هيئة علماء المسلمين في العراق

الاوهام الامريكية-زكريا شاهين
الاوهام الامريكية-زكريا شاهين الاوهام الامريكية-زكريا شاهين

الاوهام الامريكية-زكريا شاهين

إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية كبيرة فى قوتها وكبيرة فى اقتصادها القارى وكبيرة فى نفوذها المفروض بغطرسة القوة، فهى كبيرة أيضا فى أوهامها. فى حسابات الأوهام الأمريكية أنه يمكن للولايات المتحدة، أن تتحكم بالعالم، سياسة واقتصادا، وأنه يمكن السيطرة على ثروات الشعوب لصالحها طوعا من قبل أصحابها أو بقوة السلاح، وأن النموذج الأمريكى هو الذى يجب أن يسود بعد أن صدّق الساسة الأمريكيون أن نهاية التاريخ "بحسب فوكوياما" قد أزفت بفعل غياب القطب المنافس لها، وأن التاريخ هو الآن حكرا عليها كصناعة بامتياز.

الولايات المتحدة الأمريكية، وفى ظل إدارتها الحالية، كشفت عن وجهها القبيح ومن الخطأ التفكير بأن هذا الوجه القبيح قد أصبح كذلك فى عهد بوش الصغير، فالإدارة الحالية ورئيسها هى نتاج النموذج الأمريكي، لكن التوقيت وبحسب الأوهام الأمريكية، جاء مناسبا مع التطورات العالمية التى أسست لوجود القطب الواحد مع تراجع أقطاب أخرى. لكن الأمور لم تسر كما رسمتها الأوهام الأمريكية، إذ مقابل سقوط القناع عن الوجه الأمريكى كان رد الفعل العالمى مغايرا لحسابات الساسة ولتوجيهات المنظرين الذين مهدوا لهذا التوجه، حيث سقط الحراك الأمريكى فى خطأ أوهامه سياسة وقوة واقتصادا، واضعا القطب الأوحد فى مأزق لا يتعلق بفشله فى تطبيق السياسات التى رأى أنها مناسبة فى توقيتها للبدء بتنفيذ المخططات المعدة سلفا للسيطرة على العالم والتحكم بمقدراته فحسب، وإنما أيضا فى كسب كراهية العالم رسميا وشعبيا وإن كانت المصالح تتغلب على الجهر بالرأى الرسمى عادة.

المنظرون الأمريكيون أطلقوا العنان لخيالهم المريض بالعظمة والغطرسة، ليعلنوا نهاية التاريخ للعالم وبدء التاريخ العالمى المصاغ بطريقة أمريكية، لكن الفشل المتواصل للسياسات الأمريكية، دفعهم للتراجع عن نظرياتهم عبر تبريرات لا مضمون فيها سوى الكلام. لقد تفننوا فى اختراع الأعداء الجدد بعد أن قالوا إن العدو التقليدي، وهو الاتحاد السوفيتي، قد تم إنهاء الصراع معه، بمعنى، لم يبق فى العالم سوى النهج الأمريكى الرأسمالى ولا مكان لنهج آخر فى هذا العالم مع بداية الألفية الجديدة 2003.

فى التصنيفات الجديدة لنتاج السياسة الأمريكية نوعان، الأول: ما أعلن عنه المنظرون والمفكرون حين حددوا أن خطوط الصدع السياسية المستقبلية فى العالم تتمثل فى عدوين هما الإسلام والصين، والمواجهة حتمية بين نظام القطب الواحد وهذين العدوين.

أما على الصعيد الرسمى فقد جاء التحديد أكثر فجاجة حين رفعت إدارة الرئيس بوش وعلى لسانه مقولة" من ليس معنا فهو ضدنا" وهى وان لم تسمّى الأشياء بأسمائها مباشرة هنا، إلا أن ما تبع ذلك كان التوصيف والتقسيم لدول العالم على أنها محورا للأشرار وآخر للخيرين. الأشرار بالطبع هم الذين لا يتّبعون الاملاءات الأمريكية، وأما الأخيار فهم الخانعون والمستسلمون لإرادة القطب الواحد مع كل تبعاتها، وان كانوا فى المحصلة أخيارا بشكل مؤقت، فلا صداقة دائمة، ولا عداوة أيضا دائمة فى قوانين السياسة الأمريكية، فالمصالح أولا ... وأخيرا.

الإدارة الأمريكية تدرك الآن وبعد الفشل الذى منيت به سياستها، بأن عليها مراجعة الأمر من جديد، لكنها تدرك أيضا، أنه لا يمكنها أن تعيد القناع الذى سقط عن وجهها القبيح ببساطة هكذا، لذلك فقد لجأت إلى إنشاء مؤسسة لتجميل الوجه الأمريكى معززة بالمشاريع الإعلامية المتمثلة بالإذاعات الموجهة والفضائيات المشبوهة، والمالية التى عليها شراء الآخرين تحت مسميات عدة ومنها بعض ما يسمى المنظمات المدنية، لكنها لم تستطع أن تحقق شيئا إذ أن استقالة مسؤولة هذه المؤسسة الجديدة" هيوز" جاء نتيجة لذلك الفشل.

أما أحدث أوهامها بالخصوص، فهو ما أعلنت عنه وزارة الدفاع الأمريكية المتمثل بتنفيذ برنامج "غسيل مخ" و"إعادة برمجة" للمعتقلين العراقيين لضمان عدم حملهم السلاح ضد قوات الاحتلال بعد الإفراج عنهم، بمعنى، إقناع العراقى بأن الاحتلال والنهب الأمريكى وإذلال الشعب العراقى عمل ايجابى يجب أن يهلل له. أليست أوهام الولايات المتحدة كبيرة حقا.

العرب اونلاين
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق