ما زالت المعارضة اللبنانية، تتصرف، منذ حرب تموز 2006 على أنها جهة منتصرة، يحق لها فرض شروطها على الدولة اللبنانية، وهي تضغط لتمرير شروط المنتصرين، حتى لو ادى ذلك الى تجاوز الاطر الدستورية، وتعطيل مؤسسات الدولة الدستورية، فالثلث المعطل الذي يمسك بقرار الدولة اللبنانية، ويكون سيفا مسلطا على أي قرار وطني هو الهدف؛ وليس في العالم مثال مشابه، تمسك فيه الاقلية بقرار الاغلبية وتعطله اذا اختلف مع مصالحها.
صحيح ان حرب تموز كانت انتصارا دعائيا لحزب الله؛ وان انتصاره قائم على ان اسرائيل فشلت في تدمير حزب الله، لكن الحرب فيما عدا ذلك لم تكن نصرا لشعب لبنان، بل خسارة دمرت معظم ما تم تعميره بعد الحرب الاهلية، حتى اولئك الموالون لحزب الله الذين يعتبرون انفسهم شعب المقاومة، دكت قراهم ومنازلهم وسويت بالارض في حرب حزيران.
اما الجنرال عون، القطب الماروني المعارض الذي يستثمر احداث الماضي، يوم عارض سورية والمقاومة الفلسطينية، ويستغل تعقيدات الوضع الحالي، فلم ينس دور الفلسطينيين السنة في حرب لبنان الاولى، ولا دور السنة حلفائهم في المواجهات السابقة؛ ولا دور رفيق الحريري في اقصائه مدة طويلة في باريس، ولهذا فهو يتحالف مع جميع الجهات التي لها ثارات او خصومات سياسية مع سنة لبنان، ولهذا يصر على نقل التحالف التاريخي في لبنان من تحالف بين الموارنة والسنة في الحكم، الى تحالف بين الموارنة والشيعة، ولهذا تغاضى عن خصوماته مع سورية وتصرف على ان خصومه الاساسيين سنة لبنان، وهو ايضا، يريد تغيير المعادلات السياسية في الساحة اللبنانية لينصب نفسه زعيما في لبنان، كما يريد فرض شروط المنتصر بعد ان حقق فوزا انتخابيا، حال دون عودة أمين الجميل الى البرلمان ورئاسة الجمهورية.
وشروط الجنرال عون، في هذه المرحلة، هي نفس شروط حزب الله شروط المنتصرين على لبنان، وليس على اسرائيل، فلم نسمع ان حزب الله، فرض شروطا على اسرائيل بعد الحرب.
او انه استرجع شبرا من اراضي شبعا، ولكنه فرض حالة عطلت الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وتهدد بانقسامها، وهو الان يضع العقدة في المنشار يريد صفقة تتجاوز رئاسة الجمهورية، الى تقاسم المناصب الامنية والوزارية، وترتيب تعديلات يرغبها في قانون الانتخاب، وعزل الحكومة اللبنانية الحالية واختيار رئيس الحكومة القادم وقائد الجيش القادم اذا كانت هذه ليست شروط المنتصرين فماذا تكون؟.
فالنصر الالهي ثمنه اسقاط النظام السياسي التقليدي في لبنان واعادة صياغته ومصادرة القرار الوطني اللبناني لصالح حزب الله وحلفائه.
تلك املاءات ايران التي ترى المجتمع الشيعي في لبنان وفي أي بلد عربي جزءا منها وترى نفسها مرجعيته السياسية والدينية، ولهذا تدفع بما تسميه شعب المقاومة أي شعبها ليكون الحاكم الحقيقي في لبنان، وتلك رؤيتها المضادة والخاصة لما سمي بالشرق الاوسط الجديد.
فايران تقع في نفس الوهم والخطأ الذي وقع فيه صدام حسين، عندما توهم عندما غزا الكويت انه قادر على لعب دور القوة الاقليمية الكبرى التي تملأ الفراغ الذي تركه انهيار الاتحاد السوفيتي في الشرق الاوسط.
والمشروع النووي الايراني جزء من منظومة الردع والحماية والسيطرة على دول المنطقة، وسلوكها في العراق ولبنان وتمتين نفوذها مع الجاليات الشيعية في الخليج العربي والدعوة للتشيع في الساحة العربية آليات للاختراق الايراني في الساحة العربية.
لقد تحول لبنان الى ورقة في صراع بين قوة اميركية انهكتها حروبها في العراق وافغانستان وقوة ايرانية لا زالت تندفع تحت شعارات تصدير الثورة الايرانية وتعبئة الفراغ في الشرق الاوسط والمغامرة بان الولايات المتحدة لن تدخل في صراع ثالث مع ايران بعد ان نتفت حرب العراق ريش الادارة الاميركية الحالية ودمرت سمعتها في العالم.
ولهذا لن تغير تهديدات الرئيس بوش لسوريا، شيئاً في المعادلات اللبنانية، ودعوته لاجراء الانتخابات الرئاسية بالاغلبية البسيطة، غير قابلة للتطبيق، والازمة اللبنانية مفتوحة على مزيد من التعقيد والحل لا يكمن في لبنان.
يبقى العامل الاسرائيلي الذي يشكل عامل المغامرة غير المحسوبة، فاسرائيل يمكن ان ترتكب حماقة عسكرية ضد ايران، تنتهي بتوريط كامل للولايات المتحدة في حرب غير محسوبة النتائج، فحروب اسرائيل ضد دول المنطقة كانت دائماً حروب استنزاف، لقوى عربية صاعدة في المنطقة، وحروبا لاجهاض مراكز القوة في الساحة العربية، فحربها عام 67، كانت ضد ما يمثله عبدالناصر، وحربها في لبنان 1982، ضد ما تمثله المقاومة الفلسطينية، وحربها عبر الغزو الاميركي في العراق، ضد ما يمثله صدام حسين، وقد تكون حربها القادمة لتفريغ القوة الايرانية الصاعدة في المنطقة وازالة كل ما يهدد المشروع الصهيوني في الشرق الاوسط.
الحل في لبنان هذه المرة، اكثر تعقيداً فلم تعد عقدة الحل في يد سوريا وحدها، وحلفاء سوريا في لبنان، اصبحوا اقوى منها؛ مما يقود الى اختلافات نسبية بين سوريا وايران في وجهات النظر، ازاء مستقبل لبنان، ومستقبل التسوية السياسية في الشرق الاوسط.
لبنان والعراق، دولتان، خطفت ارادتهما السياسية من الداخل، عبر وكلاء محليين، يعملون لصالح ايران، لبنان في المصيدة الايرانية بسبب اخطاء السياسة العربية، والعراق في المصيدة الايرانية بسبب اخطاء السياسة الاميركية. والصراع لن ينتهي، الا بصفقات محتملة تتم على حساب العرب الذين تركوا مصير منطقتهم وبلادهم لهيمنة قوى متصارعة، وطامعة في بلادهم.
الراي الاردنية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
لبنان والعراق، فـي المصيدة الإيرانية-نصوح المجالي
