الانسحاب الآن... جرِّبوا أفضل السيناريوهات؟!!
تمول القيادة العسكرية الأميركية في العراق وبشكل منتظم 19 هيئة استشارية يشرف عليها متعاقدون مع الجيش الأميركي ترفع نصائحها إلى القيادة الأميركية في خمس مدن عراقية. وتوضع النتائج المتمخضة عن الدراسات التي تعكف عليها الهيئات الاستشارية بين أيدي القائد العسكري الأميركي هناك الجنرال "ديفيد بيترايوس" لتصبح جزءاً من "تقييم سير المعارك" الذي يعده موظفوه على نحو يومي. والواقع أن هذه الهيئات الاستشارية المتعاونة مع الجيش الأميركي، بموجب عقود خاصة، يتراوح تقييمها للوضع في العراق بين الإيجابي والسلبي. ...
وبرغم النسبة الضعيفة للأرقام التي أوردتها الهيئات الاستشارية المعنية بتقييم الوضع في العراق، إلا أن 25% من العراقيين أعربوا عن رضاهم عن أداء الحكومة في بغداد، كما أقر 15% منهم بتزايد كميات الوقود المطروحة في السوق.
لكن الأهم من ذلك هو ما أورده التقرير، وينظر إليه على أنه أمر إيجابي، على رغم أن النبأ في الحقيقة يعتبر سيئاً بالنسبة لإدارة الرئيس بوش ولكل السياسيين "الديمقراطيين" و"الجمهوريين" من المرشحين للانتخابات الرئاسية الأميركية. هؤلاء المرشحون الذين يتفقون مع دوائر اتخاذ القرار في واشنطن على أنه يتعين على أميركا البقاء لفترة أطول في العراق قد تمتد إلى سنوات، بل إلى عقود كما يخطط لذلك البنتاجون مع إقامة قواعد عسكرية دائمة يفترض أن تضمن الاستقرار في المنطقة وتحمي إمدادات النفط من التهديدات الإقليمية.
وقد كشفت الدراسات التي أجرتها الهيئات الاستشارية المذكورة أن معظم العراقيين يعتبرون أن "مفتاح المصالحة الوطنية" إنما يكمن في مغادرة القوات المحتلة للبلاد. ويستخلص المحللون العسكريون من هذه النتائج أن العراقيين يلمسون في أنفسهم القدرة على إنهاء العنف المدني المتفشي في بلادهم عندما تغادر الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق.
والحال أن المحللين العسكريين لم يتوقعوا أبداً أن تأتي النتائج بهذا الشكل، بل كانوا ينتظرون من العراقيين أن يقروا بعجزهم في تحقيق المصالحة الوطنية ورفع أيديهم أمام واقع العنف وأجواء انعدام الثقة السائدة بين الأطراف العراقية المتصارعة. غير أن الهيئات الاستشارية من خلال دراستها أكدت حقيقة مغايرة تماماً تشير إلى ثقة العراقيين في قدرتهم على تحقيق المصالحة الوطنية شريطة انسحاب القوات المحتلة وتحكم العراقيين في مصائرهم دون تدخل خارجي. وأظهرت النتائج أيضاً وجود "شعور بالتفاؤل يطغى على المستجوبين العراقيين، على رغم اعتقادهم بأن الحكومة الحالية عاجزة عن المضي قدماً في عملية المصالحة الوطنية الضرورية لإنهاء العنف". والأسوأ من ذلك بالنسبة لبعض دوائر القرار الأميركية التي راهنت على العنف في العراق لإدامة وجودها ما كشفته الدراسة من أن العراقيين يعتبرون أن "العناصر السلبية في حياتهم بدأت مع الاحتلال الأميركي في عام 2003".
ويبدو أن التواجد الأميركي في العراق غطى على ضروب المعاناة التي رزح تحت وطأتها العراقيون خلال فترة حكم صدام حسين بالنظر إلى التجاوزات التي تورطت فيها القوات الأميركية طيلة تواجدها في بلاد الرافدين. وبينما انتقد العراقيون، حسب دراسة الهيئات الاستشارية، التدخل الإيراني في شؤونهم الداخلية، اعتبروا أن خطط الولايات المتحدة للبقاء في العراق تغذيها الرغبة "في السيطرة على النفط". وهذا الاختلاف الكبير بين توقعات المسؤولين الأميركيين والحقائق التي أشارت إليها الدراسة يؤكد فقط ما كان يقوله بعض المراقبين من أن العراقيين يريدون عودتنا إلى الديار. كما تؤكد النتائج أيضاً أن الغزو والاحتلال هما السببان الأساسيان وراء مأساة العراق، وأنه إذا ما سحبت أميركا قواتها من العراق فإن العراقيين يستطيعون التغلب على خلافاتهم ومد جسور المصالحة مع جميع الفرقاء، ثم تولي إدارة شؤونهم. والأكثر من ذلك توضح النتائج الضرر البالغ الذي تلحقه التدخلات الخارجية في البلدان واستحالة انبثاق حل معقول لأزمات البلدان ومشاكلها من الخارج.
وعلى غرار التخبط الأميركي في العراق ورغبة أهله في خروج الولايات المتحدة من بلادهم فشل حلف شمال الأطلسي في حل مشكلة أفغانستان والمتمثلة في رجوع "طالبان" إلى الساحة. فهذه الأخيرة مع تشددها الديني ونظرتها الضيقة للعالم تستغل انتماء الكثير من عناصرها لـ"البشتون"، أي أكبر المجموعات العرقية في البلاد وفي المناطق المحيطة بأفغانستان.
وهي المناطق التي كانت تعرف على الدوام مشاكل بين المجموعة الإثنية الأكبر وباقي العرقيات مثل الطاجيك والأوزبك والهزارة الذين يشكلون مجتمعين أقل من 40% من المجتمع الأفغاني.
ولن تستطيع أي قوة خارجية تسوية النزاعات بين المجموعات المختلفة في أفغانستان مهما بلغت قوته ..حيث رأينا من قبل كيف فشل الاتحاد السوفييتي السابق في فرض حكمه على أفغانستان وتغيير طبيعتها القبلية.
ويليام فاف
كاتب ومحلل سياسي أميركي
صحيفة الحقائق
الانسحاب الآن... جرِّبوا أفضل السيناريوهات؟!!
