والشيعة يقتلون الشيعة، وبما يجعل الجميع ينسي الاحتلال الامريكي كليا وعدم النظر اليه باعتباره عدوا تسبب غزوه بكل مآسي العراق الحالية التي نراها، وانما كحكم بين المتقاتلين جميعا.
الاحتلال الامريكي، وبدعم من دول خليجية ثرية، وتعاون اردني مكثف، بات يمول الميليشيات الجديدة، ويستقطب شيوخ العشائر، ويدفع الرواتب لمقاومين سابقين تحت ذريعة محاربة القاعدة بدلا من محاربة قوات الاحتلال.
المالكي هو آخر من يعلم، ولم تستشره قوات الاحتلال مطلقا بشأن قوات الصحوة هذه، ورفضت كل مطالبه بحلها وعدم تسليحها لما يمكن ان تشكله من اخطار في المستقبل، الامر الذي يؤكد بؤس الوضع الذي وصل اليه العراق، وفقدان حكومته اي مصداقية او قرار مستقل بمعزل عن اوامر الاحتلال وتوجيهاته.
فترة الهدوء الحالية ربما تكون مؤقتة، وعودة بعض الفارين بارواحهم الي سورية والاردن لا تعني ان التحسن نهائي، وانما لعدم وجود وظائف او فرص عمل، وغلاء المعيشة، ومضايقات السلطات السورية، والقيود المفروضة علي الاقامة، ولعل حادث التفجير الاجرامي الذي استهدف جنازة في شرق بغداد وادي الي مقتل ثلاثين شخصا واصابة العشرات هو تذكير بان اعمال العنف ما زالت علي حالها، وان انخفاضها قد يكون مؤقتا للأسف الشديد.
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
هدوء ملغوم في العراق الجديد -راي القدس العربي
